من مواجهة الحوثيين إلى بوابة التطبيع.. اتصالات سعودية إسرائيلية بوساطة أمريكية
تكشف تقارير إسرائيلية عن اتصالات بين السعودية والاحتلال الإسرائيلي بوساطة القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، في إطار البحث عن وسائل لمساعدة الرياض في مواجهة هجمات الحوثيين، بما في ذلك إمكانية تقديم دعم استخباراتي. وتأتي هذه الاتصالات بينما يتصاعد الضغط العسكري على السعودية ويتزايد التهديد للملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة من زاوية التطبيع؛ إذ ترى أوساط إسرائيلية أن وجود «عدو مشترك» يمكن أن يوفر فرصة جديدة لتقريب الرياض وتل أبيب، حتى إذا جرى التعاون في البداية بعيدًا عن الأضواء. وهكذا يعود الملف الأمني ليظهر باعتباره واحدًا من أهم المداخل التي تراهن عليها إسرائيل لتحويل المصالح المشتركة مع السعودية إلى علاقة يمكن البناء عليها سياسيًا لاحقًا.
اتصالات بين الرياض وتل أبيب بوساطة «سنتكوم»
بحسب مصادر دبلوماسية في الشرق الأوسط نقلت عنها وسائل إعلام إسرائيلية، أجرت السعودية والاحتلال محادثات بوساطة «سنتكوم»، بهدف بحث مساعدة المملكة على الدفاع عن نفسها في مواجهة الحوثيين، ومن بين صور المساعدة المطروحة تقديم دعم استخباراتي.
ولا تعني هذه المعلومات أن تحالفًا عسكريًا سعوديًا إسرائيليًا قد تشكل بالفعل؛ فالمصادر نفسها تشير إلى أن التعاون لا يزال محدودًا، كما أن الموقف الإسرائيلي الداخلي والتعقيدات السياسية السعودية يعرقلان انتقاله إلى مستوى أكثر وضوحًا.
لكن أهمية الاتصالات تكمن في حدوثها من حيث المبدأ؛ إذ يجلس الطرفان، ولو عبر وسيط أمريكي، لمناقشة تهديد أمني مشترك واحتياجات دفاعية سعودية، في وقت لا توجد فيه علاقات دبلوماسية رسمية بين الرياض وتل أبيب.
الاستخبارات الإسرائيلية تدخل الحسابات السعودية
تزامنت الاتصالات مع تصعيد حوثي ضد السعودية شمل هجمات بطائرات مسيّرة واستهداف منشآت وخطوط مرتبطة بالبنية النفطية، إلى جانب تطورات عسكرية قرب باب المندب وسيطرة الحوثيين على مواقع وجزر استراتيجية في البحر الأحمر.
ومع تصاعد الضغط، برز الحديث عن حاجة الرياض إلى معلومات استخباراتية وقدرات عسكرية تساعدها على مواجهة التهديد.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن «سنتكوم» تواصلت بصورة غير مباشرة مع الاحتلال بشأن تبادل معلومات استخباراتية وتقديم أشكال أخرى من المساعدة، بالتزامن مع لقاءات سعودية أمريكية تناولت تطورات المنطقة.
وهنا تظهر زاوية التطبيع الأكثر حساسية؛ فالعلاقة لا تبدأ بسفارة أو رحلة جوية، وإنما باحتياج أمني مباشر يجعل التكنولوجيا والمعلومات الإسرائيلية جزءًا محتملًا من الدفاع عن المملكة.
«عدو مشترك» يمهد للعلاقات
يقر باحثون إسرائيليون بأن مساعدة السعودية تبدو منطقية من منظور تل أبيب لسببين متداخلين: مواجهة الحوثيين باعتبارهم «عدوًا مشتركًا»، واستخدام التعاون نفسه في تمهيد الطريق نحو التطبيع.
هذه المعادلة ليست جديدة في الاستراتيجية الإسرائيلية.
فخلال السنوات الماضية، عمل الاحتلال على تقديم نفسه لدول المنطقة باعتباره شريكًا أمنيًا في مواجهة إيران وحلفائها، بدل أن يبقى في موقع قوة الاحتلال التي يفترض أن تكون القضية الفلسطينية هي المحدد الأساسي للعلاقة معها.
وبذلك تتغير الأولويات تدريجيًا: من إنهاء الاحتلال مقابل العلاقات، إلى مواجهة تهديد مشترك أولًا، ثم بناء تعاون أمني، ثم تحويله إلى علاقة سياسية.
تعاون خلف الكواليس بسبب الحساسية السعودية
اللافت أن التقديرات الإسرائيلية نفسها ترى أن أي مساعدة إسرائيلية للسعودية يجب أن تتم «بهدوء» وخلف الكواليس بسبب الاعتبارات السياسية داخل المملكة.
