إغلاق سفارات عربية في أوروبا.. احتجاج فردي يعري التواطؤ في تجويع غزة

في مشهد غير مألوف لكنه بالغ الدلالة، أقدم الناشط المصري أنس حبيب على إغلاق مدخل السفارة الأردنية في هولندا باستخدام أقفال حديدية، بعد أيام فقط من خطوة مشابهة استهدفت السفارة المصرية في نفس البلد.
بهذه الخطوة الرمزية، أطلق حبيب صرخة فردية في وجه الصمت العربي الرسمي تجاه جريمة التجويع الجماعي التي يتعرض لها أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة، وسط حرب إبادة مستمرة منذ 22 شهرًا.
أولًا: بين الغضب الشعبي والخذلان الرسمي
في كل مرة يُقتل فيها طفل جوعًا في غزة، تتجه الأنظار إلى معبر رفح المغلق، وإلى المعابر الحدودية الأردنية التي لم يُفتح منها جسر إغاثي جاد منذ بدء العدوان، رغم القرب الجغرافي والمسؤولية التاريخية.
ما فعله أنس حبيب أمام سفارتي مصر والأردن ليس إلا تجسيدًا لحالة انفصام كبرى بين الشارع العربي المغترب، والمؤسسات الرسمية التي اختارت الاصطفاف إلى جانب الاحتلال بصمت أو مشاركة فعلية.
ثانيًا: الأبعاد الرمزية للاحتجاج
استخدام الأقفال لغلق أبواب السفارات هو فعل رمزي كثيف المعنى، يختصر المعاناة الفلسطينية اليومية:
- فـ”إغلاق السفارة” يمثل صمت الدولة، وتخليها عن دورها.
- و”الأقفال” ترمز إلى معابر مغلقة، وطرق مقطوعة، وقلوب لم تستجب.
- أما “رَش الطحين” على الأرض، فيعيد للأذهان صورة الغزيين الذين يجمعون دقيقهم من تحت الأنقاض.
وبينما حاول أحد موظفي السفارة الاعتداء على الناشط، فإن ذلك أظهر بشكل فجّ حجم الانزعاج من الفعل البسيط الذي فضح الصمت بأداة معدنية لا تتجاوز بضع يورو.
ثالثًا: ماذا يقول هذا الفعل عن الحراك الشعبي العربي في الخارج؟
الاحتجاجات الفردية أصبحت صوتًا أخلاقيًا موازٍ للخذلان المؤسسي. وهي تعبّر عن:
- تحول الغضب الشعبي إلى أفعال رمزية ضاغطة.
- انعدام الثقة بالمؤسسات العربية الرسمية، حتى في عواصم أوروبية يُفترض أنها حاضنة للحريات.
- رغبة النشطاء في كسر جدار الصمت الإعلامي الغربي عبر أفعال لافتة، تحرج الأنظمة أمام الرأي العام الدولي.
إنها ليست مجرد أقفال تُغلق بابًا، بل صفعة أخلاقية على وجه حكومات تتفاخر بـ”دعم القضية” في المؤتمرات، بينما تسهم في محاصرة الشعب الفلسطيني على الأرض.
رابعًا: لماذا الأردن ومصر تحديدًا؟
- الأردن يحتفظ بعلاقات مباشرة مع الاحتلال، وله دور تاريخي في الوصاية على المقدسات، لكن غاب عن غزة بالكامل في الشهور الماضية.
- مصر تمتلك مفتاح معبر رفح، ولديها اليد الأقوى في تحديد مصير المساعدات، لكنها ساهمت فعليًا في خنق القطاع، رغم محاولات تجميل الصورة عبر تصريحات رسمية غير مفعّلة.
وبالتالي، فإن اختيار هاتين السفارتين لم يكن عشوائيًا، بل استهدافًا مباشرًا لأكثر دولتين عربيتين تُحمّلان مسؤولية إنسانية وأخلاقية تجاه غزة.
خامسًا: هل تتحول الخطوة إلى نمط مقاومة رمزية؟
الدعوات التي أطلقها حبيب لتكرار الفعل أمام سفارات عربية أخرى في أوروبا وكندا وأمريكا تحمل نَفَسًا تحريضيًا واعيًا:
- ليست دعوة للعنف، بل دعوة لفعل رمزي سلمي يحاصر السفارات بالصمت الذي تمثله.
- وقد تشكل نواة لحراك شعبي جديد من الجاليات العربية، يستثمر في الصورة المباشرة لإحراج الأنظمة أمام المجتمعات الغربية.
- كما أن تأثيرها الإعلامي يفوق أحيانًا آلاف التغريدات، لأنها تحول الغضب إلى صورة، والاحتجاج إلى واقعة ملموسة.
الأقفال ليست النهاية.. إنها بداية كسر الحصار المعنوي
بينما تستمر الأنظمة في سياسة التنصّل والتواطؤ، يفرض نشطاء من الخارج معادلة جديدة:
إذا صمتَت الحكومات، فلتتحدث الشعوب.
وإذا أُغلقت أبواب المعابر، فلتُغلق أبواب السفارات، ولو رمزيًا.
الفعل الفردي الذي قام به أنس حبيب ليس فعلاً عبثيًا أو غوغائيًا، بل صرخة سياسية وأخلاقية، تقول إنّ العار لا يمكن أن يمر دون مقاومة – ولو بقفل صغير.






