الإمارات تحوّل إسرائيل إلى «الشريك الخليجي الثامن»

لم يعد التطبيع الإماراتي مع الاحتلال الإسرائيلي مجرد علاقات دبلوماسية أو تعاون اقتصادي بين دولتين، بل تحول خلال سنوات قليلة إلى شبكة واسعة من الشراكات العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية، جعلت إسرائيل حاضرة بصورة متزايدة داخل معادلات الأمن والاقتصاد الخليجي عبر بوابة أبوظبي.
وأثار هذا التوسع تساؤلات حول ما إذا كانت تل أبيب قد أصبحت عمليًا «الشريك الخليجي الثامن»، رغم عدم امتلاكها أي عضوية رسمية في مجلس التعاون الخليجي، بعدما نجح محمد بن زايد في نقل الاحتلال من موقع الطرف الخارجي إلى شريك متداخل مع قطاعات حساسة داخل المنطقة.
من التطبيع إلى الاندماج
عندما وقعت الإمارات «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، جرى تقديم الخطوة باعتبارها إقامة علاقات طبيعية وتعاونًا اقتصاديًا وسياحيًا.
لكن السنوات التالية كشفت أن العلاقة توسعت سريعًا إلى قطاعات أكثر حساسية، شملت الدفاع والأمن والاستخبارات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والموانئ وسلاسل الإمداد والصناعات العسكرية.
وهذا التحول يعني أن إسرائيل لم تعد مجرد دولة ترتبط بعلاقة ثنائية مع الإمارات، بل أصبحت شركاتها وتقنياتها الأمنية والعسكرية جزءًا من بنية تستخدمها دولة عضو في مجلس التعاون، بما يمنحها مدخلًا غير مباشر إلى المنظومة الخليجية الأوسع.
45 مسيّرة إسرائيلية للإمارات
وتكشف وثائق داخلية مسربة من شركة «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية حجم التداخل العسكري بين الطرفين.
وبحسب تحقيق حديث لصحيفة «هآرتس»، تقدمت الإمارات عقب هجوم الحوثيين على أبوظبي في يناير/كانون الثاني 2022 بما وُصف بأنه «طلب عملياتي عاجل» للحصول على ست طائرات مسيرة إسرائيلية من طراز «هيرميس 900».
لكن المباحثات لم تتوقف عند هذا العدد.
وتشير الوثائق إلى أن الجانب الإماراتي طلب لاحقًا توسيع الصفقة لتشمل ما يصل إلى 45 طائرة مسيرة، بقيمة تقديرية قد تصل إلى نحو 1.3 مليار دولار.
وهذه ليست مسيرات مدنية أو محدودة القدرات، بل منظومات متطورة للاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات، تستخدمها القوات الإسرائيلية نفسها في مهام استخباراتية وعسكرية.
استخبارات وحرب إلكترونية
بحسب الوثائق المسربة، لم يقتصر الاهتمام الإماراتي على الطائرات المسيرة.
فقد تضمنت المباحثات أيضًا أنظمة لاعتراض الاتصالات الخلوية، ومعدات للحرب الإلكترونية، وكاميرات استطلاع متقدمة، ومحطات تحكم أرضية، إلى جانب ما وصف بأنه «قائمة رغبات» إماراتية للحصول على طائرات مخصصة للاستخبارات الإلكترونية وجمع المعلومات.
وهذا النوع من الصفقات ينقل العلاقة إلى مستوى مختلف تمامًا.
فحين تعتمد دولة خليجية على الاحتلال في جمع المعلومات واعتراض الاتصالات والحرب الإلكترونية، يصبح الأمن الإسرائيلي جزءًا من منظومتها الأمنية الداخلية والإقليمية.
تصنيع السلاح الإسرائيلي داخل الإمارات
تكشف التسريبات أيضًا أن «إلبيت» عرضت نقل أجزاء من عمليات الإنتاج والتجميع إلى داخل الإمارات، في خطوة كانت ستؤدي إلى إنشاء تعاون صناعي عسكري أعمق بين الطرفين.
وهذا التطور، إن اكتمل، يعني انتقال العلاقة من مجرد شراء السلاح إلى تصنيع وتطوير منظومات إسرائيلية داخل دولة خليجية.
وبذلك لا تكون أبوظبي سوقًا للسلاح الإسرائيلي فقط، بل قاعدة إنتاج واستثمار محتملة للصناعات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
السلاح المجرّب على الفلسطينيين يصل إلى الخليج
تكتسب العلاقة مع «إلبيت سيستمز» حساسية إضافية بسبب الدور الذي تؤديه الشركة داخل المنظومة العسكرية الإسرائيلية.
فهي واحدة من أبرز شركات الصناعات الدفاعية في إسرائيل، وتنتج طائرات مسيرة وأنظمة مراقبة واستخبارات وحرب إلكترونية تستخدمها القوات الإسرائيلية.
كما استخدمت طائرات «هيرميس 900» في عمليات عسكرية إسرائيلية، ما يجعل الصفقة الإماراتية مرتبطة مباشرة بتكنولوجيا جرى تطويرها واختبارها في سياق الحروب التي يخوضها الاحتلال.
وهنا تظهر مفارقة التطبيع الإماراتي: السلاح والتكنولوجيا اللذان يستخدمهما الاحتلال ضد الفلسطينيين يتحولان إلى منتجات مطلوبة داخل الخليج.
الاحتلال يدخل الأمن الخليجي عبر أبوظبي
لا تحتاج إسرائيل إلى مقعد رسمي في مجلس التعاون الخليجي كي تؤثر في منظومته الأمنية.
فالنفوذ لا يقاس فقط بالعضوية، بل بحجم التكنولوجيا والمعلومات والأسلحة والعلاقات التي تدخل إلى مؤسسات الدول الأعضاء.
وحين تصبح الإمارات مرتبطة بمنظومات إسرائيلية للدفاع والمراقبة والاستخبارات، فإن إسرائيل تصبح حاضرة داخل جزء من البيئة الأمنية الخليجية بصورة فعلية.
وتزداد أهمية الأمر بسبب الترابط بين دول المجلس في ملفات الدفاع الجوي والممرات البحرية والطاقة وحماية البنية التحتية.
أي اختراق إسرائيلي عميق لمنظومة إحدى دول الخليج قد يمنح تل أبيب معرفة وتأثيرًا يتجاوز حدود تلك الدولة.
محمد بن زايد فتح الباب
يضع هذا المسار مسؤولية خاصة على محمد بن زايد.
فالتطبيع الإماراتي لم يكتف بكسر الحاجز السياسي أمام إسرائيل، بل فتح لها أبوابًا أمنية واقتصادية وتكنولوجية لم تكن متاحة بهذا الحجم قبل عام 2020.
ومن خلال أبوظبي أصبحت الشركات الإسرائيلية تدخل أسواق الخليج، وتشارك في معارض الدفاع، وتبحث صفقات بمليارات الدولارات، وتعرض نقل التكنولوجيا والتصنيع إلى المنطقة.
وهكذا تحول قرار سياسي اتُخذ تحت عنوان «السلام» إلى بنية استراتيجية يصعب فصلها عن الأمن الخليجي.
هل يحتاج الاحتلال إلى العضوية أصلًا؟
هنا يصبح السؤال حول «الشريك الخليجي الثامن» أكثر من مجرد عنوان استفزازي.
فإسرائيل لا تحتاج إلى علم أمام مقر مجلس التعاون أو مقعد في اجتماعاته الرسمية إذا كانت تحصل بالفعل على ما هو أهم:
أسواق.
صفقات سلاح.
معلومات.
شراكات تكنولوجية.
علاقات أمنية.
ومدخل إلى البنية التحتية لدول الخليج.
بهذا المعنى، تستطيع تل أبيب الحصول على مزايا الشريك من دون تحمل أي كلفة سياسية للعضوية الرسمية.
ماذا عن بقية دول الخليج؟
يضع التوسع الإماراتي بقية دول مجلس التعاون أمام معضلة.
فالسعودية لم تطبع رسميًا حتى الآن، وسلطنة عمان تحافظ على موقف أكثر حذرًا، بينما الكويت ترفض التطبيع بصورة واضحة.
لكن التكامل الاقتصادي والأمني داخل مجلس التعاون يعني أن وجود إسرائيل العميق داخل الإمارات قد يخلق آثارًا غير مباشرة على بقية الدول.
فالموانئ وسلاسل الإمداد وأنظمة الدفاع والتكنولوجيا لا تعمل دائمًا داخل حدود وطنية مغلقة.
ولهذا يثير التوسع الإماراتي سؤالًا حول ما إذا كان محمد بن زايد قد أدخل إسرائيل إلى المنظومة الخليجية من دون أن تطلب بقية الشعوب والدول ذلك.
فلسطين تدفع ثمن الشراكة
الأخطر أن هذا التعاون يتوسع بينما يواصل الاحتلال حروبه وانتهاكاته بحق الفلسطينيين.
فبدل أن تؤدي حرب غزة إلى مراجعة الشراكة مع الشركات العسكرية الإسرائيلية، تكشف الوثائق عن مفاوضات وصفقات تشمل إحدى أهم الشركات التي تزود جيش الاحتلال بالتكنولوجيا العسكرية.
وهنا يسقط الخطاب الذي قدم التطبيع باعتباره وسيلة للتأثير على إسرائيل أو دفعها نحو السلام.
فالواقع يشير إلى العكس: إسرائيل حصلت على سوق جديدة لصناعاتها العسكرية، وعلى شريك عربي يشتري التكنولوجيا ويعمق التعاون، بينما لم يحصل الفلسطينيون على إنهاء للاحتلال أو وقف للاستيطان.
التطبيع يحوّل إسرائيل إلى ضرورة أمنية
أخطر ما يمكن أن ينتجه هذا النوع من العلاقات هو تحويل إسرائيل من خيار سياسي إلى «ضرورة أمنية».
فكلما اعتمدت الإمارات على المسيّرات الإسرائيلية وأنظمة الحرب الإلكترونية والاستخبارات، أصبحت كلفة قطع العلاقة أعلى.
ثم يصبح استمرار التطبيع مبررًا بحماية الدولة، لا بمجرد الرغبة في العلاقات.
وهذا هو التحول الذي تسعى إليه إسرائيل: ألا تكون علاقتها بالعرب قابلة للتراجع بقرار سياسي، بل أن تصبح جزءًا من بنية الأمن والطاقة والتكنولوجيا بحيث يصعب التخلص منها.
من سفارة إلى تحالف عسكري
يمكن قياس المسافة التي قطعها التطبيع الإماراتي خلال ست سنوات فقط.
في البداية كانت القضية سفارة ورحلات جوية وسياحة.
ثم جاءت التجارة والاستثمارات.
بعدها توسعت الشراكة إلى التكنولوجيا والأمن السيبراني.
واليوم تكشف الوثائق عن طائرات مسيرة، واعتراض اتصالات، وحرب إلكترونية، واستخبارات، ومفاوضات لتوطين صناعة عسكرية إسرائيلية داخل الإمارات.
هذا ليس «سلامًا» بالمعنى التقليدي.
إنه تحالف استراتيجي.
إسرائيل شريك بلا مقعد
ربما لن تنضم إسرائيل يومًا رسميًا إلى مجلس التعاون الخليجي.
لكن محمد بن زايد لم يحتج إلى تعديل ميثاق المجلس كي يمنحها حضورًا داخله.
يكفي أن تصبح إسرائيل مصدرًا للسلاح والمعلومات والتكنولوجيا، وأن تصبح شركاتها جزءًا من الاقتصاد الإماراتي، وأن تتشابك مصالح الطرفين في الدفاع والموانئ والطاقة والذكاء الاصطناعي.
وعندها يصبح الاحتلال حاضرًا داخل الخليج من دون عضوية.
وهذا هو الوجه الأخطر للتطبيع الإماراتي: لم يكتف بإقامة علاقة مع إسرائيل، بل فتح لها طريقًا إلى قلب المنظومة الخليجية.
الخلاصة
تظهر الوثائق المسربة أن العلاقة الإماراتية الإسرائيلية تجاوزت منذ زمن مرحلة العلاقات الدبلوماسية.
فالحديث يدور اليوم عن صفقات قد تصل إلى 1.3 مليار دولار، وعشرات الطائرات المسيرة، وقدرات استخباراتية وحرب إلكترونية، وربما تصنيع عسكري داخل الإمارات.
هذه الوقائع تجعل وصف إسرائيل بأنها «الشريك الخليجي الثامن» أقل مبالغة مما يبدو.
فهي وإن لم تمتلك مقعدًا رسميًا، أصبحت تمتلك مدخلًا إلى واحدة من أهم دول المجلس وأكثرها نفوذًا.
أما محمد بن زايد، فلم يفتح باب التطبيع لإسرائيل فحسب، بل فتح أمامها أبواب الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا الخليجية.
وبينما يبقى الفلسطيني تحت الاحتلال، يتحول الاحتلال نفسه إلى مورد للسلاح وشريك أمني وحليف استراتيجي داخل الخليج.
وهكذا تحقق إسرائيل عبر أبوظبي ما لم تستطع تحقيقه بالحروب: الانتقال من عدو للمنطقة إلى طرف يُبنى جزء من أمنها على سلاحه وتقنياته.







