اتفاقيات أبراهام.. المغرب والإمارات أمام هشاشة مكاسب التطبيع وثمن خدمة الاحتلال

بعد ست سنوات على توقيع «اتفاقيات أبراهام»، تتزايد المؤشرات على أن المكاسب التي حصلت عليها الإمارات والمغرب مقابل تطبيع علاقاتهما مع الاحتلال الإسرائيلي لم تكن تحالفات استراتيجية ثابتة بقدر ما كانت صفقات سياسية مرتبطة بإدارة أمريكية وموازين قوة قابلة للتغير.

ووفق قراءة للدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني، فإن الاتفاقيات دشنت ما وصفه بـ«الدبلوماسية التعاقدية»، حيث حصلت الدول المطبعة على امتيازات أمريكية مقابل منح الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف والاندماج الإقليمي، لكن هذه الامتيازات لا تتمتع بالحصانة نفسها التي حصلت عليها إسرائيل من التطبيع.

المغرب.. الاعتراف بالصحراء مقابل التطبيع

كان المغرب من أوضح نماذج هذا النوع من المقايضة.

ففي ديسمبر/كانون الأول 2020، أعلنت إدارة دونالد ترامب اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية بالتزامن مع استئناف الرباط علاقاتها الرسمية مع إسرائيل.

وحصل الاحتلال في المقابل على اختراق سياسي وأمني مهم في المغرب العربي، لم يتوقف عند العلاقات الدبلوماسية، بل توسع إلى التعاون العسكري والاستخباراتي وصفقات السلاح والتكنولوجيا.

وخلال السنوات التالية، أصبحت إسرائيل أحد أبرز موردي السلاح للمغرب، ودخلت المسيّرات والمنظومات الإسرائيلية إلى الحسابات العسكرية المرتبطة بالصحراء الغربية.

لكن المكسب المغربي الأساسي، أي الموقف الأمريكي من الصحراء، يبقى في النهاية مرتبطًا بقرار سياسي أمريكي يمكن لإدارة مستقبلية تعديل طريقة التعامل معه أو فرض شروط جديدة حوله.

وهنا تظهر المفارقة: إسرائيل حصلت على علاقات ومصالح وبنية تعاون قائمة بالفعل، بينما حصل المغرب على مكسب سياسي يعتمد في جزء كبير منه على استمرار الموقف الأمريكي.

الإمارات.. السلاح والتكنولوجيا مقابل بوابة الاحتلال

أما الإمارات، فقد استخدمت اتفاقيات أبراهام لتوسيع موقعها لدى الولايات المتحدة وإسرائيل والحصول على فرص أكبر في قطاعات الدفاع والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة.

وتشير المادة إلى أن أبوظبي استفادت من موقعها بوصفها أول دولة خليجية تدخل المسار، لتفتح أمامها قنوات أوسع داخل واشنطن، بما في ذلك السعي إلى الحصول على أسلحة أمريكية متطورة والوصول إلى رقائق وتقنيات حساسة.

لكن هذه المكاسب ليست مضمونة هي الأخرى.

فالكونغرس الأمريكي يستطيع تعطيل صفقات التسليح، والإدارات المتعاقبة تستطيع تشديد القيود على تصدير التكنولوجيا والرقائق، خصوصًا في ظل المخاوف الأمريكية من العلاقات الإماراتية مع الصين.

وبذلك، تجد أبوظبي نفسها أمام معادلة مشابهة للمغرب: قدمت للاحتلال مكسبًا استراتيجيًا دائمًا، بينما يمكن أن تبقى الامتيازات الأمريكية التي حصلت عليها رهينة السياسة الداخلية في واشنطن.

إسرائيل وحدها حصلت على المكسب الدائم

تكشف هذه المقارنة أن الطرف الأكثر استفادة من اتفاقيات أبراهام كان الاحتلال الإسرائيلي.

فالعلاقات التي حصل عليها مع الإمارات والمغرب لم تعد مجرد توقيعات سياسية قابلة للإلغاء بسهولة.

