«لبنانيون ضد التطبيع».. حراك شعبي يتصدى لجرّ لبنان نحو الاحتلال

يتصاعد في لبنان حراك شعبي ومدني رافض لمسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، في ظل مخاوف متزايدة من أن تتحول المفاوضات الأمنية والترتيبات التي تقودها الحكومة اللبنانية برعاية أمريكية إلى بوابة لإنهاء حالة العداء وفرض علاقات مباشرة مع تل أبيب.
وفي هذا السياق، برزت مبادرة «لبنانيون ضد التطبيع» باعتبارها محاولة لتجميع الأصوات الرافضة لأي تنازل سياسي أو قانوني أو اقتصادي يمنح الاحتلال شرعية داخل لبنان، والتأكيد أن وقف الحرب واستعادة الأراضي لا يجب أن يتحولا إلى ثمن يُدفع مقابله الاعتراف بإسرائيل أو التطبيع معها.
وتأتي المبادرة في لحظة شديدة الحساسية، بعدما انتقلت العلاقة بين بيروت وتل أبيب خلال الأشهر الماضية من الاتصالات غير المباشرة إلى مفاوضات أكثر وضوحًا، وسط حديث متزايد عن «السلام» وإنهاء النزاع، رغم استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراض لبنانية واستمرار اعتداءاته.
حراك يتجاوز الانقسام اللبناني
تكمن أهمية المبادرة في محاولتها إخراج رفض التطبيع من الاصطفافات الحزبية التقليدية.
فالقضية لا تتعلق، وفق القائمين على الحراك، بتأييد حزب الله أو رفضه، ولا بالموقف من سلاح المقاومة وحده، بل بمبدأ أوسع يتعلق بمنح الاحتلال الإسرائيلي الشرعية والعلاقات الطبيعية قبل إنهاء احتلاله وعدوانه.
ويكتسب هذا الطرح أهمية خاصة في ظل محاولة الخطاب الإسرائيلي تصوير رفض التطبيع بوصفه موقفًا محصورًا بحزب الله أو القوى المرتبطة بإيران.
لكن مؤشرات الرأي العام اللبناني تعطي صورة مختلفة؛ إذ أظهر «المؤشر العربي» أن نحو 89% من اللبنانيين يرفضون الاعتراف بإسرائيل، وهو ما يكشف فجوة كبيرة بين محاولات دفع السلطة نحو المفاوضات وبين المزاج الشعبي العام.
الحكومة تتحرك أسرع من الشارع
شهد لبنان خلال عام 2026 خطوات غير مسبوقة في العلاقة الرسمية مع الاحتلال.
فقد عُين ممثل مدني لبناني في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار، وجلس مسؤولون لبنانيون وإسرائيليون إلى طاولة واحدة في إطار اللجنة، قبل أن يعلن رئيس الحكومة نواف سلام استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة تهدف إلى إنهاء النزاع.
وعلى الرغم من تجنب المسؤولين اللبنانيين استخدام كلمة «التطبيع» بصورة صريحة، فإن معارضي المسار يرون أن الانتقال من الوساطة الدولية إلى المفاوضات المباشرة يمثل أول تغيير جوهري في طبيعة العلاقة مع الاحتلال منذ عقود.
فالخطر، بالنسبة إليهم، لا يكمن في التفاوض لاستعادة الأرض أو وقف العدوان، بل في أن تتحول هذه المفاوضات إلى مسار مفتوح ينتهي باتفاق سياسي واقتصادي وأمني شامل.
إسرائيل تراهن على اختراق الداخل اللبناني
تتعامل تل أبيب بوضوح أكبر مع التطورات، إذ ظهرت مبادرات إسرائيلية علنية تدعو إلى التواصل المباشر مع قطاعات لبنانية بعيدًا عن حزب الله.
وأعلن عضو في الكنيست الإسرائيلي أكرم حسون تأسيس تكتل برلماني للسلام بين إسرائيل ولبنان، واضعًا هدفًا معلنًا يتمثل في التواصل مع شرائح لبنانية وتشجيع الأصوات المؤيدة للعلاقات مع الاحتلال على الظهور والعمل سياسيًا وإعلاميًا.
