واشنطن تربط البرنامج النووي السعودي بالتطبيع مع الاحتلال

وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البرنامج النووي المدني السعودي في قلب مشروع توسيع التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، بعدما أكدت أن الاتفاق الموقع بين واشنطن والرياض لن يدخل حيز التنفيذ ما لم تنضم السعودية إلى «اتفاقيات أبراهام» وتعلن علاقات رسمية مع إسرائيل.

وأكد السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن ترامب أضاف شرط التطبيع إلى الاتفاق، موضحًا أن السعودية اختارت التكنولوجيا النووية الأمريكية بدلًا من التوجه إلى روسيا أو الصين، وأن تنفيذ الصفقة أصبح مرتبطًا باعتراف الرياض بالاحتلال.

ويكشف الربط بين الملفين أن واشنطن لا تتعامل مع التطبيع باعتباره قرارًا سياديًا سعوديًا، بل بوصفه ثمنًا سياسيًا يجب دفعه للحصول على تعاون استراتيجي وتكنولوجي أمريكي.

اتفاق نووي بمليارات الدولارات

كانت وزارتا الطاقة الأمريكية والسعودية قد وقعتا في 22 يوليو/تموز 2026 اتفاقًا للتعاون النووي المدني، يعرف باتفاق «123»، يضع الأساس القانوني لشراكة تمتد لعقود وتُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات.

وينص الاتفاق على فتح المجال أمام الشركات الأمريكية للمشاركة في بناء البرنامج النووي السعودي وتطوير المفاعلات والبنية التحتية المرتبطة به، على أن يخضع لمراجعة الكونغرس قبل دخوله حيز التنفيذ.

لكن بيان وزارة الطاقة الأمريكية الذي أعلن توقيع الاتفاق لم يذكر أن التطبيع مع الاحتلال شرط لتنفيذه، قبل أن يخرج ترامب في اليوم التالي ليؤكد أن الصفقة «خاضعة بالكامل» لانضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام.

ويعكس هذا التباين أن شرط الاعتراف بإسرائيل أُعلن بعد توقيع الاتفاق، ما أثار تساؤلات عن مدى توافق التصريحات السياسية لترامب مع النصوص التي تفاوض عليها المسؤولون الأمريكيون والسعوديون.

التكنولوجيا مقابل الاعتراف بالاحتلال

يمثل الموقف الأمريكي نموذجًا واضحًا لاستخدام المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية لفرض التطبيع.

فالسعودية تسعى إلى تطوير برنامج نووي مدني لتوليد الطاقة وتنويع مصادرها، بينما تريد الولايات المتحدة ضمان حصول شركاتها على العقود بدلًا من المنافسين الروس أو الصينيين.

لكن إدارة ترامب ربطت هذه المصلحة السعودية بخطوة سياسية لا تتعلق بالطاقة النووية أو قواعد عدم الانتشار، وهي إقامة علاقات دبلوماسية مع الاحتلال.

وبذلك، يتحول الاتفاق من شراكة فنية إلى أداة ضغط: إما أن تفتح الرياض أبوابها أمام إسرائيل، أو تتعطل الصفقة النووية التي تفاوض عليها الطرفان لسنوات.

الإمارات صنعت النموذج

لا يمكن فصل شرط ترامب عن المسار الذي بدأته الإمارات عام 2020، حين تحولت إلى أول دولة خليجية تنضم رسميًا إلى اتفاقيات أبراهام وتفتح الطريق أمام تطبيع البحرين والمغرب والسودان.

وقدمت أبوظبي حينها نموذجًا يقوم على منح الامتيازات السياسية والاقتصادية والعسكرية مقابل الاعتراف بالاحتلال، وفصل العلاقات معه عن إنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية.

واليوم تحاول واشنطن نقل النموذج نفسه إلى السعودية، لكن بمقايضة أكبر: برنامج نووي مدني وشراكة استراتيجية طويلة الأمد مقابل الالتحاق بالمشروع التطبيعي الذي دشّنته الإمارات.

ومن هذه الزاوية، لم تكن اتفاقيات أبراهام مجرد اتفاقات ثنائية، بل تحولت إلى منصة أمريكية لمساومة الدول العربية على احتياجاتها الأمنية والاقتصادية، بهدف توسيع الاعتراف بإسرائيل.

تطبيع لمصلحة من؟

لا يقدم شرط التطبيع أي ضمانات للفلسطينيين، ولا يربط البرنامج النووي بوقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال أو وقف الجرائم الإسرائيلية.

فالطرف المستفيد مباشرة هو الاحتلال، الذي سيحصل على اعتراف من أكبر دولة عربية وإسلامية، بما يمنحه اختراقًا سياسيًا ورمزيًا غير مسبوق.

كما ستتمكن إسرائيل من تقديم التطبيع السعودي باعتباره نهاية لعزلتها الإقليمية، وانتصارًا لمشروع دمجها في المنطقة من دون تقديم تنازلات حقيقية للفلسطينيين.

ولهذا رحبت دوائر إسرائيلية بشرط ترامب، لأنها ترى أن وضع البرنامج النووي على الطاولة يمنح واشنطن ورقة ضغط ثقيلة على الرياض.

الموقف السعودي يصطدم بشرط ترامب

تؤكد السعودية رسميًا أنها لن تقيم علاقات دبلوماسية مع الاحتلال من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وإنهاء الحرب على غزة.