وهذه النقطة شديدة الأهمية في فهم طبيعة مسارات التطبيع قبل إعلانها رسميًا.
فعدم وجود سفارة إسرائيلية في الرياض لا يعني بالضرورة انعدام الاتصالات. ويمكن للتعاون أن يبدأ على مستويات أمنية واستخباراتية عبر الولايات المتحدة، بعيدًا عن الرأي العام، قبل أن تتوافر الظروف السياسية للإعلان عنه.
وهذا النموذج يجعل الإعلان الرسمي عن التطبيع نهاية لمسار، لا بدايته.
فالخطوات الأكثر حساسية يمكن أن تسبق الإعلان بسنوات: لقاءات، تنسيق أمني، تبادل معلومات، مصالح اقتصادية، استخدام المجال الجوي، واتصالات عبر وسطاء.
إسرائيل تريد تحويل أزمة الحوثيين إلى فرصة
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها لا تبدو راغبة في تحمل المواجهة مع الحوثيين منفردة.
فقد أوصى الجيش الإسرائيلي، وفق مصادر عسكرية وأمنية، بتجنب هجوم استباقي يجعل الاحتلال في صدارة الحرب مع الجماعة، والدفع بدلًا من ذلك نحو تشكيل تحالف دولي وإقليمي لمواجهتها.
ويرى الاحتلال أن خطر الحوثيين لم يعد متعلقًا به وحده، خصوصًا مع تحركاتهم قرب باب المندب وقدرتهم على التأثير في حركة الملاحة والتجارة الدولية.
ومن هنا تخدم الأزمة هدفًا إسرائيليًا أوسع: تحويل الحوثيين من خصم لإسرائيل إلى تهديد مشترك يجمعها مع دول عربية داخل منظومة أمنية واحدة.
وإذا تحقق ذلك، تصبح إسرائيل جزءًا من الحل الأمني لدول المنطقة، بدل أن تبقى طرفًا خارجيًا تواجه علاقاته معها رفضًا سياسيًا وشعبيًا.
باب المندب يخلق مصلحة مشتركة
تصاعدت أهمية هذا السيناريو مع التقدم الحوثي في الساحل اليمني واقتراب المواجهة من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وقد حذرت الحكومة اليمنية خلال الأيام الأخيرة من أن تهديد المضيق لا يقتصر على اليمن، بل يمتد إلى البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة الدولية، ووصفت حماية الساحل واستعادة السيطرة على الموانئ والمياه الإقليمية بأنها مصلحة عربية ودولية مشتركة.
بالنسبة إلى إسرائيل، توفر هذه البيئة فرصة لبناء شبكة مصالح أمنية تشمل السعودية ودولًا عربية أخرى والولايات المتحدة.
فكلما تحول أمن البحر الأحمر إلى قضية إقليمية مشتركة، أصبح إدخال الاحتلال في ترتيبات الأمن البحري والدفاع الجوي وتبادل المعلومات أكثر قابلية للتسويق.
التطبيع الأمني يسبق التطبيع السياسي
السيناريو الذي تكشفه الاتصالات السعودية الإسرائيلية يشبه إلى حد كبير النموذج الذي تراهن عليه إسرائيل في المنطقة: بناء المصالح أولًا، ثم العلاقات السياسية لاحقًا.
السعودية تتعرض لهجمات حوثية وتحتاج إلى معلومات وقدرات دفاعية.
إسرائيل تمتلك معلومات وتقنيات وخبرة في مواجهة الصواريخ والمسيّرات.
الولايات المتحدة توفر قناة الاتصال.
ثم ينشأ تعاون أمني لا يحتاج في مرحلته الأولى إلى سفارات أو اعتراف سياسي كامل.
ومع مرور الوقت، تستطيع تل أبيب استخدام هذا التعاون لتقول إن الطرفين أصبحا بالفعل شريكين في مواجهة التهديدات نفسها، وإن إقامة العلاقات الرسمية ليست سوى ترجمة سياسية لواقع أمني قائم.
القضية الفلسطينية تتراجع أمام «الخطر المشترك»
هنا يظهر التأثير الأعمق لهذا النوع من التعاون على القضية الفلسطينية.
فالموقف السعودي الرسمي ما يزال يربط إقامة العلاقات مع الاحتلال بمسار يؤدي إلى دولة فلسطينية. لكن بناء تعاون أمني قبل تحقيق هذا الشرط يمكن أن يغير ترتيب المعادلة.
بدلًا من:
حل القضية الفلسطينية ثم العلاقات.
يصبح المسار:
مصالح أمنية مشتركة، ثم تعاون، ثم علاقات، بينما تبقى فلسطين ملفًا تفاوضيًا منفصلًا.
وهذا تحديدًا هو التحول الذي حققته «اتفاقيات أبراهام» لصالح الاحتلال؛ إذ استطاعت إسرائيل إقامة علاقات عربية كاملة دون إنهاء الاحتلال أو الاستيطان أولًا.
