من التطبيع إلى حروب الوكلاء.. كيف أعادت الإمارات تشكيل نفوذها الإقليمي؟
أعاد موقف الوفد الإماراتي خلال خطاب رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة فتح النقاش حول مسار السياسة الخارجية لأبوظبي، وطبيعة التحالفات التي بنتها خلال السنوات الأخيرة، من التطبيع مع إسرائيل إلى الانخراط في صراعات ليبيا واليمن والسودان.
فبينما غادر دبلوماسيون من عشرات الدول قاعة الجمعية العامة احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة، أفاد تقرير نشره موقع «الإمارات ليكس» بأن الوفدين الإماراتي والبحريني بقيا داخل القاعة. وقد أثار المشهد انتقادات واسعة، واعتبره منتقدون انعكاسًا لأولوية الحفاظ على العلاقات مع الاحتلال، حتى في لحظة تتزايد فيها عزلة حكومة نتنياهو دوليًا. وكانت وكالات دولية قد وثقت انسحاب عشرات المندوبين فور بدء الخطاب الإسرائيلي. (reuters.com)
تطبيع يتجاوز حدود العلاقات الدبلوماسية
شكّل عام 2020 نقطة تحول مركزية مع إعلان الإمارات إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الاحتلال ضمن «اتفاقيات أبراهام». وجاءت الخطوة قبل إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية، بما مثّل تراجعًا عمليًا عن التسلسل الذي قامت عليه مبادرة السلام العربية عام 2002، والتي ربطت التطبيع بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة والتوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
قدمت أبوظبي الاتفاق آنذاك باعتباره وسيلة لوقف مخططات ضم أجزاء من الضفة الغربية وفتح المجال أمام التأثير في السياسات الإسرائيلية. لكن العلاقات سرعان ما تجاوزت فتح السفارات وتسيير الرحلات، واتسعت لتشمل التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والتعاون الأمني، بينما استمرت مشاريع الاستيطان والضم بصورة تدريجية.
ومع اندلاع الحرب على غزة، لم تؤد الخلافات العلنية بين الإمارات وحكومة نتنياهو إلى مراجعة جوهرية لمسار العلاقات، ما عزز الاعتقاد بأن التطبيع أصبح جزءًا ثابتًا من بنية السياسة الإقليمية الإماراتية، وليس مجرد اتفاق دبلوماسي قابل للتراجع.
ليبيا.. النفوذ من خلال حفتر
في ليبيا، برز نموذج آخر يقوم على بناء شراكة سياسية وعسكرية مع قوات خليفة حفتر في شرق البلاد. وتناولت تقارير أممية على مدار سنوات الدعم العسكري الخارجي الذي وصل إلى أطراف النزاع الليبي بالمخالفة لحظر الأسلحة، في وقت كانت الأمم المتحدة تدفع باتجاه وقف القتال والتوصل إلى تسوية سياسية.
ويرى منتقدو أبوظبي أن علاقتها بحفتر كشفت مبكرًا توجهًا نحو بناء النفوذ عبر قوى محلية مسلحة، قادرة على ضمان المصالح الإماراتية وتوفير حضور طويل الأمد داخل الدول التي تعاني من الانقسام وضعف المؤسسات المركزية.
اليمن.. تحالف بدأ موحدًا وانتهى بمشروعين
دخلت الإمارات الحرب في اليمن عام 2015 ضمن التحالف الذي قادته السعودية لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا في مواجهة الحوثيين، لكنها بنت لاحقًا علاقة وثيقة مع المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المرتبطة به، رغم تبنيه مشروعًا انفصاليًا يتعارض مع وحدة البلاد.
ومع توسع نفوذ المجلس في جنوب اليمن، ظهرت التباينات بين الرياض وأبوظبي بصورة أكثر وضوحًا. فبينما تمسكت السعودية بالحكومة الرسمية ووحدة الدولة، حافظت الإمارات على شراكتها مع قوى جنوبية مسلحة تمتلك أجندة سياسية مستقلة. وبذلك لم يعد الخلاف مجرد توزيع تكتيكي للأدوار، بل تعبيرًا عن اختلاف في تصور مستقبل اليمن وموازين القوة داخله.
السودان.. اتهامات تتجاوز السجال السياسي
يمثل السودان أخطر الملفات المرتبطة بالسياسة الإماراتية، مع تواصل الاتهامات لأبوظبي بتقديم دعم إلى ميليشيا الدعم السريع، التي تخوض حربًا ضد الجيش السوداني منذ أبريل/نيسان 2023.
وتناولت تحقيقات صحفية رحلات شحن جوية من الإمارات إلى مطار أم جرس في شرق تشاد، وسط شبهات بشأن استخدام المنطقة ضمن خطوط إمداد عابرة للحدود. وتنفي أبوظبي باستمرار إرسال أسلحة إلى ميليشيا الدعم السريع، وتقول إن نشاطها يتركز على المساعدات الإنسانية.
لكن الاتهامات اكتسبت بعدًا أكثر خطورة مع ما نُسب إلى بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن السودان من وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكات عابرة للحدود، تضم أفرادًا وكيانات في الإمارات ودول أخرى، ساهمت في توفير أسلحة ومعدات وخدمات لوجستية وتدريب وعناصر أجنبية للميليشيا.
وتبرز ضمن هذه المعطيات اتهامات باستقدام متعاقدين عسكريين كولومبيين وتشغيل طائرات مسيرة ومدفعية وأنظمة متطورة، عبر مسارات امتدت إلى تشاد وجنوب شرق ليبيا والصومال. وتزداد خطورة ذلك في ظل نزوح أكثر من 14 مليون شخص وتحول الحرب إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم.
شبكة نفوذ واحدة بأدوات مختلفة
رغم اختلاف طبيعة الأدلة والسياقات بين فلسطين وليبيا واليمن والسودان، يظهر نمط متكرر: بناء نفوذ إماراتي من خلال اتفاقيات ثنائية وتحالفات أمنية وعلاقات مع قوى عسكرية محلية، حتى عندما تتعارض هذه الشراكات مع وحدة الدول أو المسارات السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.
ومن التطبيع مع الاحتلال إلى مساندة أطراف مسلحة في دول عربية منقسمة، تبدو السياسة الإماراتية أقرب إلى مشروع نفوذ إقليمي يستخدم الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا والدعم العسكري أدواتٍ متكاملة. لذلك لم يكن بقاء الوفد الإماراتي خلال خطاب نتنياهو مشهدًا بروتوكوليًا معزولًا؛ بل أعاد إلى الواجهة سؤالًا أوسع حول طبيعة الدور الذي اختارته أبوظبي لنفسها، والثمن الذي تدفعه شعوب المنطقة مقابل تمدد هذا النفوذ.