هناك سفارات ومكاتب اتصال، وصفقات سلاح، وشركات، واستثمارات، ورحلات جوية، وعلاقات تجارية، وتعاون أمني واستخباراتي.

كما استحوذت دول اتفاقيات أبراهام في عام 2025 على نحو 15% من صادرات السلاح الإسرائيلية، في وقت سجلت فيه إسرائيل رقمًا قياسيًا بلغ 19.2 مليار دولار من الصادرات الدفاعية.

أي أن التطبيع لم يمنح الاحتلال شرعية سياسية فقط، بل أصبح مصدرًا مباشرًا للأموال ودعم الصناعات العسكرية التي تستخدمها إسرائيل في حروبها.

المغرب والإمارات يمولان صناعة السلاح الإسرائيلي

تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل استمرار الحرب على الفلسطينيين.

فبينما تتصاعد دعوات المقاطعة الدولية لإسرائيل، استمرت الدول المطبعة في شراء التكنولوجيا والسلاح الإسرائيليين، بما يمنح شركات مثل «إلبيت» و«رافائيل» والصناعات الجوية الإسرائيلية أسواقًا عربية جديدة.

وهكذا ينشأ تناقض صارخ:

الدول العربية تعلن دعم فلسطين سياسيًا، لكنها في الوقت نفسه تضخ أموالًا في شركات مرتبطة مباشرة بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية.

ولا يصبح التطبيع هنا مجرد موقف سياسي، بل مصدر تمويل لقوة الاحتلال نفسها.

مكاسب مؤقتة مقابل تنازل دائم

جوهر أزمة اتفاقيات أبراهام يكمن في عدم التوازن بين ما قدمته الدول العربية وما حصلت عليه.

المغرب منح إسرائيل اعترافًا وعلاقات وتعاونًا عسكريًا مقابل موقف أمريكي من الصحراء.

الإمارات منحت الاحتلال اختراقًا خليجيًا تاريخيًا مقابل مكاسب في واشنطن ووعود بالتكنولوجيا والسلاح والشراكة الاستراتيجية.

لكن إسرائيل حصلت على مكاسب يصعب التراجع عنها، بينما تعتمد الامتيازات الأمريكية على رئيس وكونغرس وإدارة يمكن أن تتغير كل أربع سنوات.

وهذا ما يجعل الاتفاقيات أقرب إلى صفقات غير متكافئة من كونها تحالفات استراتيجية محصنة.

فلسطين هي الطرف الذي دفع الثمن

وسط كل هذه المقايضات، لم يكن الفلسطينيون طرفًا في التفاوض.

لم يحصلوا على دولة.

لم يتوقف الاستيطان.

لم ينته الاحتلال.

ولم تمنع علاقات الإمارات والمغرب إسرائيل من شن الحروب أو توسيع سيطرتها على الأراضي الفلسطينية.

بل على العكس، منحت اتفاقيات أبراهام إسرائيل فرصة لتجاوز القضية الفلسطينية وبناء علاقات عربية من دون تقديم ثمن سياسي للفلسطينيين. وهذا كان أحد التحولات الأساسية التي أحدثها نموذج الاتفاقيات منذ 2020.

التطبيع لم يجلب السلام

سوّقت الاتفاقيات باعتبارها طريقًا إلى السلام والازدهار والاستقرار الإقليمي.

لكن السنوات التالية أظهرت أن التطبيع لم يمنع الحروب ولم ينه الصراع ولم يدفع إسرائيل نحو حل القضية الفلسطينية.

ما حدث فعليًا هو انتقال الاحتلال من حالة العزلة النسبية إلى شبكة جديدة من العلاقات العربية في الاقتصاد والدفاع والتكنولوجيا.

أما «السلام» الموعود، فلم ينعكس على الفلسطينيين الذين ظلوا تحت الاحتلال.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن اتفاقيات أبراهام لم تحل الصراع، بل فصلت التطبيع عن حل الصراع.

واشنطن باعت لكل دولة ما تحتاجه

نجاح النموذج الأمريكي قام على فهم نقاط ضعف كل دولة.

المغرب يريد دعمًا دوليًا في ملف الصحراء.

الإمارات تريد التكنولوجيا والسلاح والنفوذ في واشنطن.

دول أخرى تريد ضمانات أمنية أو استثمارات أو رفع عقوبات.

وبدل مطالبة إسرائيل بإنهاء الاحتلال مقابل قبولها عربيًا، تحولت المعادلة إلى منح كل حكومة عربية حافزًا خاصًا كي تطبع منفردة.

وهكذا أصبح الفلسطينيون هم الطرف الذي تُدفع حقوقه ثمنًا لمصالح حكومات أخرى.

من المغرب إلى الإمارات.. شبكة واحدة مركزها إسرائيل

لم تعد العلاقات المغربية والإماراتية مع الاحتلال مسارين منفصلين.

فكلا البلدين يعمق التعاون مع إسرائيل في الدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد، بينما تتطور بين الرباط وأبوظبي نفسها شراكة إقليمية تشكل تل أبيب أحد محاورها.

وأصبحت إسرائيل ثاني أكبر مورد للسلاح إلى المغرب، بينما تحولت الإمارات إلى واحدة من أكثر الدول العربية تشابكًا اقتصاديًا وأمنيًا معها.

وهكذا أصبح نموذج أبراهام ينتج شبكة عابرة للأقاليم تمتد من الخليج إلى المغرب العربي، يصبح فيها الاحتلال شريكًا في ملفات الأمن والتسليح والتكنولوجيا.

المكاسب الأمريكية يمكن سحبها.. أما التطبيع فقد ترسخ

هذه ربما أخطر خلاصة في التجربة.

يمكن لإدارة أمريكية مستقبلية إعادة النظر في تصدير الرقائق المتقدمة للإمارات.

ويمكن للكونغرس تعطيل صفقة سلاح.

ويمكن لواشنطن تغيير طريقة إدارتها لملف الصحراء الغربية.

لكن الشركات الإسرائيلية التي دخلت الأسواق، والعلاقات الأمنية التي تأسست، وصفقات السلاح التي وقعت، وشبكات المصالح التي نشأت، لن تختفي بسهولة.

لذلك يصبح التطبيع أكثر رسوخًا من المكاسب التي قُدم مقابلها.

صفقة رابحة للاحتلال وهشة للمطبعين

بعد ست سنوات، تكشف اتفاقيات أبراهام عن خلل جوهري في المعادلة التي تأسست عليها.

إسرائيل حصلت على اعتراف عربي، وأسواق جديدة، وصفقات عسكرية، واستثمارات، وشرعية إقليمية، من دون إنهاء احتلالها أو تقديم حل للفلسطينيين.

المغرب حصل على اعتراف أمريكي سياسي يمكن أن يتأثر بتحولات واشنطن.

والإمارات حصلت على امتيازات وشراكات تكنولوجية وعسكرية تظل بدورها خاضعة للكونغرس والأمن القومي الأمريكي وتوازنات العلاقة مع الصين.

أما فلسطين، فلم تحصل على شيء تقريبًا من هذه المقايضات.

وهنا يتضح جوهر «الدبلوماسية التعاقدية» التي قامت عليها اتفاقيات أبراهام: تقدم الدول العربية لإسرائيل مكسبًا استراتيجيًا دائمًا، مقابل امتياز أمريكي قد يكون مؤقتًا أو مشروطًا أو قابلًا للمراجعة.

وبذلك لم تكن الاتفاقيات مشروع سلام بقدر ما كانت سوقًا سياسية كبيرة: كل دولة باعت جزءًا من موقفها من الاحتلال مقابل حاجتها الخاصة، بينما خرجت إسرائيل من السوق بأثمن المكاسب وأكثرها دوامًا.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى