أثينا تتصدى للابتزاز الدبلوماسي الإسرائيلي

رد ناري من رئيس البلدية يشعل جدلًا حول حرية التعبير والتضامن مع فلسطين

في مواجهة غير معتادة بين ممثلين رسميين، وجه رئيس بلدية أثينا، هاريس دوكاس، صفعة سياسية حادة لسفير الاحتلال الإسرائيلي في اليونان، نوعام كاتس، مؤكدًا أن بلاده “لن تتلقى دروسًا في الديمقراطية من قتلة الأطفال والمدنيين في غزة”، ردًا على انتقادات الأخير بشأن رسوم غرافيتي مؤيدة لفلسطين في العاصمة.

يأتي هذا الموقف ضمن موجة رفض متزايدة في الشارع الأوروبي لمحاولات الاحتلال شيطنة كل صوت ناقد له، واعتبار كل تعبير عن التضامن مع الفلسطينيين عداءً للسامية، وهو سلاح تستخدمه تل أبيب لتكميم الأفواه ومصادرة الحريات حتى في أعرق الديمقراطيات الغربية.

 السياق السياسي: تصدع في جبهة الدعم الأوروبي للاحتلال

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 أكتوبر 2023، ساد صمت رسمي أوروبي عام تجاه المجازر بحق المدنيين، لكن هذا الصمت بدأ يتآكل تحت ضغط الشارع والمجتمعات المحلية. أثينا، كعاصمة تاريخية للديمقراطية، أصبحت منبرًا لمعادلة جديدة: التضامن مع فلسطين لم يعد حكرًا على النشطاء، بل يتبناه مسؤولون محليون منتخبون يرفضون الهيمنة الخارجية على القرار المحلي.

رد دوكاس يُعدّ مؤشرًا على اتساع الهوة بين الحكومات المحافظة الموالية للاحتلال، كما في حالة رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس، وبين قطاعات شعبية ورسمية تتبنى مواقف أكثر جرأة في الدفاع عن القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 دلالات رد بلدية أثينا:

  1. رفض الوصاية الدبلوماسية:
    دوكاس وجه رسالة واضحة بأن شوارع أثينا لا تُدار من السفارات الأجنبية، بل من إرادة ناخبيها وسلطتها المحلية، في إشارة إلى استقلال القرار المحلي عن التوجيهات السياسية الخارجية.
  2. كسر حاجز الصمت الأوروبي:
    استخدام عبارات قوية مثل “القتلة” و”الإبادة الجماعية” من قِبل مسؤول رسمي، يكسر تقاليد الدبلوماسية الأوروبية التي غالبًا ما تلتزم اللغة الرمادية عند الحديث عن إسرائيل.
  3. دفاع عن حرية التعبير:
    الغرافيتي المؤيد لفلسطين وُصف من قِبل السفير الإسرائيلي بـ”المعادي للسامية”، في محاولة لتجريم التعبير السياسي، لكن رد البلدية يؤكد أن حرية التعبير ليست قابلة للمساومة تحت ذرائع دبلوماسية.

 انزعاج إسرائيلي وتصعيد لغوي: محاولة عكس صورة الضحية

تصريحات كاتس حول “قلق السياح الإسرائيليين” من رسوم الغرافيتي، بدت محاولة فجة لتبديل الأدوار: فبينما تُقصف غزة ليلًا ونهارًا، تُصوّر تل أبيب نفسها كضحية لمجرد وجود شعارات مناهضة لها على جدران أثينا!

وفي حين أزال مسؤولو المدينة معظم الرسوم – كجزء من سياسات النظافة العامة – إلا أن التركيز الإسرائيلي عليها بدا منفصلًا عن الواقع، خاصة في ظل الأرقام الصادمة القادمة من غزة:
أكثر من 210 ألف ضحية، بينهم آلاف الأطفال، ومجاعة تحصد الأرواح في صمت دولي مريب.

 اليسار اليوناني يرد: لا لتكميم الشارع

الرد السياسي لم يتأخر، حيث أصدر “حزب اليسار الجديد” بيانًا رفض فيه تدخل السفير، مؤكدًا أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ليس جريمة، بل واجب أخلاقي. ورأى الحزب أن السفارة تحاول فرض رقابة سياسية على المدينة، في سابقة تهدد الحياة الديمقراطية في البلاد.

هل بدأ الرفض الأوروبي للتطبيع؟

ما يجري في أثينا ليس مجرد خلاف محلي، بل حلقة في سلسلة طويلة من التوترات بين الحكومات الأوروبية المتحالفة مع الاحتلال، والمجتمعات التي تزداد وعيًا بجرائمه في غزة. فكلما طال أمد الحرب، اتسعت رقعة الرفض الشعبي، وباتت الحكومات في موقع المساءلة، داخليًا وخارجيًا.

رد رئيس بلدية أثينا قد يتحول إلى سابقة، تُحفّز مسؤولين محليين آخرين على الخروج عن صمتهم، ورفض محاولات تكميم الأصوات المناصرة للعدالة، حتى لو جاء ذلك من خلف ستار دبلوماسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى