حملات عربية لمقاطعة «سبايدرمان» ترفض التطبيع الثقافي مع الاحتلال

تصاعدت في لبنان والأردن دعوات لمقاطعة أحدث أفلام سلسلة «سبايدرمان»، بعد الكشف عن مشاركة منتج هوليوودي بارز يُتهم بدعم الاحتلال الإسرائيلي وجيشه، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل حول استخدام الإنتاج الفني والثقافي بوصفه أداة لتبييض صورة الاحتلال والتطبيع معه.

وأطلقت جهات وحملات شعبية في البلدين دعوات لمنع عرض الفيلم وعدم الترويج له، معتبرة أن شراء التذاكر أو المشاركة في إنجاح العمل يمنح دعمًا ماليًا ومعنويًا لشخصيات مرتبطة بدعم إسرائيل، في وقت يواصل فيه الاحتلال حربه على الفلسطينيين.

وتأتي هذه الحملة ضمن تصاعد أوسع لحركات المقاطعة الثقافية في المنطقة العربية، التي ترى أن الفن ليس معزولًا عن السياسة عندما يتحول إلى منصة تمنح الشرعية أو الأرباح لشخصيات تدعم الاحتلال.

لماذا يواجه الفيلم دعوات للمقاطعة؟

استندت حملات المقاطعة إلى مشاركة المنتج الإسرائيلي الأمريكي آفي أراد في إنتاج الفيلم، وهو أحد أبرز الأسماء في صناعة أفلام الأبطال الخارقين داخل هوليوود.

ويقول ناشطون إن أراد سبق أن أعلن دعمه لإسرائيل، وارتبط اسمه بمواقف مؤيدة للاحتلال، وهو ما دفعهم إلى اعتبار مشاركته سببًا كافيًا لمقاطعة العمل وعدم المساهمة في تحقيق إيرادات إضافية له.

ومن هذا المنطلق، لم تعد القضية مرتبطة بمحتوى الفيلم نفسه، بل بالشخصيات التي تقف خلف إنتاجه وبالرسائل السياسية التي يرون أنها ترتبط به.

المقاطعة الثقافية تتسع

لا تُعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها حملات المقاطعة أعمالًا فنية عالمية.

فخلال السنوات الأخيرة، توسعت الدعوات العربية والدولية لمقاطعة أفلام وحفلات وشركات إنتاج وفنانين اتُّهموا بدعم الاحتلال أو المشاركة في فعاليات إسرائيلية، انطلاقًا من مبدأ أن المقاطعة الاقتصادية والثقافية تمثل وسيلة ضغط مدنية لا عنفية.

وترى هذه الحملات أن الاحتلال لا يعتمد فقط على الدعم العسكري والسياسي، بل يستفيد أيضًا من صورته داخل قطاع الترفيه والثقافة، وهو ما يجعل هذا القطاع جزءًا من ساحة الصراع.

لبنان والأردن في مقدمة الحراك

جاءت الدعوات الجديدة من ناشطين وهيئات في لبنان والأردن، وهما دولتان ترتبطان باتفاقات أو ترتيبات سياسية مع إسرائيل، لكنهما يشهدان في الوقت نفسه رفضًا شعبيًا واسعًا لأي شكل من أشكال التطبيع.

وأكد منظمو الحملات أن المقاطعة تستهدف منع تحويل دور السينما إلى مصدر دخل لشخصيات تدعم الاحتلال، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة وما رافقها من اتهامات دولية بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.

ويرى هؤلاء أن الموقف الأخلاقي يقتضي عدم الفصل بين الترفيه والواقع السياسي عندما تكون الأرباح متجهة إلى شخصيات تُتهم بمساندة الاحتلال.

هل تؤثر المقاطعة؟

قد لا تؤدي حملة واحدة إلى إيقاف إنتاج فيلم عالمي، لكن دعاة المقاطعة يؤكدون أن تراكم الضغوط الشعبية يفرض كلفة معنوية واقتصادية على الشركات والمنتجين.

وقد دفعت حملات مشابهة في السابق شركات ومؤسسات فنية إلى مراجعة بعض مواقفها أو إلغاء مشاركات في فعاليات مرتبطة بإسرائيل، خشية الخسائر أو الضرر الذي قد يلحق بسمعتها.

ومن هنا، ينظر ناشطو المقاطعة إلى كل حملة باعتبارها جزءًا من مسار طويل يهدف إلى زيادة كلفة التطبيع الثقافي مع الاحتلال.

التطبيع لا يقتصر على السياسة

تكشف هذه القضية أن التطبيع لم يعد يقتصر على الاتفاقيات الدبلوماسية أو التعاون الاقتصادي، بل امتد إلى المجال الثقافي والفني.

فالأفلام والمنصات العالمية والفعاليات الفنية أصبحت، في نظر حملات المقاطعة، ساحات جديدة للصراع حول الرواية والشرعية والصورة العامة.

ولهذا، يرفض ناشطون التعامل مع الإنتاج الثقافي بوصفه منفصلًا عن مواقف القائمين عليه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بشخصيات تعلن تأييدها للاحتلال أو ترتبط بمؤسساته.

معركة على الوعي

يرى مؤيدو المقاطعة أن أخطر ما في التطبيع الثقافي أنه يساهم في تحويل الاحتلال إلى طرف طبيعي داخل المشهد الفني العالمي، ويخفف من أثر الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين عبر استمرار التعاون معه وكأن شيئًا لم يحدث.

ومن هذا المنطلق، تصبح المقاطعة بالنسبة إليهم وسيلة للدفاع عن الرواية الفلسطينية، ورسالة بأن الجرائم والانتهاكات لا ينبغي أن تمر من دون تبعات، حتى في قطاع السينما والترفيه.

ويؤكد منظمو الحملات أن هدفهم ليس محاربة الفن، بل رفض استخدامه كجسر يمنح الشرعية أو الأرباح لمن يدعم الاحتلال.

وبينما يرى البعض أن الفن يجب أن يبقى بعيدًا عن السياسة، يرد دعاة المقاطعة بأن الاحتلال نفسه حوّل الثقافة إلى أداة للقوة الناعمة، وأن مقاومة التطبيع الثقافي لا تقل أهمية عن مقاومة التطبيع السياسي أو الاقتصادي، لأنها تستهدف منع دمج الاحتلال في الوعي العربي والعالمي بوصفه كيانًا طبيعيًا، في وقت لا يزال يواصل احتلال الأرض الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى