التطبيع يصل إلى الصحافة المغربية.. انتخاب المختار الغزيوي رئيسًا للمجلس الوطني يثير الجدل
أثار انتخاب الصحافي والناشر المغربي المختار الغزيوي رئيسًا للمجلس الوطني للصحافة جدلًا يتجاوز حدود المنافسة المهنية داخل المؤسسة، بسبب مواقفه السابقة من التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وانتقاداته للمقاومة الفلسطينية، في وقت تتجه فيه العلاقات المغربية الإسرائيلية نحو مزيد من التوسع على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وانتُخب الغزيوي، مدير نشر جريدة «الأحداث المغربية»، في 21 سبتمبر/أيلول 2026، بعد حصوله على 11 صوتًا مقابل 3 أصوات لمنافسه عبد الله البقالي، ليتولى رئاسة المؤسسة المعنية بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة وأخلاقياتها وعدد من الملفات المهنية الرئيسية في المغرب.
من إدارة صحيفة إلى رئاسة المجلس الوطني للصحافة
جاء انتخاب الغزيوي بعد استكمال تشكيل المجلس الجديد، الذي يضم سبعة ممثلين عن الصحافيين المهنيين وسبعة عن الناشرين، إضافة إلى ممثلي مؤسسات دستورية أخرى. وكان الغزيوي قد دخل المجلس ممثلًا لفئة الناشرين، قبل أن يحسم أعضاؤه انتخابات الرئاسة لصالحه.
ولا تكمن أهمية المنصب في صفته البروتوكولية فقط؛ فالمجلس يتعامل مع ملفات التنظيم الذاتي وأخلاقيات المهنة وبطاقة الصحافة المهنية والعلاقة بين الصحافيين والناشرين، وهو ما يمنح قيادته وزنًا داخل المشهد الإعلامي المغربي.
مواقف سابقة تضع التطبيع في قلب الجدل
الجدل حول الغزيوي لا يستند إلى منصبه الجديد وحده، بل إلى سجالات سابقة بشأن الخط التحريري لجريدة «الأحداث المغربية» ومواقفه من القضية الفلسطينية.
ففي ديسمبر/كانون الأول 2023، هاجم عزيز هناوي، الكاتب العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع، افتتاحية للغزيوي، واتهمه بترديد الرواية الإسرائيلية وتحميل المقاومة الفلسطينية مسؤولية ما جرى في غزة. وهذه اتهامات صادرة عن جهة مناهضة للتطبيع وليست توصيفًا محايدًا يمكن التعامل معه باعتباره حقيقة مستقلة.
كما عاد الغزيوي في يناير/كانون الثاني 2025 إلى انتقاد قرار السابع من أكتوبر والمقاومة الفلسطينية في مقال رأي، وهي مواقف جعلته حاضرًا بصورة متكررة في المواجهة الإعلامية بين المؤيدين لمسار التطبيع ورافضيه داخل المغرب.
هل ينتقل التطبيع من السياسة إلى المؤسسات الإعلامية؟
من هنا يطرح انتخاب الغزيوي سؤالًا يتجاوز شخصه: هل بدأ مسار التطبيع المغربي ينتقل من المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية إلى المؤسسات المؤثرة في تشكيل المجال الإعلامي؟
منذ استئناف العلاقات الرسمية عام 2020، توسع التعاون المغربي الإسرائيلي في مجالات متعددة، بينما ظل التطبيع الإعلامي والثقافي أحد أكثر المسارات إثارة للحساسية بسبب قدرته على إعادة تشكيل صورة الاحتلال داخل المجال العام.
فالتطبيع الإعلامي لا يحتاج بالضرورة إلى توقيع اتفاق بين مؤسستين مغربية وإسرائيلية؛ فقد يظهر أيضًا عبر تغير الخطاب المستخدم في تناول الاحتلال، أو منح الرواية الإسرائيلية مساحة أوسع، أو التعامل مع العلاقات معه باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الواقع السياسي.
لكن وجود رئيس للمجلس يحمل مواقف مؤيدة أو متفهمة لمسار التطبيع لا يثبت بمفرده أن المجلس أصبح أداة للتطبيع. إثبات ذلك يحتاج إلى قرارات أو سياسات مهنية فعلية تصدر عن المؤسسة خلال ولايته، وليس فقط إلى مواقف رئيسها الشخصية السابقة.
معركة التطبيع أصبحت معركة على الرواية
تكمن أهمية التطور في أن الإعلام يمثل ساحة مختلفة عن السفارات والصفقات العسكرية.
فالاتفاق السياسي يستطيع إقامة العلاقات بين الحكومات، لكن تحويل تلك العلاقات إلى أمر اعتيادي داخل المجتمع يحتاج إلى خطاب إعلامي وثقافي قادر على تخفيف حساسية التعامل مع الاحتلال وفصل العلاقات معه عن القضية الفلسطينية.
ولهذا ينظر معارضو التطبيع في المغرب بقلق إلى وصول شخصيات ذات مواقف مؤيدة لهذا المسار إلى مواقع مؤثرة داخل المؤسسات الإعلامية، خصوصًا في ظل استمرار المعارضة الداخلية للعلاقات مع الاحتلال.
وفي المقابل، لا يمكن القفز من الموقف السياسي للغزيوي إلى افتراض أنه سيستخدم صلاحيات المجلس لفرض توجه محدد على الصحافة المغربية؛ فهذا استنتاج لم تثبته الوقائع حتى الآن.
من السفارات إلى الإعلام
التطور الأهم إذن ليس مجرد فوز الغزيوي بـ11 صوتًا، وإنما السياق الذي يحدث فيه ذلك.
فبعد سنوات انتقل خلالها التطبيع المغربي الإسرائيلي من استئناف العلاقات إلى التعاون الاقتصادي والأمني والعسكري والدبلوماسي، أصبحت المعركة حول الرواية الإعلامية للتطبيع أكثر وضوحًا.
وهنا يصبح السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة عمليًا: هل يحافظ المجلس الوطني للصحافة على مسافة مهنية واحدة من الخلاف السياسي الحاد حول التطبيع، أم تنعكس توجهات قيادته الجديدة على عمل المؤسسة؟
انتخاب الغزيوي لا يقدم الإجابة بعد، لكنه يضع هذا السؤال في قلب المشهد الصحافي المغربي.
فالتطبيع لا يترسخ فقط عندما تُفتح السفارات وتُوقع الاتفاقيات؛ بل يصبح أعمق عندما ينتقل الجدل من سؤال «هل نقيم العلاقة مع الاحتلال؟» إلى سؤال «كيف نتحدث عنه داخل الإعلام؟». وفي هذه المرحلة تصبح معركة الرواية جزءًا أساسيًا من معركة التطبيع نفسها.







