التطبيع المغربي الإسرائيلي الكامل.. مكسب للاحتلال وحسابات الرباط في توقيت بالغ الحساسية
ينتقل مسار التطبيع بين المغرب والاحتلال الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر عمقًا، بعد الاتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي من مكتبي اتصال إلى سفارتين كاملتين وتبادل السفراء، في خطوة كانت مطروحة منذ استئناف العلاقات الرسمية أواخر عام 2020، لكنها تكتسب اليوم دلالات مختلفة بفعل توقيتها السياسي والإقليمي.
فالقرار لا يأتي بوصفه تعديلًا بروتوكوليًا في شكل البعثات الدبلوماسية فقط، بل بالتوازي مع استئناف الرحلات الجوية المباشرة، والعمل على استكمال اتفاقيات لحماية الاستثمارات وتجنب الازدواج الضريبي، وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني والتقني. وبذلك ينتقل التطبيع من مرحلة بناء العلاقات إلى محاولة تثبيتها داخل شبكة مؤسسات ومصالح يصعب فصلها لاحقًا.
من اتفاق 2020 إلى التطبيع الدبلوماسي الكامل
لم تكن السفارات فكرة جديدة ظهرت في سبتمبر/أيلول 2026. فمنذ الاتفاق الثلاثي الذي جمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2020، كان رفع العلاقات تدريجيًا وصولًا إلى التمثيل الدبلوماسي الكامل حاضرًا في مسار التطبيع.
وبدأت المرحلة الأولى بإعادة فتح مكاتب الاتصال، ثم توسعت العلاقات في السنوات التالية إلى مجالات التجارة والسياحة والاستثمار والأمن والدفاع، وصولًا إلى الاتفاق الأخير على السفارات وتبادل السفراء.
وبالتالي فإن التطور الحالي لا يؤسس للعلاقات من الصفر، وإنما ينقلها إلى درجة أعلى من المأسسة والعلنية.
الصحراء الغربية في قلب المعادلة
يبقى ملف الصحراء الغربية أحد أهم مفاتيح فهم الحسابات المغربية.
فالولايات المتحدة أعلنت في عهد دونالد ترامب عام 2020 الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء بالتزامن مع استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية، فيما أعلنت إسرائيل لاحقًا دعم الموقف المغربي. وفي التفاهمات الجديدة، جددت واشنطن وتل أبيب موقفهما الداعم للرباط في هذا الملف.
وتأتي الخطوة الجديدة قبل جلسة مرتقبة لمجلس الأمن بشأن الصحراء الغربية في أكتوبر/تشرين الأول، ما يضيف إلى القرار بُعدًا يتجاوز العلاقات الثنائية مع الاحتلال إلى علاقة الرباط بواشنطن وحساباتها داخل المؤسسات الدولية.
ومن هذه الزاوية، تبدو العلاقة مع الاحتلال جزءًا من شبكة مصالح أوسع تسعى الرباط من خلالها إلى تثبيت المكاسب الدبلوماسية المرتبطة بقضية الصحراء.
توقيت يمنح الاحتلال مكسبًا سياسيًا
بالنسبة إلى حكومة بنيامين نتنياهو، يمثل رفع العلاقات مع دولة عربية وإسلامية بحجم المغرب إلى مستوى السفارات مكسبًا سياسيًا واضحًا.
فالمغرب ليس دولة عربية أخرى فقط، بل يرأس ملكه لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي، كما تتمتع القضية الفلسطينية بحضور تاريخي وشعبي واسع داخل المجتمع المغربي.
لذلك فإن الانتقال إلى السفارات يحمل قيمة رمزية بالنسبة إلى تل أبيب تتجاوز فتح بعثة دبلوماسية جديدة.
كما يأتي التطور في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطًا وانتقادات دولية واسعة مرتبطة بالحرب في غزة وسياساتها في الأراضي الفلسطينية، ما يجعل استمرار توسيع العلاقات العربية معها رسالة سياسية مهمة لحكومة نتنياهو: حتى الحرب لم توقف مسار التطبيع مع بعض الدول العربية.
