الإمارات تنقل التطبيع مع الاحتلال إلى تعاون استخباراتي معلن

دخل التحالف الإماراتي الإسرائيلي مرحلة جديدة أكثر وضوحًا، بعدما تحدث السفير الإسرائيلي لدى أبوظبي، يوسي شيلي، علنًا عن تعاون أمني واستخباراتي متقدم بين الجانبين، مؤكدًا استعداد الاحتلال لتزويد الإمارات بالمعلومات والقدرات التي تحتاج إليها.

وتفتح تصريحات شيلي الباب أمام إعادة قراءة طبيعة العلاقات بين أبوظبي وتل أبيب، التي لم تعد محصورة في التمثيل الدبلوماسي والاستثمار والتجارة، بل باتت تشمل تبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي والتعاون في مواجهة التهديدات الإقليمية.

اعتراف إسرائيلي بالتعاون الأمني

قال شيلي إن العلاقات بين الاحتلال والإمارات وصلت إلى مستوى غير مسبوق، معتبرًا أن الحرب الأخيرة مع إيران والهجمات التي تعرضت لها دول الخليج قرّبت الجانبين بدلًا من إضعاف علاقتهما.

وأشار إلى أن مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة تفرض جهودًا دفاعية مشتركة، وأن هذا التعاون يجري بالفعل بين أبوظبي وتل أبيب. كما تحدث عن وجود مصالح أمنية مشتركة وعن فاعلية العمل المشترك خلال المواجهات الإقليمية.

وتكشف هذه التصريحات أن الجانب الإسرائيلي لم يعد يرى ضرورة لإخفاء طبيعة التعاون، بل بات يقدم الإمارات بوصفها شريكًا أمنيًا متقدمًا في الخليج.

من التطبيع السياسي إلى غرف العمليات

عند توقيع «اتفاقيات أبراهام» عام 2020، روجت الإمارات لعلاقاتها مع الاحتلال باعتبارها مسارًا للسلام والتعاون الاقتصادي.

لكن ما ظهر لاحقًا يؤكد أن البعد الأمني كان جزءًا أساسيًا من العلاقة منذ بدايتها، وأن الاتفاق الرسمي وفر غطاءً لتوسيع اتصالات سبقت التطبيع بسنوات بين أجهزة الأمن وشركات السلاح والتكنولوجيا الإسرائيلية والإماراتية.

وبعد الانتقال من السر إلى العلن، اتسع التعاون ليشمل أنظمة الدفاع الجوي والأمن السيبراني والمراقبة وتبادل المعلومات حول إيران واليمن والبحر الأحمر.

وهكذا تحولت «اتفاقيات السلام» إلى بنية أمنية تمكّن الاحتلال من المشاركة في رسم سياسات الخليج الدفاعية والاستخباراتية.

وفود أمنية وزيارات سرية

تحدثت تقارير إسرائيلية خلال الحرب على إيران عن زيارة وفد أمني إماراتي إلى إسرائيل على متن طائرة مخصصة لكبار الشخصيات.

كما أفادت تقارير أخرى بزيارات لمسؤولين أمنيين إسرائيليين إلى أبوظبي، بينهم رئيس جهاز الشاباك ومديرون ومسؤولون في وزارة الأمن، إلى جانب اتصالات مرتبطة بتبادل المعلومات والتنسيق بشأن إيران.

ورغم أن الإمارات نفت بعض الروايات الإسرائيلية المتعلقة بزيارة نتنياهو أو استقبال وفود عسكرية، فإنها أكدت أن علاقتها بتل أبيب معلنة بموجب الاتفاق الإبراهيمي وليست سرية.

ولا ينفي الخلاف حول تفاصيل الزيارات وجود العلاقة الأمنية، بل يكشف اختلافًا بشأن حدود الإعلان عنها وتوقيت كشفها أمام الرأي العام.

تل أبيب تعرض المعلومات والقدرات

نقلت تغطيات إعلامية عن السفير الإسرائيلي تأكيده أن بلاده مستعدة لتلبية احتياجات الإمارات، سواء تعلق الأمر بالمعلومات أو بالقدرات الخاصة.

ويمثل هذا الخطاب تحولًا مهمًا، لأن إسرائيل لا تقدم نفسها شريكًا اقتصاديًا فحسب، بل مصدرًا للمعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا الأمنية والحماية العسكرية.

وبذلك يصبح الاحتلال حاضرًا داخل الحسابات الأمنية الإماراتية، وتتحول أبوظبي إلى نقطة ارتكاز إسرائيلية في الخليج.

إيران بوابة التحالف

يشكل الملف الإيراني المبرر الأبرز للتعاون بين الإمارات والاحتلال.