ويربط هذا المشروع نفسه بما يسميه نتنياهو «الشرق الأوسط الجديد»، الذي يسعى إلى دمج إسرائيل اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا مع الدول العربية، وتحويل الصراع مع الاحتلال إلى تحالفات جديدة ضد خصوم إقليميين.
ولهذا، يرى معارضو التطبيع أن الحديث الإسرائيلي عن «التواصل مع اللبنانيين» ليس مبادرة سلام بريئة، بل محاولة لاختراق المجتمع وبناء قاعدة ضغط داخلية تمهد لأي اتفاق مستقبلي.
التطبيع يبدأ قبل توقيع الاتفاق
لا يحتاج التطبيع إلى سفارة أو معاهدة رسمية كي يبدأ.
فالتحول الأول يحدث عندما تصبح استضافة الإسرائيليين والتواصل معهم والترويج لفكرة العلاقة أمرًا طبيعيًا في الإعلام والخطاب العام.
وخلال الأشهر الماضية، ظهرت في بعض وسائل الإعلام اللبنانية مقابلات ومحتويات تقدم التواصل مع الإسرائيليين بوصفه خيارًا سياسيًا قابلًا للنقاش، كما استضافت منصات شخصيات إسرائيلية أو لبنانية مقيمة داخل إسرائيل.
وتسارع الإعلام الإسرائيلي بدوره إلى إعادة نشر هذه المواد وتقديمها للجمهور الإسرائيلي باعتبارها دليلًا على تغير المزاج اللبناني.
وهنا ترى مبادرة «لبنانيون ضد التطبيع» أن المعركة لا تتعلق فقط بما ستوقعه الحكومة، بل بما يجري تغييره تدريجيًا داخل الوعي العام.
فصل لبنان عن القضية الفلسطينية
أحد أخطر جوانب المسار الجديد هو محاولة تحويل العلاقة مع الاحتلال إلى قضية لبنانية إسرائيلية محضة.
فيجري التركيز على الحدود والسلاح والاستقرار الاقتصادي، بينما تتراجع القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية إلى الخلفية.
ويتيح هذا الفصل تقديم «السلام» مع إسرائيل باعتباره مصلحة لبنانية منفصلة، وكأن الاحتلال في فلسطين لا علاقة له بالموقف اللبناني.
لكن معارضي التطبيع يرون أن هذا المنطق يؤدي عمليًا إلى منح إسرائيل علاقات عربية واحدة تلو الأخرى، بينما تستمر في احتلال الفلسطينيين وتهجيرهم وتوسيع المستوطنات.
وهو النموذج ذاته الذي طُبق عبر «اتفاقيات أبراهام»، حين حصل الاحتلال على التطبيع من الإمارات والبحرين والمغرب من دون تقديم حل للقضية الفلسطينية.
نزع السلاح ليس تفويضًا للتطبيع
يستغل الخطاب الإسرائيلي مسألة سلاح حزب الله لتقديم التطبيع باعتباره النتيجة الطبيعية لأي تغيير داخلي في لبنان.
وتؤكد المبادرات الإسرائيلية أن إضعاف الحزب أو نزع سلاحه يجب أن يتبعه انتقال لبنان إلى مرحلة جديدة من العلاقات مع إسرائيل.
لكن هذا الربط يواجه اعتراضًا داخل لبنان حتى من بعض الأصوات التي تختلف جذريًا مع حزب الله.
فرفض احتكار السلاح خارج الدولة لا يعني قبول الاحتلال، ولا يمنح الحكومة تفويضًا بالتنازل عن قوانين المقاطعة أو إقامة علاقات مع تل أبيب.
وهنا تحاول «لبنانيون ضد التطبيع» الفصل بين قضيتين تتعمد إسرائيل جمعهما: النقاش الداخلي بشأن الدولة والسلاح، والموقف الوطني من الاحتلال.
التفاوض تحت القصف
يثير معارضو التطبيع أيضًا إشكالية التفاوض بينما يستمر الاحتلال في استخدام القوة ضد لبنان.
فالمفاوضات الجارية لا تأتي بعد انتهاء الاحتلال والعدوان، بل في ظل تفوق عسكري إسرائيلي وضغوط أمريكية وحاجة لبنانية كبيرة إلى إعادة الإعمار والاستقرار الاقتصادي.
وهذا الاختلال يجعل أي اتفاق معرضًا لأن يكون انعكاسًا لموازين القوة أكثر منه تسوية متكافئة.
وقد ظهرت مخاوف لبنانية من أن تضع واشنطن البلاد أمام معادلة تقوم على قبول شروط إسرائيل السياسية والأمنية أو مواجهة حرب جديدة، وهي مخاوف عبر عنها كتاب وسياسيون لبنانيون خلال الأشهر الماضية.
وفي هذه الحالة، يتحول الحديث عن «السلام» إلى أداة ضغط: اقبلوا التنازلات لتحصلوا على الاستقرار.
شبح اتفاق 17 أيار
يعيد الحراك الرافض للتطبيع إلى الذاكرة اتفاق 17 أيار/مايو 1983، الذي وقع بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية خلال الاحتلال الإسرائيلي للبنان.
ورغم توقيع الاتفاق رسميًا، فقد انهار بعد أقل من عام تحت ضغط الرفض الداخلي والإقليمي.
ولهذا تستحضر قطاعات لبنانية اليوم تلك التجربة باعتبارها تحذيرًا من توقيع تسوية تحت ضغط الاحتلال أو التفوق العسكري الإسرائيلي.
وتكمن المخاوف في أن تتكرر التجربة بصياغة جديدة: ترتيبات أمنية أولًا، ثم تنسيق مباشر، ثم علاقات اقتصادية، وصولًا إلى إنهاء حالة العداء رسميًا.
مقاومة التطبيع ليست احتكارًا لحزب
يحاول الخطاب المؤيد للتقارب اختزال كل رفض للعلاقات مع إسرائيل في حزب الله وأنصاره.
لكن الاحتجاجات التي شهدها لبنان أظهرت مشاركة قطاعات وشخصيات من بيئات سياسية وطائفية مختلفة، وهو ما يعكس أن القضية أوسع من الانقسام التقليدي حول المقاومة أو إيران.
وهذا ما يمنح المبادرات المدنية المناهضة للتطبيع أهميتها.
فكلما أصبح رفض العلاقات موقفًا وطنيًا عابرًا للطوائف، أصبح من الصعب على إسرائيل تقديم التطبيع باعتباره صراعًا بين «لبنان المعتدل» وحزب الله.
كما يصعب على الحكومة استخدام الخصومة مع الحزب مبررًا لاتخاذ خطوات استراتيجية لا تحظى بتوافق شعبي.
رفض التطبيع لا يعني رفض السلام
من أكثر الأدوات استخدامًا في تسويق العلاقات مع الاحتلال اتهام الرافضين لها بأنهم يريدون استمرار الحرب.
لكن هذا الطرح يخلط بين السلام والتطبيع.
يمكن للبنان المطالبة بوقف الحرب، واستعادة الأراضي المحتلة، وترسيم الحدود، وتطبيق اتفاقات وقف إطلاق النار، من دون أن يتحول ذلك تلقائيًا إلى فتح السفارات والتعاون الاقتصادي والأمني.
كما يمكن للدولة اللبنانية استعادة قرارها وحصر السلاح بمؤسساتها من دون منح إسرائيل شرعية سياسية أو تغيير القوانين التي تحظر التعامل معها.
ومن هنا، تقدم «لبنانيون ضد التطبيع» موقفها بوصفه دفاعًا عن سيادة لبنان، لا رغبة في استمرار الحروب.
فالسيادة، وفق هذا المنطق، تعني ألا يفرض الاحتلال على لبنان شكل نظامه الأمني وعلاقاته الخارجية تحت تهديد القوة.
إسرائيل تريد أكثر من الهدوء
تكشف المبادرات الإسرائيلية أن تل أبيب لا تكتفي بحدود هادئة.
فالمشاريع المطروحة تتحدث عن السياحة والتجارة والطاقة والبنية التحتية والزراعة والابتكار، أي عن دمج كامل للاقتصاد والمجتمع اللبناني في علاقة طويلة الأمد مع الاحتلال.
وهذه النقطة أساسية لفهم المخاوف الشعبية.
فلو كان الهدف الإسرائيلي وقف القتال فقط، لكان اتفاق هدنة أو ترتيبات أمنية كافية.
