نيران على الحدود.. الاحتلال يشعل القنيطرة ويؤسس لمرحلة جديدة من التهام الأراضي السورية

في تصعيد خطير يعكس نهجاً استيطانياً توسعياً داخل الأراضي السورية، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الجمعة، على إشعال حريق متعمد في عشرات الدونمات من الأراضي الزراعية قرب السياج الفاصل مع الجولان المحتل، وتحديدًا غرب بلدة الرفيد في ريف محافظة القنيطرة جنوب غرب سوريا.
ورغم أن المشهد قد يبدو مجرد حريق حدودي، فإن التحليل الأوسع يكشف أنه جزء من خطة منهجية إسرائيلية لتحويل المنطقة العازلة إلى منطقة أمنية إسرائيلية فعلية، تمهيدًا لتغيير واقعها القانوني والديموغرافي على الأرض.
ما الذي حدث؟
بحسب ما نقلته قناة “الإخبارية السورية”، فإن الحريق اندلع في الأراضي الواقعة على تخوم بلدة الرفيد، بينما عجزت قوات الأمم المتحدة المنتشرة في المنطقة عن السيطرة عليه بسبب محدودية إمكانياتها واعتمادها على وسائل بدائية في الإطفاء.
لم توضح القناة ما إذا كان الحريق قد طال أراضٍ مأهولة أو منشآت مدنية، لكن مصادر محلية أكدت أن النيران أتت على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي الحيوية، ما يعمّق أزمة السكان المحليين الذين يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي كمصدر رزق أساسي.
الحريق.. مجرد عرض لخطة أوسع؟
يتجاوز الحريق بُعده البيئي أو الإنساني، ليكشف عن استراتيجية إسرائيلية تصعيدية بدأت منذ إسقاط نظام بشار الأسد نهاية 2024، وصعود إدارة سورية جديدة إلى الحكم.
في هذا السياق، صرّح نائب محافظ القنيطرة محمد السعيد لوكالة الأناضول أن الاحتلال أقام أكثر من 8 قواعد عسكرية شمال المحافظة، تمتد حتى حوض اليرموك، وذلك داخل المنطقة العازلة التي نصّ عليها اتفاق فصل القوات عام 1974 بين سوريا وإسرائيل.
هذه القواعد، التي شُيّدت عقب الفراغ السياسي والعسكري في جنوب سوريا، تمثل خرقًا مباشرًا للاتفاق الدولي، وتهدف بحسب مراقبين إلى:
- فرض أمر واقع عسكري جديد
- تطويق أي وجود سيادي سوري
- تأمين عمق استراتيجي محصن في الجولان
نتائج خطيرة على السكان المحليين
وفق تصريحات نائب المحافظ، فإن إنشاء القواعد الإسرائيلية أدى إلى إغلاق نحو 6 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية والمراعي، مما حرم مئات العائلات من مصدر رزقها، وفتح الباب أمام كارثة معيشية صامتة.
ولم تعد هذه الانتهاكات مجرد تحركات أمنية، بل أصبحت تمس الحياة اليومية للأهالي، وتقوّض فرص إعادة الإعمار والعودة إلى الحياة الطبيعية بعد سنوات من الحرب.
أين الأمم المتحدة؟ وأين الضمانات الدولية؟
تتولى قوات الأمم المتحدة (أندوف) مسؤولية مراقبة تطبيق اتفاق 1974، لكنها تكتفي بالمراقبة الصامتة، عاجزة عن ردع الخروقات الإسرائيلية، التي تحوّلت من مجرد طائرات مسيّرة وقصف متقطع، إلى حريق متعمّد وتوسع عسكري دائم.
والأخطر أن تل أبيب تتعامل مع هذه المنطقة على أنها ساحة خلفية لصراعها مع إيران أو الفصائل الموالية لها، متجاهلة التبعات المدمرة على السكان والبيئة، وخرقها الواضح للقانون الدولي.
هل تتحول القنيطرة إلى جبهة صامتة للضم؟
يشير سلوك الاحتلال الأخير إلى محاولة تكرار سيناريو الضم الزاحف الذي حدث في الضفة الغربية والقدس، ولكن هذه المرة بهدوء أكثر، مستغلًا:
- هشاشة الدولة السورية
- انشغال النظام الجديد بإعادة ترتيب الداخل
- غياب أي ردع دولي حقيقي
الحريق قد يكون تمهيدًا لإبعاد المزارعين قسرًا، وتحويل المساحات المحترقة إلى “مناطق أمنية” بحجج واهية، ومن ثم دمجها تدريجيًا في مشروع السيطرة الكاملة على الجولان، الذي أعلن الاحتلال ضمه رسميًا عام 1981، دون أي اعتراف دولي.
ما يحدث في القنيطرة ليس حريقًا عابرًا
بل هو جمر سياسي تحت الرماد، يكشف أن الاحتلال لا يزال متمسكًا بعقيدته التوسعية، ويعتبر الفراغات الجغرافية فرصًا استراتيجية للسيطرة والتوسع.
ومع غياب الضغط الدولي الحقيقي، وخفوت الصوت العربي تجاه الجبهة السورية، فإن القنيطرة مهددة بأن تصبح الضحية التالية لمخططات التهام الأرض وتغيير الهوية.






