المغرب يعيد فتح أجوائه للاحتلال.. رحلات مراكش تستأنف التطبيع تحت حرب غزة

في خطوة جديدة تكشف إصرار السلطات المغربية على المضي في مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، استؤنفت الرحلات الجوية المباشرة بين إسرائيل ومراكش، الأربعاء، بعد توقف استمر نحو ثلاث سنوات، بينما تتواصل الحرب الإسرائيلية وتداعياتها الكارثية على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية.

ولا تبدو عودة الرحلات مجرد إجراء سياحي أو تجاري عابر، بل تحمل دلالة سياسية واضحة على إعادة تنشيط العلاقات التطبيعية ومحاولة إعادتها تدريجيًا إلى صورتها الطبيعية، رغم الغضب الشعبي المغربي المتواصل من العلاقات مع تل أبيب.

## التطبيع يعود من بوابة السياحة

منذ إعلان استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية عام 2020، شكّل الطيران المباشر أحد أهم مظاهر تحويل التطبيع الرسمي إلى اتصال يومي بين الجانبين.

واليوم، تعيد الرحلات إلى مراكش فتح هذه البوابة بعد توقف طويل، لتعود حركة الإسرائيليين بصورة مباشرة إلى واحدة من أهم المدن السياحية المغربية.

والخطورة لا تكمن في الطائرات نفسها، وإنما في وظيفة هذا النوع من العلاقات؛ فالتطبيع لا يترسخ بالاتفاقيات الحكومية وحدها، وإنما بالسياحة والتجارة والرحلات والفعاليات الثقافية وتحويل وجود الإسرائيلي إلى مشهد اعتيادي داخل المجتمع العربي.

## غزة تنزف.. والرحلات تستأنف

تأتي الخطوة في توقيت شديد الحساسية، بينما لا تزال تداعيات الحرب الإسرائيلية حاضرة بقوة في غزة، وتتواصل الانتهاكات في الضفة الغربية.

وهنا تظهر المفارقة بين الخطاب المغربي الرسمي المؤكد لدعم القضية الفلسطينية وبين استمرار العلاقات العملية مع الاحتلال وتوسعها في قطاعات الطيران والسياحة والاقتصاد والأمن.

فإذا لم تكن حرب غزة كافية لتجميد مسار التطبيع، يصبح السؤال مشروعًا حول ما الذي يمكن أصلًا أن يدفع الرباط إلى مراجعة علاقتها بتل أبيب.

## الشارع يرفض.. والسلطة تواصل

تكتسب عودة الرحلات أهمية أكبر في ظل استمرار الرفض الشعبي المغربي للتطبيع.

فالمدن المغربية شهدت على مدار السنوات الماضية مظاهرات ووقفات تطالب بإلغاء العلاقات مع الاحتلال، فيما تحولت القضية الفلسطينية مجددًا إلى أحد أبرز ملفات التعبئة الشعبية.

لكن المسار الرسمي يسير في اتجاه مختلف؛ إذ لم تتحول الاحتجاجات إلى قطيعة سياسية، وبقيت البنية التي أسستها اتفاقيات التطبيع قائمة.

وهذا يكشف الفجوة المتزايدة بين تطبيع الدولة وموقف قطاعات واسعة من المجتمع المغربي.

## من الاتفاق السياسي إلى التطبيع اليومي

تمثل عودة الطيران مرحلة مهمة في أي عملية تطبيع، لأنها تنقل العلاقة من المكاتب الحكومية إلى الحياة اليومية.

السائح الإسرائيلي يصل مباشرة.

الشركات السياحية تتعامل معه.

الفنادق والأسواق تستقبله.

وتنشأ تدريجيًا مصالح اقتصادية مرتبطة باستمرار العلاقة.

وبذلك يصبح التراجع عن التطبيع أكثر كلفة مع مرور الوقت، لأن شبكة من المصالح الاقتصادية والاجتماعية تبدأ في التشكل حوله.

وهذا تحديدًا ما يجعل عودة خط مراكش أكبر من مجرد خبر سياحي.

## تطبيع بلا ثمن للاحتلال

بعد سنوات من استئناف العلاقات، لا تظهر مؤشرات على أن التطبيع المغربي دفع إسرائيل إلى تغيير جوهري في سياساتها تجاه الفلسطينيين.

فالاحتلال مستمر، والاستيطان مستمر، والحرب والانتهاكات لم تمنع العلاقات من البقاء.

وفي المقابل، حصلت إسرائيل على ما تريده من التطبيع: اعتراف سياسي، تعاون اقتصادي وأمني، حركة سياحية، وعلاقات مباشرة مع دولة عربية جديدة.

وهكذا يتكرر النموذج نفسه الذي ظهر بعد «اتفاقيات أبراهام»: **إسرائيل تحصل على العلاقات الطبيعية أولًا، بينما تؤجل حقوق الفلسطينيين إلى أجل غير معلوم.**

## طائرات التطبيع تعود إلى مراكش

تكشف عودة الرحلات المباشرة أن التطبيع المغربي الإسرائيلي تجاوز مرحلة الصدمة التي أحدثتها حرب غزة، وأن هناك محاولة لإعادة العلاقات تدريجيًا إلى مسارها الطبيعي.

وبينما يواصل الشارع المغربي التعبير عن تضامنه مع فلسطين ورفضه للعلاقات مع الاحتلال، تفتح الأجواء مجددًا أمام الرحلات الإسرائيلية.

وهنا تتجسد المفارقة الأوضح في المشهد المغربي:

**في الشارع تُرفع أعلام فلسطين وتُطالب السلطة بإسقاط التطبيع، وفي السماء تعود الطائرات الإسرائيلية إلى مراكش.**

وبذلك يصبح استئناف الرحلات اختبارًا جديدًا لحقيقة الموقف الرسمي المغربي من فلسطين؛ فالتضامن السياسي يفقد كثيرًا من معناه عندما يستمر في الوقت نفسه بناء علاقات طبيعية مع الاحتلال الذي يقف خلف المأساة الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى