من «فلاي دبي» إلى التطبيع الأمني.. كيف استغلت إسرائيل حادثة الطائرة الإماراتية؟

تحولت حادثة طائرة «فلاي دبي» المتجهة من دبي إلى تل أبيب، من واقعة خطيرة تتطلب تحقيقاً فنياً وأمنياً دقيقاً، إلى أداة سياسية وإعلامية وظفتها حكومة الاحتلال لتعزيز خطابها الأمني، واستعادة صورة «الضحية»، وتوسيع التعاون مع الدول العربية تحت لافتة مواجهة «العدو المشترك».

وكانت الرحلة رقم FZ1073 تقل 174 شخصاً، معظمهم إسرائيليون، عندما شهدت قمرة القيادة اعتداء مساعد الطيار على قائد الطائرة ومحاولة السيطرة عليها، قبل تدخل ركاب وأفراد من الطاقم واستعادة التحكم فيها، ثم هبوطها اضطرارياً بمدينة تبوك السعودية. وقالت النيابة الإماراتية لاحقاً إن الواقعة كانت «هجوماً إرهابياً»، بينما استمرت التحقيقات بشأن دوافع المساعد والجهات المحتمل ارتباطه بها.

نتنياهو يسابق نتائج التحقيق

قبل اكتمال التحقيقات، سارع نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس إلى تقديم الحادثة باعتبارها محاولة «إرهابية جهادية» لاستهداف الإسرائيليين، وربط الخطاب الإسرائيلي الواقعة بإيران و«الإسلام السياسي». واعتبر محللون تحدثوا لصحيفة «القدس» أن سرعة إطلاق الاتهامات تكشف رغبة إسرائيلية في تحويل الحادثة إلى مادة انتخابية وأمنية تخدم نتنياهو واليمين المتطرف.

وجاءت الواقعة قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول، وبعد تحذيرات أطلقها نتنياهو من «تهديد أمني كبير» محتمل. وهو ما دفع المعارضة الإسرائيلية إلى اتهامه باستغلال مخاوف الإسرائيليين ومحاولة الإيحاء بأنه سبق أن توقع الحادثة، رغم تأكيد يائير لابيد أن الإحاطة الأمنية التي تلقاها قبلها لم تتضمن أي إشارة إلى تهديد مشابه.

التطبيع يتحول إلى تعاون أمني

كشفت الحادثة جانباً آخر من العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، يتجاوز الرحلات الجوية والتجارة والسياحة إلى تبادل المعلومات والتنسيق الأمني. فقد أفادت تقارير بأن الإمارات شاركت مسبقاً مع إسرائيل بيانات ركاب الطائرة وأفراد طاقمها، فيما أعلن نتنياهو الاتفاق مع أبوظبي على التعاون في التحقيق وتشديد ترتيبات أمن الطيران.

ويعني ذلك أن خط الطيران الذي نشأ بعد اتفاقيات التطبيع عام 2020 لم يعد مجرد جسر مدني بين دبي وتل أبيب، بل أصبح جزءاً من منظومة أمنية متداخلة، تحصل إسرائيل عبرها على معلومات عن الركاب والأطقم وتطالب بفرض اشتراطات أمنية على الشركات العربية التي تنقل الإسرائيليين.

«التطبيع بالقوة» وتوسيع دائرة الخوف

يرى المحلل أحمد رفيق عوض أن الحادثة قد تُستخدم لخلق مسار من «التطبيع بالقوة»، عبر نشر الخوف وتقديم إسرائيل للدول العربية باعتبارها شريكاً أمنياً ضرورياً في مواجهة الإرهاب وإيران. وبذلك تتحول واقعة لم تُحسم جميع تفاصيلها إلى مبرر لتوسيع الاختراق الأمني الإسرائيلي، والضغط باتجاه علاقات عربية جديدة مع الاحتلال.

أما السعودية، التي هبطت الطائرة على أراضيها، فرفضت بحسب تقارير طلباً إسرائيلياً لإرسال طائرة عسكرية لنقل الركاب، وأبقت إدارة الحادثة ضمن إجراءاتها السيادية قبل السماح لطائرة بديلة تابعة لـ«فلاي دبي» بإكمال الرحلة إلى تل أبيب. ويكشف هذا التباين الفارق بين دولة ترفض منح إسرائيل حضوراً مباشراً على أراضيها، والإمارات التي باتت علاقاتها مع الاحتلال تشمل تعاوناً دبلوماسياً وأمنياً واسعاً.

حادثة تخدم الرواية الإسرائيلية

لا تقلل خطورة الاعتداء داخل الطائرة من ضرورة التحقيق ومحاسبة المسؤول عنه، لكنها لا تمنح حكومة الاحتلال حق القفز إلى اتهامات سياسية أو توظيف الواقعة لتبرير الحروب وتوسيع التطبيع. فإسرائيل تحاول استثمار الحادثة لاستعادة سردية «المظلومية»، في وقت تواجه فيه انتقادات دولية متصاعدة بسبب جرائمها في غزة والضفة الغربية.

وهكذا كشفت «فلاي دبي» أن التطبيع لا يتوقف عند افتتاح السفارات والرحلات الجوية، بل يتحول تدريجياً إلى شراكة أمنية تمنح إسرائيل مساحة أوسع داخل المنطقة، وتوفر لها أحداثاً وأدوات تستخدمها في معاركها الانتخابية والعسكرية والدعائية.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button