واشنطن تساوم الرياض: النووي مقابل التطبيع مع الاحتلال

حوّل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البرنامج النووي المدني السعودي إلى ورقة ضغط سياسية لدفع الرياض نحو التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، بعدما أحال الاتفاق النووي السعودي الأمريكي إلى الكونغرس، متمسكًا بشرط انضمام المملكة إلى «اتفاقيات أبراهام» قبل دخوله حيز التنفيذ.
وبحسب مسؤول في الإدارة الأمريكية، فإن موقف ترامب «لم يتغير»، وأن الاتفاق لن يمضي قدمًا ما لم تطبع السعودية علاقاتها مع إسرائيل، رغم أن الصفقة النووية نفسها تم التوصل إليها في يوليو/تموز الماضي قبل إعلان هذا الشرط بصورة علنية.
عشرات المليارات مقابل الاعتراف بالاحتلال
يفتح الاتفاق، الذي يمتد لنحو 30 عامًا، الباب أمام الشركات الأمريكية لتصدير التكنولوجيا النووية المدنية إلى السعودية وبناء مفاعلات من طراز AP1000، في مشروع تقدر قيمته بعشرات مليارات الدولارات، وتعد شركة «ويستنغهاوس» من أبرز المستفيدين المحتملين منه.
لكن واشنطن لم تعد تتعامل مع هذا التعاون باعتباره ملف طاقة منفصلًا، بل ربطته مباشرة بأكبر مطلب إسرائيلي في المنطقة: اعتراف السعودية بالاحتلال وإقامة علاقات رسمية معه.
وبذلك تصبح المعادلة الأمريكية واضحة: التكنولوجيا النووية والشراكة الاستراتيجية مقابل التطبيع.
الرياض تفاوض ولا تغلق الباب
تؤكد السعودية رسميًا أنها لن تعترف بإسرائيل قبل وجود مسار «غير قابل للتراجع» يقود إلى دولة فلسطينية، لكن استمرار المباحثات الأمريكية السعودية بشأن حزمة تشمل النووي والأمن والتطبيع يكشف أن الباب لم يُغلق أصلًا.
وهنا تظهر الفجوة بين الخطاب والسلوك.
فإذا كان التطبيع مرفوضًا من حيث المبدأ في ظل الاحتلال ورفض نتنياهو قيام دولة فلسطينية، فلماذا يبقى جزءًا من صفقة استراتيجية يجري التفاوض على شروطها؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الخلاف لا يدور حول مبدأ العلاقة مع الاحتلال بقدر ما يدور حول الثمن السياسي والأمني الذي ستحصل عليه الرياض، والصيغة التي يمكن من خلالها تمرير الاتفاق أمام الرأي العام السعودي والعربي.
فلسطين تتحول إلى بند داخل الصفقة
الأخطر أن القضية الفلسطينية تجد نفسها مرة أخرى داخل مفاوضات لا يشارك الفلسطينيون في صياغتها.
فواشنطن تريد التطبيع.
إسرائيل تريد الاعتراف السعودي.
والرياض تريد التكنولوجيا النووية والشراكة الأمريكية.
أما فلسطين، فقد تتحول إلى شرط تفاوضي يمكن لاحقًا اختزاله في تعهدات أو «مسار سياسي» بدل قيام دولة فلسطينية فعلية.
ولهذا فإن الحديث السعودي عن الدولة الفلسطينية لا ينبغي التعامل معه كضمان نهائي ما دامت المفاوضات على التطبيع مستمرة، وما دام الاحتلال نفسه يرفض تنفيذ الشرط الذي تعلنه الرياض.
ترامب يعيد نموذج الإمارات
يعيد ترامب استخدام النموذج الذي نجح معه في «اتفاقيات أبراهام» عامي 2020 و2021؛ منح كل دولة عربية مكسبًا أمريكيًا مقابل التطبيع مع الاحتلال.
الإمارات حصلت على علاقات استراتيجية أوسع مع واشنطن، والمغرب حصل على الاعتراف الأمريكي بموقفه من الصحراء، واليوم تُطرح على السعودية صفقة أكثر أهمية: برنامج نووي وشراكة تمتد لعقود مقابل الاعتراف بإسرائيل.
بهذا المعنى، لم تعد اتفاقيات أبراهام مشروع «سلام»، بل سوقًا سياسية تستخدم فيها واشنطن احتياجات الدول العربية لزيادة عدد الدول التي تمنح الاحتلال الشرعية.
مخاوف نووية أيضًا
الصفقة نفسها تواجه اعتراضات داخل الولايات المتحدة بسبب عدم تضمنها حظرًا واضحًا على تخصيب اليورانيوم أو إعادة معالجة الوقود المستهلك، وهما مساران يمكن استخدامهما لإنتاج مواد تصلح لاحقًا لأغراض عسكرية.
وتبدو المفارقة أكثر وضوحًا عند مقارنتها بالإمارات، التي وافقت في اتفاقها النووي مع واشنطن عام 2009 على التخلي عن التخصيب وإعادة المعالجة فيما عُرف بـ«المعيار الذهبي».
وهكذا أصبح اتفاق واحد يجمع ملفين شديدي الحساسية: الانتشار النووي والتطبيع مع الاحتلال.
الكونغرس يدخل على الخط
أصبح الاتفاق الآن أمام الكونغرس، الذي يملك مهلة 90 يوم انعقاد للاعتراض عليه. وإذا لم يتحرك، يمكن أن يدخل الاتفاق حيز التنفيذ، بينما يستطيع ترامب استخدام الفيتو ضد أي قرار برفضه، ولا يمكن تجاوز هذا الفيتو إلا بأغلبية الثلثين.
وهذا يعني أن مشروع التطبيع السعودي الإسرائيلي أصبح مرتبطًا ليس فقط بالمفاوضات السرية أو الاتصالات السياسية، بل بصفقة رسمية ضخمة تتحرك داخل المؤسسات الأمريكية.
النووي رهينة إسرائيل
يكشف الشرط الأمريكي حجم التحول الذي طرأ على مكانة الاحتلال في العلاقات العربية الأمريكية.
فالسعودية تريد برنامجًا نوويًا من الولايات المتحدة، لكن إسرائيل أصبحت عمليًا طرفًا في تحديد ما إذا كانت الرياض ستحصل عليه.
وهذا نموذج آخر لما صنعته اتفاقيات أبراهام: بدل أن تكون إسرائيل مطالبة بإنهاء احتلالها حتى تحصل على القبول العربي، تصبح الدول العربية مطالبة بالاعتراف بها حتى تحصل على مصالحها من واشنطن.
وفي هذه المعادلة، يكون الاحتلال المستفيد الأكبر.
فهو لا يقدم تنازلًا حقيقيًا للفلسطينيين، لكنه قد يحصل على اعتراف من الدولة العربية والإسلامية الأكثر ثقلًا، بينما تدفع واشنطن الرياض نحو الاتفاق باستخدام واحدة من أكثر أوراقها الاستراتيجية حساسية.
التطبيع هنا لا يُطرح بوصفه سلامًا، بل ثمنًا؛ والبرنامج النووي ليس مجرد مشروع طاقة، بل ورقة ابتزاز سياسي هدفها جر السعودية إلى المسار الذي فتحته الإمارات أمام الاحتلال.







