هنأها هرتسوغ ودعاها لتعميق العلاقات.. فاطمة المنصوري أول رئيسة حكومة في المغرب أمام اختبار التطبيع
دخلت فاطمة الزهراء المنصوري تاريخ المغرب بوصفها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة، بعد أن عيّنها الملك محمد السادس وكلفها بتشكيل أغلبية جديدة إثر تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات البرلمانية. لكن التهنئة السريعة التي وجهها إليها رئيس الاحتلال الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ وضعتها منذ اليوم الأول أمام أحد أكثر الملفات حساسية: مستقبل التطبيع المغربي الإسرائيلي في مواجهة رفض شعبي متصاعد.
واستقبل الملك محمد السادس المنصوري في القصر الملكي بالرباط يوم 29 سبتمبر/أيلول 2026، وكلفها بتشكيل الحكومة وفق الفصل 47 من الدستور، الذي ينص على اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب.
وحصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعدًا من أصل 395، متقدمًا على التجمع الوطني للأحرار الذي حصد 66 مقعدًا، وحزب الاستقلال بـ65 مقعدًا، فيما عاد حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة بحصوله على 54 مقعدًا وقرر الانتقال إلى المعارضة. وتحتاج المنصوري إلى تحالف يمتلك 198 مقعدًا على الأقل لتشكيل أغلبية برلمانية.
من المحاماة إلى رئاسة الحكومة
ولدت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش عام 1976، وتلقت تكوينًا قانونيًا في المغرب وفرنسا والولايات المتحدة، قبل أن تعمل محامية متخصصة في العقارات وقانون الأعمال.
بدأ مسارها السياسي داخل «حركة لكل الديمقراطيين» عام 2007، ثم شاركت في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة عام 2008. وفي السنة التالية، انتُخبت عمدة لمراكش، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المجلس الجماعي للمدينة، قبل أن تعود إلى المنصب مرة أخرى عام 2021.
كما شغلت عضوية مجلس النواب، وترأست المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، ثم تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الحكومة السابقة. وأصبحت لاحقًا ضمن القيادة الجماعية للحزب الذي قادها فوزه الانتخابي إلى رئاسة الحكومة.
هرتسوغ يسارع إلى التهنئة
بعد ساعات من تعيينها، سارع رئيس الاحتلال إسحاق هرتسوغ إلى تهنئة المنصوري، واصفًا وصولها إلى رئاسة الحكومة بأنه تعيين «رائد وتاريخي»، ومتمنيًا لها النجاح في مهمتها.
وأشاد هرتسوغ بما وصفه بقيادة الملك محمد السادس وجهوده في تعزيز العلاقات بين المغرب وإسرائيل، داعيًا إلى استمرار التعاون بهدف «توسيع دائرة السلام والتسامح في المنطقة».
ولا تبدو التهنئة الإسرائيلية مجرد مجاملة بروتوكولية؛ إذ تأتي بينما تعمل الرباط وتل أبيب على نقل علاقاتهما إلى مستوى أعلى. ففي سبتمبر/أيلول، عقد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة اجتماعًا في نيويورك مع وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر والمندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وبحسب ما أُعلن عقب الاجتماع، ناقشت الأطراف رفع مكتبي الاتصال المغربي والإسرائيلي إلى مستوى سفارتين كاملتين، وتبادل السفراء، واستئناف الرحلات الجوية المباشرة، واستكمال اتفاقيات حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي قبل نهاية 2026.
علاقات توسعت رغم حرب غزة
استأنف المغرب علاقاته الرسمية مع الاحتلال في ديسمبر/كانون الأول 2020، ضمن اتفاق رعته الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، لم تقتصر العلاقة على التمثيل الدبلوماسي، بل امتدت إلى التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي والتجاري.
واستمر هذا المسار رغم الحرب الإسرائيلية على غزة وسقوط عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ورغم الاحتجاجات المتكررة في المدن المغربية المطالبة بإلغاء اتفاق التطبيع وإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط.
وتؤكد السلطات المغربية أن العلاقة مع إسرائيل لا تعني التطابق معها في جميع المواقف، وأن القضية الفلسطينية تظل أولوية ثابتة، مع دعم إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. لكن معارضي التطبيع يرون أن استمرار التعاون وتوسيعه عمليًا يمنح الاحتلال شرعية سياسية ومساحة أوسع داخل المغرب، بينما لا يترتب عليه وقف العدوان أو الاستيطان.
أول اختبار سياسي للحكومة الجديدة
تتولى المنصوري رئاسة الحكومة في لحظة تتزايد فيها الفجوة بين مسار رسمي يسعى إلى ترسيخ العلاقات مع الاحتلال، وشارع مغربي يواصل تنظيم المسيرات والوقفات دعمًا لفلسطين ورفضًا للتطبيع.
ورغم أن الملفات الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها السياسة الخارجية والدفاع، تظل ضمن الصلاحيات الواسعة للمؤسسة الملكية، فإن موقف الحكومة الجديدة سيبقى محل متابعة، خصوصًا في ما يتعلق بالاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية المرتبطة بإسرائيل.
ولهذا تحمل تهنئة هرتسوغ رسالة سياسية تتجاوز الاحتفاء بوصول امرأة إلى رئاسة الحكومة؛ فهي تعكس رغبة إسرائيلية واضحة في ضمان استمرارية العلاقات ونقلها إلى مرحلة السفارات الكاملة.
وبينما تمثل المنصوري سابقة تاريخية على مستوى مشاركة المرأة المغربية في السلطة، فإن الاختبار الحقيقي لن يقتصر على تشكيل الائتلاف وإدارة الاقتصاد والتحضير لمونديال 2030، بل سيمتد إلى موقف حكومتها من مسار تطبيع يزداد عمقًا رسميًا، في الوقت الذي يزداد فيه رفضه شعبيًا.