فكلا الطرفين ينظر إلى قدرات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة ونفوذها الإقليمي باعتبارها تهديدًا يتطلب تنسيقًا أمنيًا وعسكريًا.

وقد أكد السفير الإسرائيلي أن الهجمات الإيرانية قربت الإمارات وإسرائيل وأظهرت حاجتهما إلى دفاع مشترك، معتبرًا أن إيران حققت عكس ما أرادته؛ إذ عززت بدلًا من ذلك التحالف بين تل أبيب ودول الخليج.

لكن هذا التبرير يثير سؤالًا جوهريًا: هل تحمي الشراكة الإمارات، أم تجعل أراضيها جزءًا من المواجهة الإسرائيلية الإيرانية؟

فكلما توسع الوجود الأمني الإسرائيلي، ازدادت احتمالات اعتبار الإمارات قاعدة أو طرفًا في الصراع.

دفاع جوي إسرائيلي في الإمارات

تحدث السفير الأمريكي لدى الاحتلال مايك هاكابي عن إرسال إسرائيل منظومات دفاع جوي إلى الإمارات للمساعدة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وعندما سُئل السفير الإسرائيلي عن هذه التصريحات، تجنب تأكيد التفاصيل، لكنه أقر بوجود تعاون استراتيجي وثيق وفاعل خلال الحرب.

كما تحدثت تقارير سابقة عن حصول الإمارات على منظومات إسرائيلية، من بينها أنظمة «باراك» و«سبايدر»، ضمن مسار بناء دفاع جوي متعدد الطبقات.

وهذا يعني أن أمن الأجواء الإماراتية بات مرتبطًا بصورة متزايدة بأنظمة الاحتلال وخبراته وتقنياته.

أبوظبي بوابة استخباراتية لإسرائيل

لا يقتصر التعاون على حماية المجال الجوي الإماراتي، بل يمنح إسرائيل فرصة لتوسيع انتشارها الاستخباراتي في الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.

وتحدثت تقارير عن تعاون إماراتي إسرائيلي في مناطق مثل اليمن وبونتلاند، شمل تشغيل رادارات وتبادل معلومات ومراقبة الصواريخ والطائرات المسيّرة القادمة من السواحل اليمنية.

وتوفر شبكة النفوذ الإماراتية في الموانئ والجزر والمناطق الساحلية مساحة لإسرائيل لمراقبة مساحات واسعة لا تستطيع الوصول إليها منفردة.

وبذلك لا تستفيد تل أبيب من العلاقة داخل الإمارات فقط، بل من الامتداد الإقليمي الذي بنته أبوظبي خلال السنوات الماضية.

تعاون في اليمن والبحر الأحمر

أشارت تقارير إلى أن الإمارات زودت إسرائيل بمعلومات مرتبطة بتحركات الحوثيين ومسارات قياداتهم، وأن التعاون تجاوز تبادل البيانات إلى بناء صورة ميدانية تساعد على التخطيط للعمليات.

وإذا صحت هذه التفاصيل، فإنها تعني أن أبوظبي لم تعد مجرد دولة مطبّعة، بل شريكًا في العمليات الإسرائيلية ضد أطراف عربية وإقليمية.

كما تثير تساؤلات عن استخدام البنية العسكرية الإماراتية وقواعدها الخارجية لخدمة المصالح الأمنية للاحتلال.

اتفاقيات أبراهام غطاء أمني

قدمت اتفاقيات أبراهام إلى الشعوب العربية على أنها اتفاقيات سلام وتسامح وتعاون.

لكن المسار الذي تكشفه تصريحات المسؤولين الإسرائيليين يوضح أن أهم نتائجها العملية كانت دمج الاحتلال في المنظومة الأمنية الخليجية.

فالاتفاق منح إسرائيل شرعية رسمية، وسهّل انتقال الضباط والخبراء والتكنولوجيا والمعلومات، وفتح لها أبوابًا كانت تعمل خلفها سرًا.

ومن هنا، لم تكن التجارة والسياحة سوى الواجهة الأكثر قبولًا إعلاميًا، بينما تشكل الشراكة الأمنية والاستخباراتية جوهر العلاقة.

فلسطين غائبة عن التحالف

في الوقت الذي يتوسع فيه التعاون الإماراتي الإسرائيلي، يواصل الاحتلال حربه واعتداءاته على الفلسطينيين.

لكن هذه الجرائم لم تدفع أبوظبي إلى تعليق شراكاتها الأمنية، ولم تمنع تل أبيب من إعلان وصول العلاقات إلى ذروة جديدة.

وهذا يكشف أن القضية الفلسطينية لم تعد عاملًا حاكمًا في القرار الإماراتي، وأن العلاقة مع إسرائيل باتت مبنية على المصالح الأمنية بصرف النظر عن سياسات الاحتلال.

فالإمارات تقدم للاحتلال شرعية عربية ومجالًا إقليميًا ومصالح مشتركة، بينما لم تحصل فلسطين على وقف للاستيطان أو الحصار أو الحرب.

الاحتلال شريك في حماية النظام

لا تخدم التكنولوجيا الإسرائيلية الأمن الخارجي فقط، بل يمكن أن تستخدم أيضًا في المراقبة الداخلية وتعقب المعارضين والناشطين.

وسبق أن ارتبط اسم الإمارات باستخدام أدوات تجسس إسرائيلية، من أبرزها برنامج «بيغاسوس»، ضد شخصيات وناشطين وصحفيين. كما قدمت تقارير هذا النوع من التكنولوجيا باعتباره عنصرًا أساسيًا في نموذج التعاون الأمني الذي تسعى أبوظبي إلى تصديره إلى دول أخرى.

وهنا يظهر جانب آخر من التحالف: إسرائيل لا توفر السلاح والدفاع الجوي فقط، بل تقدم أدوات مراقبة تساعد الأنظمة على تعزيز السيطرة الداخلية.

لماذا تكشف إسرائيل العلاقة؟

تحرص تل أبيب على إعلان التعاون مع الإمارات لأنها تستفيد منه سياسيًا واستراتيجيًا.

فإظهار دولة خليجية شريكًا استخباراتيًا للاحتلال يمنح إسرائيل صورة الطرف المقبول والمندمج في المنطقة، ويضعف خطاب العزلة والمقاطعة.

كما تستخدم إسرائيل العلاقة الإماراتية لتشجيع دول عربية أخرى على السير في المسار نفسه، خصوصًا السعودية.

أما الإمارات، فتبدو أكثر حذرًا في الإعلان عن بعض التفاصيل بسبب حساسية الرأي العام العربي ومخاطر التورط في المواجهات الإسرائيلية.

ومن هنا تتكرر ظاهرة إعلان تل أبيب لزيارات أو عمليات، ثم إصدار أبوظبي نفيًا أو صياغة أكثر تحفظًا.

التحالف يحول الإمارات إلى هدف

يقدم المسؤولون الإسرائيليون التعاون بوصفه مصدر حماية للإمارات، لكن هناك وجهًا مقابلًا لا يمكن تجاهله.

فكلما أصبحت أبوظبي جزءًا من شبكة الدفاع والاستخبارات الإسرائيلية، ازدادت احتمالات تعرضها للاستهداف من خصوم إسرائيل.

والهجمات الإيرانية التي استند إليها السفير لتبرير الشراكة قد تكون في الوقت نفسه دليلًا على المخاطر التي تنتج عن الاصطفاف العلني مع تل أبيب.

فإسرائيل تستطيع استخدام الأراضي والمعلومات الإماراتية لتعزيز أمنها، بينما تتحمل الإمارات تداعيات المواجهة فوق أراضيها ومنشآتها الاقتصادية.

تطبيع يتجاوز العلاقات الثنائية

الأخطر في التعاون الاستخباراتي أنه لا يبقى محصورًا بين دولتين، بل يؤثر في ملفات عربية عديدة.

فوجود إسرائيل داخل شبكات أبوظبي الأمنية يمنحها القدرة على الوصول إلى معلومات ومناطق ومسارات تمتد من الخليج إلى اليمن والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

كما يسمح لها بالتأثير في أزمات المنطقة وتحديد خصومها واستهدافهم باستخدام نفوذ حليف عربي.

وبذلك يصبح التطبيع الإماراتي مدخلًا لتوسيع الحضور الإسرائيلي في العالم العربي، وليس مجرد علاقة دبلوماسية بين أبوظبي وتل أبيب.

من السرية إلى الاعتراف

تكشف تصريحات يوسي شيلي أن ما بدأ لسنوات كعلاقات أمنية سرية أصبح اليوم تعاونًا تعترف به إسرائيل وتفتخر به.

فالتطبيع أزال الحواجز السياسية والقانونية، وحول الاتصالات المحدودة إلى تحالف يمتلك بنية دفاعية واستخباراتية ومصالح مشتركة.

كما نقل الاحتلال من موقع العدو المفترض للمنطقة إلى موقع الشريك الذي يقدم المعلومات والحماية والتكنولوجيا.

وبينما يواصل الاحتلال حروبه وجرائمه، تمنحه الإمارات موطئ قدم استخباراتيًا في الخليج وشبكة نفوذ تتجاوز حدودها.

وهكذا انتقلت اتفاقيات أبراهام من فتح السفارات إلى فتح غرف العمليات، ومن التطبيع السياسي إلى تحالف أمني يجعل الإمارات بوابة إسرائيل للتجسس والانتشار داخل المنطقة العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى