استهداف الصحفيين في غزة.. الاحتلال يوثق جريمته بدماء الشهود

ارتفعت حصيلة الصحفيين الشهداء في قطاع غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023 إلى 231 صحفيًا وصحفية، بعد استشهاد الزميلين تامر الزعانين وولاء الجعبري التي قُتلت مع زوجها وأطفالها الخمسة وجنينها في غارة إسرائيلية استهدفت منزلهم فجر الأربعاء.
بهذه المجزرة الجديدة، يتكشف أحد أكثر جوانب الحرب الإسرائيلية على غزة فظاعةً، وهو استهداف ممنهج لصوت الحقيقة، ضمن ما وصفته مؤسسات دولية بـ”حرب على الشهود”.
أولًا: استهداف منظم للصحفيين.. لماذا؟
لا يُمكن النظر إلى استشهاد هذا العدد الكبير من الصحفيين كـ”أضرار جانبية” في حرب عشوائية، بل تتكشف صورة واضحة لاستراتيجية إسرائيلية تقوم على:
- إسكات الشهود: الصحفيون المحليون هم الشاهد الأهم على المجازر والانتهاكات في ظل منع الصحافة الأجنبية من دخول غزة.
- تفريغ الساحة من الناقلين المهنيين للحقيقة، وخاصة أولئك الذين يعملون بشكل مستقل أو مع وسائل إعلام لا تخضع للرقابة الإسرائيلية.
- ردع تغطية الجرائم، من خلال الترهيب المباشر بالاستهداف أو القتل.
اغتيال ولاء الجعبري، وهي حامل في شهرها الأخير، وأطفالها الخمسة، لا يُظهر فقط بشاعة القصف، بل يكشف استخفافًا مطلقًا بكل القوانين والأعراف الدولية التي تُحرّم استهداف الصحفيين والمدنيين.
ثانيًا: الجريمة المزدوجة.. الجوع والقتل
مما يضاعف من بشاعة الجريمة أن الصحفية ولاء الجعبري وثّقت قبل استشهادها بساعات معاناة شعبها من الجوع والخذلان، بعبارات مؤلمة مثل:
“أنا مش خايفة نموت من الجوع، خايفة من كسرة الخاطر إذا ما وقفت هالحرب المجنونة!”
“نحن بحاجة إلى الطعام الطبيعي، فيتامينات، حياة كريمة.”
“قرقعة بطوننا يسمع صداها في كل أنحاء العالم، لكنهم يضعون سدادات أذن.”
هذا الربط بين تجويع السكان وقتل الصحفيين يمثل جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان وفق توصيف القانون الدولي، حيث تُمارس أدوات القتل والتجويع والترهيب معًا بحق المدنيين، ويُقتل من يحاول توثيق ذلك.
ثالثًا: ردود الفعل وغياب المساءلة
رغم بشاعة المجازر، لم تُسجّل حتى اللحظة إدانة ملموسة من قبل مؤسسات الصحافة الدولية، واقتصر الأمر على بيانات شجب عامة، لا تُرقى لمستوى جرائم متكررة بحق الجسم الصحفي.
أما المؤسسات الدولية مثل الاتحاد الدولي للصحفيين واتحاد الصحفيين العرب، فباتت مطالَبة بتحرك يتجاوز الإدانة، إلى:
- إرسال فرق تقصي حقائق دولية.
- رفع دعاوى مباشرة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
- فرض عقوبات على قادة الاحتلال المتورطين بجرائم الحرب ضد الصحافة الفلسطينية.
المكتب الإعلامي الحكومي بغزة حمّل الاحتلال والدول الداعمة له، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، وفرنسا، مسؤولية الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين، مؤكدًا أن استمرار الصمت يُعدّ تواطؤًا واضحًا.
من يُقتل أولًا.. الشهود أم الحقيقة؟
ما يجري في غزة اليوم ليس فقط إبادة شعب، بل إعدام منهجي للحقيقة، ومحاولة لتصفية من يلتقط الصورة الأخيرة، أو ينقل صوت أم ثكلى، أو يكتب سطورًا من تحت الركام.
استشهاد ولاء الجعبري وأولادها، بعد ساعات من نداءاتها المؤلمة على فيسبوك، يُشكّل شهادة دامغة على طبيعة الاحتلال:
عدو للحياة، للطفولة، وللكلمة.
وإذا استمرت المؤسسات الصحفية الدولية في الاكتفاء بالبيانات الباردة، فإن السؤال الذي يُطرح بقوة:
من سيبقى ليروي القصة؟






