البحرين تعيد إشهار التطبيع مع الاحتلال رغم جرائمه في غزة

أعادت البحرين علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي إلى الواجهة العلنية، بعدما أجرى الملك حمد بن عيسى آل خليفة اتصالًا هاتفيًا مع رئيس الاحتلال يتسحاق هرتسوغ، خُصص لبحث التطورات الإقليمية وتعزيز العلاقات الثنائية داخل إطار «اتفاقيات أبراهام».
ويحمل الاتصال دلالة سياسية خاصة؛ إذ يعد، وفق تقارير إسرائيلية، أول تواصل مع إسرائيل تعلنه البحرين رسميًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في وقت لم تتوقف فيه حرب الاحتلال واعتداءاته على الفلسطينيين.
الملك البحريني بادر بالاتصال
أعلن مكتب هرتسوغ أن ملك البحرين هو من بادر إلى إجراء الاتصال والموافقة على إعلانه، وهو ما يشير إلى رغبة المنامة في إعادة إظهار العلاقات مع الاحتلال بعد فترة اتسمت بانخفاض مستوى التواصل العلني.
وقال هرتسوغ إن المحادثة تناولت تعزيز الصداقة وتنمية العلاقات بين البحرين وإسرائيل، إلى جانب أهمية «اتفاقيات أبراهام» التي تقودها الولايات المتحدة، والتعاون والحوار بين دول المنطقة.
وفي المقابل، أكدت وكالة الأنباء البحرينية أن الاتصال تناول المستجدات الدولية والإقليمية والعلاقات الثنائية التي تجمع الطرفين ضمن إطار اتفاقيات أبراهام، باعتبارها، وفق الرواية الرسمية، وسيلة لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة.
التطبيع يعود من بوابة الأمن الإقليمي
لا يقدم الخطاب البحريني والإسرائيلي الاتصال بوصفه مجرد تواصل دبلوماسي، بل يربطه مباشرة بإعادة ترتيب أمن المنطقة ومستقبلها السياسي.
فإشادة هرتسوغ بدور البحرين في «صياغة مستقبل الشرق الأوسط» تكشف النظرة الإسرائيلية إلى المنامة باعتبارها شريكًا في بناء منظومة إقليمية جديدة، يصبح فيها الاحتلال طرفًا طبيعيًا في الملفات الأمنية والسياسية، بدلًا من التعامل معه باعتباره قوة احتلال.
وبهذا المعنى، لا يقتصر التطبيع البحريني على تبادل السفراء أو الاتصالات الرسمية، بل يتحول إلى مشاركة في مشروع أوسع لدمج إسرائيل في بنية المنطقة.
حرب غزة لم توقف العلاقات
حاولت البحرين، بعد اندلاع الحرب على غزة، خفض مستوى الظهور العلني لعلاقاتها مع الاحتلال في ظل الغضب الشعبي والرفض الواسع للتطبيع.
لكن الاتصال الجديد يوضح أن هذا التراجع كان في الشكل أكثر منه في الجوهر؛ إذ بقيت اتفاقيات أبراهام الإطار الحاكم للعلاقة، وعادت المنامة الآن إلى تأكيد التزامها بها بصورة رسمية.
وتكشف هذه العودة أن استمرار جرائم الاحتلال لم يدفع البحرين إلى مراجعة قرار التطبيع أو ربط العلاقات بوقف العدوان، بل جرى استئناف الترويج للاتفاقيات باعتبارها مصدرًا للاستقرار.
الإمارات فتحت الطريق أمام البحرين
لا يمكن فصل المسار البحريني عن الدور الإماراتي في إطلاق اتفاقيات أبراهام عام 2020.
فقد كانت الإمارات أول دولة خليجية تعلن اتفاق التطبيع مع الاحتلال في أغسطس/آب 2020، قبل أن تلحق بها البحرين وتوقع الاتفاق رسميًا في البيت الأبيض في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
وبذلك، تحولت أبوظبي إلى البوابة التي فتحت المجال أمام انتقال العلاقات الخليجية الإسرائيلية من السرية إلى العلن، وشجعت البحرين على الانضمام سريعًا إلى المسار الأمريكي الإسرائيلي.
ولم يكن الدور الإماراتي مجرد سابقة زمنية، بل مثّل نموذجًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا جرى تسويقه لبقية دول المنطقة، يقوم على فصل التطبيع عن الحقوق الفلسطينية، وربط العلاقة مع الاحتلال بمصالح الأمن والتكنولوجيا والاستثمار.
البحرين امتداد للمسار الإماراتي
سارت البحرين بعد توقيع الاتفاق على النهج نفسه الذي كرسته الإمارات: بناء علاقات مباشرة مع الاحتلال من دون اشتراط إنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية.
ولهذا، فإن الاتصال بين الملك البحريني وهرتسوغ لا يمثل حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في المشروع الذي بدأته أبوظبي لتوسيع الحضور الإسرائيلي في الخليج.
كما أن الإصرار البحريني والإسرائيلي على إبراز «اتفاقيات أبراهام» في الاتصال يؤكد أن الهدف يتجاوز إدارة علاقة ثنائية، إلى حماية المشروع التطبيعي نفسه وإعادة تنشيطه بعد أن تضررت صورته بسبب الحرب على غزة.
تناقض مع المزاج الشعبي
واجه التطبيع مع الاحتلال رفضًا شعبيًا واضحًا في البحرين، وخرجت احتجاجات خلال حرب غزة مطالبة بقطع العلاقات وإغلاق السفارة الإسرائيلية.
ويكشف ذلك اتساع الفجوة بين السياسة الرسمية، التي ترى في إسرائيل شريكًا إقليميًا، وبين قطاعات شعبية تعتبر التطبيع تجاهلًا لحقوق الفلسطينيين وغطاءً لجرائم الاحتلال.
ومع ذلك، اختارت السلطات البحرينية إعادة إشهار العلاقة، في لحظة لا يزال فيها الاحتلال يواصل اعتداءاته، بما يؤكد أن الحسابات الأمنية والتحالفات الخارجية تتقدم على الموقف الشعبي والقضية الفلسطينية.
اتفاقيات أبراهام تحمي الاحتلال
يؤكد الاتصال أن اتفاقيات أبراهام لم تكن اتفاقات سلام بالمعنى التقليدي، إذ لم تكن البحرين أو الإمارات في حالة حرب مع إسرائيل أصلًا، بل كانت أداة لمنح الاحتلال شرعية عربية وإدماجه في المنطقة.
كما أثبتت السنوات التالية أن الاتفاقيات لم تلزم إسرائيل بإنهاء احتلالها أو وقف الاستيطان والعدوان، بل استمرت العلاقات معها وتوسعت بالتوازي مع تصاعد الانتهاكات.
ومن هنا، تصبح عودة الاتصال العلني بين ملك البحرين ورئيس الاحتلال رسالة سياسية مفادها أن التطبيع سيستمر مهما ارتفعت كلفة الجرائم الإسرائيلية على الفلسطينيين.
تطبيع يتقدم فوق دماء الفلسطينيين
اختارت البحرين أن تعيد تقديم الاحتلال شريكًا في الأمن والاستقرار، بدل تحميله مسؤولية الحروب والتوترات التي تعصف بالمنطقة.
كما اختارت إحياء العلاقات تحت المظلة نفسها التي دشنتها الإمارات، في تأكيد جديد على أن أبوظبي لم تفتح باب التطبيع لنفسها فقط، بل أسست مسارًا إقليميًا تتبعه دول أخرى.
وبينما يواصل الفلسطينيون مواجهة القتل والتهجير والاستيطان، تتحدث المنامة وتل أبيب عن الصداقة والازدهار ومستقبل الشرق الأوسط، بما يكشف جوهر هذا المشروع: دمج الاحتلال وحماية علاقاته العربية، لا حماية الفلسطينيين أو إنهاء احتلالهم.