لكن الحديث عن الأسواق والسياحة والاستثمار يؤكد أن الهدف الاستراتيجي هو نقل لبنان من دولة ترفض إسرائيل إلى دولة تعتمد عليها وتتعامل معها بوصفها شريكًا طبيعيًا.
من الإمارات إلى لبنان
ترى إسرائيل في «اتفاقيات أبراهام» النموذج الذي تريد تكراره.
فالإمارات بدأت التطبيع تحت خطاب السلام والازدهار، قبل أن تتوسع العلاقات سريعًا إلى مجالات الأمن والاستخبارات والطاقة والموانئ والتكنولوجيا.
واليوم يحاول الاحتلال تقديم السيناريو نفسه للبنانيين: السلام يجلب الاستثمار، وإنهاء العداء يفتح الأسواق، والتعاون مع إسرائيل يحقق الازدهار.
لكن التجربة الإماراتية أظهرت أيضًا أن إسرائيل حصلت على كل مكاسب التطبيع تقريبًا من دون إنهاء الاحتلال الفلسطيني أو وقف الاستيطان.
ولهذا يرى معارضو المسار في لبنان أن قبول الوصفة نفسها لن يحول الاحتلال إلى دولة سلام، بل سيمنحه اختراقًا عربيًا جديدًا.
الحكومة أمام اختبار الشرعية الشعبية
لا يتعلق السؤال المطروح اليوم بحق الحكومة في التفاوض لوقف العدوان، فهذا من صميم مسؤوليات الدولة.
السؤال الحقيقي هو حدود التفويض.
هل يملك مجلس الوزراء حق الانتقال من اتفاق أمني إلى إنهاء حالة العداء؟
وهل يمكنه فتح باب التطبيع من دون نقاش وطني واسع؟
وهل يجوز توقيع ترتيبات طويلة الأمد مع الاحتلال في ظل رفض شعبي يصل، بحسب استطلاعات منشورة، إلى نحو تسعة من كل عشرة لبنانيين؟
هذه الأسئلة هي التي تحاول مبادرة «لبنانيون ضد التطبيع» وضعها أمام الرأي العام.
الشارع يرسم خطًا أحمر
تكمن رسالة الحراك في أن الحكومة تستطيع التفاوض على الانسحاب، لكنها لا تملك تفويضًا شعبيًا مفتوحًا لتغيير موقع لبنان من الاحتلال.
فاللبنانيون الذين يريدون نهاية الحرب ليسوا بالضرورة مستعدين لمنح إسرائيل السفارات والأسواق والاعتراف السياسي.
ومن هنا يظهر خط فاصل واضح:
وقف الحرب شيء، والتطبيع شيء آخر.
استعادة الدولة لقرارها شيء، وتحويل إسرائيل إلى شريك أمني شيء آخر.
إنهاء احتلال الأرض شيء، ومكافأة الاحتلال بالعلاقات شيء آخر.
الخلاصة
تعكس مبادرة «لبنانيون ضد التطبيع» بداية معركة سياسية وشعبية على شكل لبنان بعد الحرب.
فبينما تدفع الولايات المتحدة وإسرائيل نحو مفاوضات مباشرة وعلاقات أكثر انفتاحًا، يسعى الحراك إلى تثبيت قاعدة واضحة: لا يجوز تحويل حاجة لبنان إلى الأمن والإعمار إلى وسيلة لانتزاع التطبيع.
كما يكشف الحراك أن إسرائيل لم تنجح حتى الآن في تحويل الخلاف اللبناني حول المقاومة والسلاح إلى قبول شعبي بها.
فقد يختلف اللبنانيون حول حزب الله، والسلاح، والسياسة الداخلية، لكن رفض الاحتلال لا يزال واحدًا من المواقف القليلة التي تحظى بتأييد واسع.
ولهذا فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الحدود أو طاولة المفاوضات، بل على تعريف السلام نفسه.
هل يعني السلام أن تنسحب إسرائيل وتحترم سيادة لبنان؟
أم يعني أن يقبل لبنان بشروطها ثم يفتح لها أسواقه ومؤسساته؟
بالنسبة إلى «لبنانيون ضد التطبيع»، الإجابة واضحة: إنهاء الحرب حق للبنان، أما التطبيع مع الاحتلال فليس ثمنًا يجب على اللبنانيين دفعه للحصول على هذا الحق.