وشددت وزارة الخارجية السعودية سابقًا على أن الموقف من فلسطين ثابت، وأن الشعب الفلسطيني يجب أن يحصل على حقوقه المشروعة، فيما أكد وزير الخارجية فيصل بن فرحان أن التطبيع لا يمكن أن يأتي إلا عبر إقامة الدولة الفلسطينية.

ويتعارض هذا الموقف مع حكومة الاحتلال الحالية، التي ترفض إقامة دولة فلسطينية وتواصل الاستيطان والسيطرة على الأراضي المحتلة.

ولذلك فإن شرط ترامب لا يسهّل الصفقة، بل يضعها أمام عقبة سياسية كبيرة: فقبول الرياض به من دون تغيير إسرائيلي جوهري سيعني التراجع عن موقفها المعلن، بينما سيؤدي رفضه إلى تعطيل التعاون النووي مع واشنطن.

تناقض أمريكي في الملف النووي

تثير الصفقة كذلك جدلًا بشأن معايير الانتشار النووي الأمريكية.

فواشنطن تطالب خصومها بقيود صارمة على تخصيب اليورانيوم، بينما وافقت على فتح مسار تعاون نووي واسع مع السعودية، وسط نقاش عن إمكانية السماح مستقبلًا بتخصيب محدود بعد إجراء دراسة مشتركة.

ويختلف الاتفاق السعودي عن النموذج الإماراتي المعروف بـ«المعيار الذهبي»، الذي التزمت فيه أبوظبي بعدم تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود النووي المستهلك.

لكن إدارة ترامب حاولت مواجهة الاعتراضات على الصفقة عبر إضافة شرط التطبيع، وكأن الاعتراف بالاحتلال يمكن أن يعوض المخاوف المتعلقة بالرقابة النووية وعدم الانتشار.

وهذا يكشف أن الأولوية الأمريكية ليست فقط منع انتشار القدرات النووية، بل توظيفها لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما يخدم إسرائيل.

إعادة إنتاج اتفاقيات أبراهام

يمثل الضغط على السعودية محاولة لإحياء اتفاقيات أبراهام بعد أن تضررت صورتها بشدة نتيجة حرب الاحتلال على غزة.

فبعدما قدمت الإمارات التطبيع على أنه طريق إلى السلام والازدهار، أثبتت السنوات التالية أن العلاقات العربية الإسرائيلية لم تمنع الاحتلال من مواصلة الحرب والاستيطان والتهجير.

ومع ذلك، لا تزال واشنطن تستخدم الاتفاقيات إطارًا رئيسيًا لسياستها في المنطقة، وتسعى إلى إقناع دول أخرى بأن الوصول إلى التكنولوجيا والسلاح والضمانات الأمريكية يمر عبر بوابة إسرائيل.

ومن هنا، فإن ربط البرنامج النووي السعودي بالتطبيع لا يمثل قرارًا فنيًا، بل خطوة لإعادة تنشيط المشروع الذي بدأته الإمارات وتوسيعه ليشمل الدولة العربية الأكثر ثقلًا سياسيًا ودينيًا.

فلسطين تتحول إلى ورقة تفاوض

الخطر في الصفقة لا يقتصر على احتمال تطبيع سعودي، بل يمتد إلى تحويل الحقوق الفلسطينية إلى بند تفاوضي داخل صفقة أمريكية سعودية.

فبدل أن يكون إنهاء الاحتلال شرطًا مسبقًا لأي علاقة مع إسرائيل، يصبح الفلسطينيون جزءًا من مساومة حول المفاعلات والتكنولوجيا والضمانات الأمنية.

وقد تضغط واشنطن من أجل تقديم خطوات إسرائيلية شكلية تسمح للرياض بتبرير التطبيع، من دون الوصول إلى دولة فلسطينية حقيقية أو إنهاء الاستيطان.

وهذا هو المسار نفسه الذي ظهر مع الاتفاق الإماراتي، حين قُدم تعليق مؤقت لخطة الضم الإسرائيلية باعتباره إنجازًا للفلسطينيين، قبل أن يستمر الاحتلال في التوسع الاستيطاني وتكريس سيطرته على الأرض.

البرنامج النووي رهينة إسرائيل

تكشف تصريحات ترامب والتز أن الولايات المتحدة جعلت الاحتلال طرفًا غير مباشر في مستقبل البرنامج النووي السعودي.

فالرياض تفاوض واشنطن بشأن الطاقة، لكن تنفيذ الاتفاق بات مرهونًا بعلاقة سياسية مع تل أبيب، بما يمنح إسرائيل نفوذًا في ملف استراتيجي سعودي لا يفترض أن تكون طرفًا فيه.

ويختصر هذا الشرط طبيعة المشروع التطبيعي الأمريكي: ليست إسرائيل مطالبة بإنهاء احتلالها حتى تُقبل عربيًا، بل تُطالب الدول العربية بتقديم الاعتراف بها للحصول على مصالحها من واشنطن.

وبينما فتحت الإمارات باب اتفاقيات أبراهام، تسعى إدارة ترامب اليوم إلى دفع السعودية عبره باستخدام إحدى أكثر الصفقات حساسية وأهمية بالنسبة إلى مستقبلها الاقتصادي والاستراتيجي.

وهكذا تتحول التكنولوجيا النووية من أداة للتنمية إلى وسيلة ابتزاز سياسي، ويصبح الاعتراف بالاحتلال هو الثمن الذي تطلبه واشنطن من الرياض مقابل تنفيذ اتفاق سبق أن وقعه الطرفان.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى