اتفاقيات فوقية بلا شرعية شعبية.. لماذا لا يصنع التطبيع سلامًا؟
تكشف التجربة العربية مع الاحتلال الإسرائيلي أن توقيع اتفاقيات التطبيع لا يعني بالضرورة تحقيق السلام، وأن فتح السفارات وتسيير الرحلات وإبرام الصفقات الاقتصادية لا يكفي لتغيير موقف الشعوب من احتلال قائم على سلب الأرض وإنكار الحقوق الفلسطينية.
فبالعودة إلى تاريخ التطبيع العربي، يصعب العثور على حالة واحدة خرجت فيها الجماهير مطالبة بإقامة علاقات مع إسرائيل، أو تحركت فيها النقابات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني للضغط باتجاه فتح السفارات. وعلى العكس، جاء التطبيع غالبًا بقرارات رسمية من أعلى، مدفوعة بحسابات أمنية أو اقتصادية أو برغبة في بناء تحالفات إقليمية وكسب دعم الولايات المتحدة.
الحكومات توقع والشعوب ترفض
تستطيع الحكومات تغيير سياساتها الخارجية في وقت قصير، لكنها لا تستطيع فرض القبول المجتمعي بالسرعة نفسها. فالاتفاقيات تُوقَّع بقرار سياسي، أما المواقف الشعبية فتتشكل بفعل التاريخ والوعي الجمعي والوقائع اليومية التي يشاهدها الناس.
وتقدم تجربتا مصر والأردن دليلًا واضحًا على هذه الفجوة. فقد وقّعت مصر معاهدة السلام مع الاحتلال عام 1979، ثم وقّع الأردن معاهدة وادي عربة عام 1994، لكن مرور عقود لم يحول العلاقات الرسمية إلى تطبيع شعبي كامل. وظل رفض الاحتلال حاضرًا في النقابات والجامعات والفضاء الثقافي وقطاعات واسعة من المجتمع.
ويرجع ذلك إلى أن المشكلة الأساسية لم تُحل؛ إذ بقي الاحتلال، وتوسّع الاستيطان، واستمرت الاعتداءات على الفلسطينيين والمقدسات، بينما تحولت المعاهدات إلى ترتيبات سياسية وأمنية لا يشعر المواطن العربي بأنها حققت سلامًا عادلًا.
تطبيع يتجاهل أصل الصراع
تروّج اتفاقيات التطبيع الحديثة لفكرة إمكان تجاوز القضية الفلسطينية وبناء علاقات اقتصادية وأمنية مباشرة مع إسرائيل. غير أن هذا التصور يتعامل مع نتائج الصراع ويتجاهل سببه الأساسي: الاحتلال وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم.
فلا يمكن تقديم العلاقة مع قوة احتلال باعتبارها «سلامًا» بينما تتواصل مصادرة الأراضي وهدم المنازل وتوسيع المستوطنات والاعتداءات العسكرية. كما لا يمكن مطالبة الشعوب بقبول إسرائيل بوصفها شريكًا طبيعيًا في الوقت الذي تشاهد فيه يوميًا ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية.
وتكشف هذه المفارقة أن التطبيع لا ينهي الصراع، بل يسعى إلى إدارة صورته وإخراجه من المجال السياسي، من دون معالجة جذوره. ولذلك يظل السلام الذي تنتجه هذه الاتفاقيات هشًا ومحصورًا بين الحكومات والمؤسسات الرسمية.
الفجوة تتسع بين الدولة والمجتمع
كلما اتسعت المسافة بين حسابات الدولة وموقف المجتمع، أصبحت محاولة تحويل الاتفاق الرسمي إلى علاقة مستقرة أكثر صعوبة. وقد تستطيع الحكومات تنظيم زيارات وفعاليات مشتركة، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على الذاكرة الشعبية أو تغيير تعريف الناس للاحتلال.
وهنا لا يعود السؤال الأهم: أي دولة عربية ستطبّع لاحقًا؟ بل: هل تستطيع الحكومات صناعة قبول شعبي لاتفاق لم تطلبه مجتمعاتها؟ وهل يمكن لعلاقة تتجاهل حقوق الفلسطينيين أن تنتج استقرارًا حقيقيًا؟
تؤكد التجربة أن الإجابة لا تُقاس بعدد السفارات أو حجم التبادل التجاري، بل بوجود عدالة تزيل أسباب الصراع. فالسلام الحقيقي يبدأ بإنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق، لا بمنح الاحتلال شرعية مجانية. تستطيع الحكومات توقيع الاتفاقيات في لحظة، لكن توقيعًا رسميًا لا يكفي لصناعة قناعة شعبية، والتطبيع المفروض من أعلى لا يصنع سلامًا من الأسفل.







