التطبيع يعمّق عزلة المخزن.. الشارع المغربي يواصل رفض العلاقة مع الاحتلال

يتسع الشرخ بين السلطات المغربية وقطاعات واسعة من الشارع بسبب استمرار العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي، في وقت يرى فيه معارضو التطبيع أن الرباط لم تكتفِ بالحفاظ على الاتفاق الموقّع منذ ديسمبر/كانون الأول 2020، بل وسّعت التعاون مع تل أبيب إلى مجالات حساسة، بينما تتصاعد الاحتجاجات الرافضة لهذا المسار.
وسلط الكاتب والصحافي المغربي محمد المتيماري، في مقال نشره موقع «CounterCurrents»، الضوء على ما وصفه بـ«العزلة الشعبية المتصاعدة» للسلطات نتيجة الإصرار على التطبيع رغم الحرب على غزة، معتبرًا أن القرار فُرض من أعلى ولم يكن نتيجة نقاش شعبي أو استشارة عامة.
تطبيع رسمي في مواجهة شارع رافض
بحسب المقال، اتسعت الهوة منذ اندلاع الحرب على غزة؛ ففي الوقت الذي خرجت فيه مظاهرات مغربية تطالب بقطع العلاقات مع الاحتلال، حافظت السلطات على مسار التطبيع وعلى التعاون القائم مع إسرائيل.
ويرى الكاتب أن المشكلة لم تعد في وجود علاقات دبلوماسية فحسب، بل في توسعها نحو التجارة والزراعة والتعليم والتعاون الأمني والعسكري، بما يحول التطبيع إلى بنية متشابكة يصعب التعامل معها بوصفها خطوة رمزية أو مؤقتة.
من العلاقات إلى المؤسسات
يشير التقرير إلى أن التعاون مع الاحتلال امتد إلى قطاعات داخل مؤسسات الدولة، مستشهدًا بعلاقات أمنية وعسكرية وتدريبات مرتبطة بجيش الاحتلال.
وهنا تبرز إحدى أخطر نتائج التطبيع: انتقاله من اتفاق سياسي بين حكومتين إلى حضور إسرائيلي داخل مجالات تمس الأمن والاقتصاد والتعليم، بينما يبقى المجتمع المغربي بعيدًا عن اتخاذ القرار في هذه الملفات.
وبهذا المعنى، يصبح التطبيع مشروعًا مؤسسيًا لا مجرد علاقة خارجية.
التضييق على الأصوات المناهضة
تزداد حساسية الملف مع توثيق حالات ملاحقة أو محاكمة لنشطاء شاركوا في احتجاجات داعمة لفلسطين ورافضة للتطبيع.
ففي قضية معروفة، حوكم 13 ناشطًا شاركوا في اعتصام سلمي أمام أحد متاجر «كارفور» بمدينة سلا، وصدر بحقهم حكم بالسجن ستة أشهر مع وقف التنفيذ وغرامات مالية، قبل تثبيت الحكم استئنافيًا. وأعرب خبراء أمميون عن مخاوف من ارتباط الملاحقات بممارسة الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي.
وتمنح هذه الوقائع انتقادات معارضي التطبيع وزنًا أكبر؛ إذ يخشون من أن تتحول حماية المسار الرسمي مع الاحتلال إلى تضييق متزايد على من يحاولون مقاومته أو فضح أنشطته.
فلسطين في الخطاب.. وإسرائيل في الواقع
تتمسك الرباط رسميًا بخطاب داعم للقضية الفلسطينية، لكن منتقدي التطبيع يشيرون إلى تناقض واضح بين هذا الخطاب وبين استمرار العلاقات العملية مع تل أبيب.
فالدعم السياسي لفلسطين يفقد جانبًا من أثره عندما يستمر في الوقت نفسه التعاون الاقتصادي والأمني مع الاحتلال، خصوصًا في ظل حرب غزة واتساع الانتهاكات الإسرائيلية.
وهذا التناقض هو ما يغذي الغضب الشعبي: بيانات تضامن من جهة، وعلاقات متنامية مع إسرائيل من جهة أخرى.
التطبيع يتحول إلى صدام داخلي
أخطر ما يكشفه المشهد المغربي أن التطبيع لم يعد مجرد ملف في السياسة الخارجية.
لقد أصبح موضوعًا للصراع داخل المجتمع نفسه.
فالسلطة تسعى إلى تثبيت العلاقات وتوسيعها، بينما يواصل الشارع تنظيم المظاهرات والحملات والوقفات الرافضة لها.
وكلما تعمقت الشراكات مع الاحتلال، اتسعت الفجوة بين الطرفين، وأصبح التطبيع عنوانًا للخلاف حول من يحدد السياسة الخارجية، وما إذا كان بالإمكان فرض علاقات استراتيجية بهذا الحجم دون قبول شعبي.
الاحتلال يربح.. والمخزن يدفع الكلفة الشعبية
منذ استئناف العلاقات، حصلت إسرائيل على مكاسب واضحة: علاقات رسمية، حركة تجارية، تعاون أمني وعسكري، وفتح أبواب مؤسسات وسوق عربية جديدة.
أما المقابل الشعبي داخل المغرب فكان تصاعد الاحتجاجات ورفض تحويل إسرائيل إلى شريك طبيعي.
ولهذا تبدو المفارقة واضحة: كلما تعمقت العلاقات الرسمية مع الاحتلال، أصبحت السلطة أكثر ابتعادًا عن موقف الشارع.
والنتيجة أن التطبيع الذي كان يفترض، وفق الخطاب الرسمي، أن يخدم المصالح الوطنية والاستقرار، تحول إلى مصدر دائم للتوتر الداخلي.
الخلاصة
تكشف الحالة المغربية أن التطبيع يمكن فرضه سياسيًا، لكنه لا يضمن القبول الشعبي.
فبعد سنوات من الاتفاق، ما يزال الشارع المغربي واحدًا من أكثر الأصوات العربية حضورًا في رفض العلاقات مع الاحتلال، بينما تستمر السلطات في توسيع التعاون معه.
وفي الوقت نفسه، تثير ملاحقة بعض النشطاء المناهضين للتطبيع مخاوف من أن تكون كلفة الحفاظ على العلاقة مع إسرائيل هي تضييق المجال أمام الأصوات المعارضة لها.
وهكذا يتحول التطبيع من اتفاق خارجي إلى أزمة داخلية: احتلال يحصل على مزيد من الاندماج، وسلطة تتمسك بالعلاقة، وشارع يواصل رفضها.