واشنطن تعيد دفع «اتفاقيات أبراهام»
الولايات المتحدة حاضرة بقوة في التطور الجديد.
فالإعلان جاء بعد اجتماع ثلاثي في نيويورك جمع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ووزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر، بحضور السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وتحاول إدارة ترامب إعادة منح «اتفاقيات أبراهام» زخمًا سياسيًا بعد أن تعثرت آمال توسيعها إلى دول عربية إضافية بفعل حرب غزة والتحولات الإقليمية.
ومن هنا يمثل الانتقال المغربي من مكاتب الاتصال إلى السفارات فرصة لواشنطن لتقديم الاتفاقيات باعتبارها مشروعًا لا يزال قادرًا على التقدم، حتى إذا لم تنضم إليه دولة عربية جديدة.
بمعنى آخر، توسيع التطبيع القائم يمكن أن يؤدي مؤقتًا وظيفة تعذر توسيع قائمة الدول المطبعة.
علاقات أمنية واقتصادية تتجاوز السفارات
التركيز على السفارات وحدها قد يحجب التطور الأعمق الذي شهدته العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ 2020.
فالمسار اتجه تدريجيًا إلى بناء علاقات اقتصادية وأمنية ودفاعية وتقنية، وهو ما جعل العلاقة تتجاوز منذ سنوات مفهوم «مكتب الاتصال».
وتشير دراسات للعلاقات بين الطرفين إلى أن التعاون الأمني والاستخباراتي يعود أصلًا إلى ما قبل الإعلان الرسمي عن استئناف العلاقات، قبل أن يوفر اتفاق 2020 إطارًا علنيًا ومؤسساتيًا لتوسيع التعاون.
لذلك فإن فتح السفارات يمثل في جانب منه مطابقة الشكل الدبلوماسي مع مستوى العلاقة الفعلي الذي تطور على الأرض.
التطبيع يتقدم رغم غزة
توقيت الخطوة هو العنصر الأكثر إثارة للجدل داخل المغرب.
فبدل أن تؤدي حرب غزة إلى تجميد العلاقات أو تخفيض مستوى التمثيل، يحدث العكس: تنتقل العلاقات إلى مستوى السفارات، وتستأنف الرحلات المباشرة، وتتوسع الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والتقنية.
وهذا يمنح الاحتلال مكسبًا مهمًا؛ إذ يسمح له بالفصل بين سلوكه تجاه الفلسطينيين وبين علاقاته بالدول العربية.
فالمعادلة التي كانت تاريخيًا تربط التطبيع بالتقدم نحو تسوية القضية الفلسطينية تصبح أقل حضورًا، لتحل محلها معادلة أخرى تقوم على المصالح الثنائية: الأمن، الاستثمار، التجارة، التكنولوجيا والدعم الدبلوماسي.
وبهذه الصورة، يستطيع الاحتلال تعميق اندماجه الإقليمي من دون تقديم تنازل موازٍ للفلسطينيين.
معارضة داخلية تضع الرباط أمام معادلة صعبة
في المقابل، أثار القرار موجة جديدة من الانتقادات داخل المغرب، خصوصًا بين الهيئات والشخصيات المناهضة للتطبيع، التي ترى أن رفع مستوى العلاقات في ظل الحرب على غزة يعمق الفجوة بين السياسة الرسمية والموقف الشعبي الداعم للفلسطينيين.
لكن من الضروري التمييز بين وجود رفض شعبي وسياسي واسع وبين القول إن جميع المغاربة يتخذون موقفًا واحدًا؛ فقياس حجم التأييد والرفض بدقة يحتاج إلى استطلاعات حديثة وموثوقة.
المؤكد هو استمرار نشاط واسع مناهض للتطبيع، واستمرار القضية الفلسطينية باعتبارها عنصرًا حاضرًا بقوة في المجال العام المغربي.
وهنا تواجه الرباط تحديًا طويل المدى: كيف يمكن تعميق العلاقة الرسمية مع الاحتلال بالتزامن مع استمرار الاعتراض الداخلي عليها؟
التطبيع لا يتوقف عند السياسة
هناك مستوى آخر أكثر عمقًا في المسار المغربي.
فالتطبيع لم يعد محصورًا في العلاقات الحكومية؛ إذ امتد الجدل إلى الإعلام والثقافة والتعليم. وفي فبراير/شباط الماضي، أصدرت هيئة مغربية مناصرة لفلسطين تقريرًا اتهمت فيه تعديلات شهدتها المناهج بين 2020 و2025 بأنها تدفع نحو ما وصفته بـ«التربية على التطبيع». وهذه قراءة صادرة عن جهة مناهضة للتطبيع وليست توصيفًا رسميًا لسياسة التعليم المغربية.
لكن مجرد انتقال الجدل إلى المدارس والإعلام والثقافة يكشف المرحلة التي وصل إليها الملف.
فبعد تأسيس العلاقات السياسية، يصبح السؤال التالي متعلقًا بكيفية جعلها مقبولة ومستقرة اجتماعيًا.
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية حول تطبيع صورة الاحتلال نفسه وليس فقط العلاقات الحكومية معه.
من علاقة براغماتية إلى شراكة استراتيجية
عند جمع التطورات منذ 2020، يظهر مسار تصاعدي واضح:
بدأ الأمر بإعادة فتح مكاتب الاتصال، ثم الرحلات والزيارات الرسمية، ثم الاتفاقيات الاقتصادية، ثم التعاون الأمني والعسكري والتكنولوجي، وصولًا إلى السفارات والسفراء.
ولهذا يصعب اليوم وصف العلاقة بأنها مجرد خطوة تكتيكية مرتبطة بظرف سياسي عابر.
فقد أصبحت هناك مؤسسات واتفاقيات ومصالح مشتركة تراكمت خلال ست سنوات، وهو ما يقرب العلاقة من مفهوم الشراكة الاستراتيجية أكثر من كونها مجرد اتصال دبلوماسي محدود. وكانت دراسات مبكرة لمسار العلاقات قد رصدت بالفعل هذا الاتجاه منذ السنوات الأولى التالية لاتفاق 2020.
الخلاصة.. الاحتلال يحصد المكسب الأكثر استدامة
قد تحصل الرباط من علاقتها مع تل أبيب وواشنطن على مكاسب تراها استراتيجية، وفي مقدمتها الدعم السياسي في ملف الصحراء، إلى جانب التعاون العسكري والتكنولوجي والاقتصادي.
وقد ترى واشنطن في الخطوة نجاحًا جديدًا لمشروع «اتفاقيات أبراهام».
لكن الاحتلال يحصل في المقابل على مكسب مختلف وأكثر استدامة: ترسيخ وجوده باعتباره طرفًا طبيعيًا داخل النظام الإقليمي العربي، حتى في ظل استمرار الصراع الفلسطيني والحرب في غزة.
وهذه هي الدلالة الأعمق للانتقال من مكاتب الاتصال إلى السفارات.
فالخطوة لا تعني فقط رفع علم فوق مبنى جديد أو تعيين سفير بدل رئيس مكتب اتصال؛ بل تعني أن مسارًا بدأ قبل ست سنوات أصبح أكثر مؤسساتية وتشابكًا مع المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية المغربية.
ومع كل طبقة جديدة من هذه العلاقات، ترتفع كلفة التراجع عنها.
لهذا فإن ما يحدث اليوم يمكن قراءته باعتباره انتقالًا من مرحلة إقامة التطبيع إلى مرحلة تثبيته: سفارات، سفراء، رحلات، استثمارات، تعاون أمني وتقني، ومصالح متشابكة.
وبينما تراهن الرباط على المكاسب الاستراتيجية، وتراهن واشنطن على إحياء اتفاقيات أبراهام، يراهن الاحتلال على الهدف الأبعد: أن تصبح علاقته بدولة عربية وإسلامية بحجم المغرب أمرًا دائمًا لا يتغير بتغير ما يجري في فلسطين.