واشنطن تمسك بمفتاح العلاقة
وجود «سنتكوم» في قلب الاتصالات ليس تفصيلًا ثانويًا.
فالولايات المتحدة لعبت تاريخيًا الدور الرئيسي في دفع مسارات التطبيع العربي الإسرائيلي، وهي اليوم تستطيع استخدام البنية العسكرية التي تربطها بدول المنطقة لإنشاء مساحات اتصال بين أطراف لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية.
وفي الحالة السعودية، يوفر الوسيط الأمريكي للرياض هامشًا إضافيًا: يمكن الحصول على معلومات أو تنسيق مرتبط بإسرائيل دون الاضطرار في البداية إلى الإعلان عن تعاون ثنائي مباشر.
لكن استمرار هذا النموذج قد يجعل الحاجز بين «التنسيق عبر واشنطن» و«التعاون المباشر مع الاحتلال» أقل وضوحًا مع مرور الوقت.
لماذا لم يتحول التنسيق إلى تحالف حتى الآن؟
رغم وجود المصلحة المشتركة، تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الانتقال نحو تعاون واسع لا يزال صعبًا.
السبب الأول يتعلق بالحسابات السياسية السعودية وحساسية أي تعاون معلن مع الاحتلال، بينما يتعلق السبب الثاني بالانتخابات الإسرائيلية؛ إذ تحتاج حكومة بنيامين نتنياهو إلى إنجاز تستطيع تسويقه علنًا، في حين أن الرياض -وفق التقديرات المنشورة- تحتاج إلى أن يبقى أي دعم إسرائيلي بعيدًا عن الأضواء.
وهنا تتعارض احتياجات الطرفين.
السعودية -إذا احتاجت إلى التعاون- تريده سريًا.
أما نتنياهو فيحتاج إلى مكسب سياسي ظاهر يمكن تقديمه لجمهوره باعتباره اختراقًا جديدًا في العلاقات مع العالم العربي.
ولهذا قد يبقى التعاون محدودًا أو غير مباشر في المرحلة الحالية، دون أن يعني ذلك إغلاق مساره مستقبلًا.
الحوثيون يقدمون لإسرائيل ورقة تطبيع جديدة
المفارقة أن التصعيد الحوثي الذي يرفع شعارات مواجهة الاحتلال يمكن أن يمنح تل أبيب، بصورة غير مباشرة، فرصة جديدة لتوسيع اندماجها الأمني في المنطقة.
فكل هجوم على السعودية يزيد حاجة الرياض إلى الدفاع الجوي والمعلومات.
وكل تهديد لباب المندب يزيد عدد الدول التي لديها مصلحة في بناء منظومة أمنية مشتركة.
وكلما أصبحت إسرائيل جزءًا من هذه المنظومة، أصبح التعامل معها أكثر اعتيادية داخل المؤسسات العسكرية والأمنية العربية.
وهكذا يستطيع الاحتلال تحويل التهديد الأمني إلى أداة سياسية: الخوف المشترك يصنع التعاون، والتعاون يمهد للتطبيع.
الخلاصة.. من تبادل المعلومات إلى التطبيع؟
الاتصالات السعودية الإسرائيلية الأخيرة لا تعني أن الرياض قررت التطبيع، ولا توجد معلومات تثبت قيام تحالف عسكري مباشر بين الطرفين. وهذه نقطة ضرورية حتى لا تتحول قراءة التطورات إلى نتيجة أكبر مما تسمح به الوقائع.
لكن ما تكشفه التقارير مهم بحد ذاته: هناك محادثات بوساطة أمريكية تبحث مساعدة السعودية في مواجهة الحوثيين، وهناك حديث عن دعم وتبادل معلومات استخباراتية، بينما ترى أوساط إسرائيلية في هذا التعاون فرصة لتمهيد العلاقات وصولًا إلى التطبيع.
وهنا تكمن أهمية التطور.
فالتطبيع السعودي، إذا حدث مستقبلًا، قد لا يبدأ من حفل توقيع في واشنطن.
قد يبدأ قبل ذلك بكثير، داخل غرف العمليات، ومن خلال «سنتكوم»، وتحت عنوان مواجهة الحوثيين وحماية السعودية وباب المندب.
وبذلك تصبح المعادلة الإسرائيلية واضحة:
حوّل الحوثيين إلى عدو مشترك، ثم قدم المعلومات والتكنولوجيا، وابنِ التعاون الأمني، وبعدها يصبح الانتقال إلى العلاقات السياسية أكثر سهولة.
وهذا هو الرهان الحقيقي خلف الاتصالات الحالية: ألا يكون التعاون الأمني نتيجة للتطبيع السعودي الإسرائيلي، بل أن يصبح هو الطريق الذي يقود إليه.







