لاعب عراقي ينسحب في أبوظبي رفضًا لمواجهة إسرائيلي ويكسر مشهد التطبيع الرياضي

وجّه اللاعب العراقي في الفنون القتالية المختلطة ضاري العبيدي رسالة واضحة ضد التطبيع الرياضي، بعدما أعلن انسحابه من بطولة العالم المقامة في العاصمة الإماراتية أبوظبي، إثر وقوعه في مواجهة لاعب إسرائيلي ضمن منافسات البطولة.
وأكد العبيدي أن قراره جاء انطلاقًا من موقفه الثابت تجاه القضية الفلسطينية ورفضه التطبيع «بمختلف أشكاله»، رغم أنه كان قد ضمن الوصول إلى المربع الذهبي وأصبح قريبًا من المنافسة على إحدى الميداليات العالمية.
وقال اللاعب العراقي إنه اتخذ قرار الانسحاب «فورًا وبشكل حاسم ودون أي تردد»، معتبرًا أن المبادئ الوطنية والإنسانية تتقدم على أي إنجاز رياضي أو تتويج شخصي. وأضاف أن الخطوة جاءت بالتشاور مع مدربه لتكون رسالة تضامن مع الشعب الفلسطيني ورفضًا للاعتراف بالاحتلال.
موقف عراقي داخل ساحة إماراتية مطبّعة
تكتسب الواقعة دلالة إضافية بسبب مكان إقامة البطولة نفسها.
فأبوظبي تستضيف بطولة العالم للفنون القتالية المختلطة للناشئين للعام الخامس على التوالي، تحت رعاية خالد بن محمد بن زايد، وبمشاركة أكثر من 1100 لاعب ولاعبة من 55 دولة، خلال الفترة من 17 إلى 23 أغسطس/آب 2026 في «مبادلة أرينا».
وبعد تطبيع الإمارات علاقاتها مع الاحتلال، أصبحت استضافة الرياضيين الإسرائيليين في البطولات المقامة على أراضيها جزءًا من المشهد الرياضي الطبيعي الذي تسعى أبوظبي إلى تكريسه.
لكن انسحاب العبيدي أعاد التذكير بالفارق بين تطبيع الحكومات وتطبيع الشعوب والرياضيين.
ففي الوقت الذي تفتح فيه الإمارات ملاعبها أمام ممثلي الاحتلال، يختار لاعب عربي التضحية بفرصة التتويج بدل التعامل مع المنافس الإسرائيلي وكأن القضية مجرد مباراة رياضية عادية.
الرياضة أداة لتطبيع الاحتلال
لا يقتصر التطبيع الرياضي على خوض مباراة أو الوقوف على منصة واحدة.
فالاعتراف بالرياضي الإسرائيلي بوصفه ممثلًا طبيعيًا لدولة الاحتلال يمنح إسرائيل أحد أشكال الشرعية التي تسعى إليها داخل المجتمعات العربية.
ولهذا تحظى الانسحابات العربية بأهمية رمزية كبيرة؛ فهي تعطل محاولة فصل الرياضة عن واقع الاحتلال، وتعيد القضية الفلسطينية إلى قلب المنافسة حتى عندما يحاول المنظمون تقديم الحدث باعتباره بعيدًا عن السياسة.
وفي الحالة الإماراتية، تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: الدولة المضيفة تحتفي بالمشاركة الدولية الواسعة وبصورتها بوصفها مركزًا عالميًا للرياضة، بينما يؤدي فتح أبوابها أمام ممثلي الاحتلال إلى جعل هذه البطولات أيضًا ساحة جديدة لاختبار الموقف من التطبيع.
العراق يتمسك بموقفه
لا يمثل موقف العبيدي حالة فردية في الرياضة العراقية.
فقد شهدت السنوات الماضية انسحابات متكررة لرياضيين عراقيين رفضوا مواجهة منافسين إسرائيليين، من بينهم لاعب المواي تاي علي الكناني، كما انسحب السباح البارالمبي محمد علاء عاشور من سباق عالمي في 2024 للسبب نفسه.
وتعكس هذه المواقف استمرار رفض التطبيع الرياضي داخل العراق، حيث لا يزال التعامل مع ممثلي الاحتلال يُنظر إليه لدى قطاع واسع من الرياضيين والجمهور باعتباره تجاوزًا للقضية الفلسطينية، لا مجرد تنافس رياضي.
الميدالية تسقط أمام الموقف
كان بإمكان العبيدي مواصلة البطولة وربما العودة إلى العراق بميدالية عالمية.
لكنه اختار الانسحاب.
وهنا تكمن قوة الواقعة سياسيًا ورمزيًا: الاحتلال يحصل على مساحات متزايدة للحضور داخل الفعاليات العربية بفضل الاتفاقات الرسمية، لكن ذلك لا يعني أن وجوده أصبح مقبولًا شعبيًا.
فالرياضي العراقي حوّل مباراة كان يفترض أن تكون محطة في طريق التتويج إلى موقف سياسي واضح: لا اعتراف ولا تطبيع، حتى لو كان الثمن ميدالية عالمية.
وبينما تعمل الإمارات على تحويل مشاركة الإسرائيليين في بطولاتها إلى مشهد اعتيادي، جاء انسحاب ضاري العبيدي ليؤكد أن الطريق بين فتح أبواب الملاعب وفتح أبواب القبول الشعبي ما يزال طويلًا.
فقد تستطيع الحكومات دعوة الإسرائيليين وتنظيم البطولات معهم، لكن لاعبًا واحدًا يستطيع، بانسحابه، أن يكسر الصورة التي يريد التطبيع صناعتها: أن الاحتلال أصبح مجرد منافس آخر في الملعب.







