المغرب يكرّم ترامب على صفقة التطبيع مع الاحتلال

أطلق المغرب اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة، في خطوة تحمل دلالة سياسية تتجاوز حدود التكريم البروتوكولي، إذ تأتي عرفانًا بالقرار الذي اتخذه ترامب عام 2020 بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ضمن صفقة اقترنت باستئناف الرباط علاقاتها الرسمية مع الاحتلال الإسرائيلي.

وأفادت وكالة الأنباء المغربية الرسمية بأن الطريق أصبح يحمل اسم «الطريق السريع دونالد ج. ترامب»، بعدما أبلغ الملك محمد السادس الرئيس الأمريكي بالقرار في رسالة مؤرخة في الثاني من يوليو/تموز 2026. ويمتد الطريق لمسافة 1055 كيلومترًا بين تزنيت والداخلة، وتقدمه الرباط بوصفه إحدى أكبر مشروعات البنية التحتية في القارة الأفريقية.

تكريم لقرار جاء مقابل التطبيع

قال الملك محمد السادس في رسالته إن اعتراف ترامب عام 2020 بسيادة المغرب على الصحراء سيظل «منقوشًا في ذاكرة المغاربة»، وإن تسمية الطريق تأتي تقديرًا لهذا القرار ولما وصفه بقيم الصداقة والسلام.

لكن الاعتراف الأمريكي لم يكن خطوة منفصلة عن مسار التطبيع، إذ جاء ضمن اتفاق ثلاثي أعلنت بموجبه الرباط استئناف العلاقات الرسمية مع الاحتلال، بينما اعترفت واشنطن بالموقف المغربي من الصحراء الغربية. وقد وثق الإعلان الثلاثي استئناف الاتصالات الرسمية بين المغرب وإسرائيل، وتوسيع التعاون الاقتصادي وفتح قنوات دبلوماسية مباشرة بينهما.

ومن ثم، فإن الطريق لا يكرّم ترامب بسبب موقف عابر، بل يخلد صفقة سياسية كان التطبيع مع الاحتلال أحد أثمانها الأساسية.

الصحراء مقابل إسرائيل

مثّل اتفاق ديسمبر/كانون الأول 2020 نموذجًا واضحًا لاستخدام القضايا السيادية للدول العربية أداةً لدفعها إلى التطبيع.

ففي مقابل تغيير واشنطن سياستها التاريخية تجاه الصحراء الغربية والاعتراف بالسيادة المغربية عليها، وافقت الرباط على إعادة العلاقات مع إسرائيل، وفتح الأجواء أمام الرحلات، واستئناف الاتصالات الرسمية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني.

وبذلك تحولت القضية الفلسطينية إلى جزء من مساومة لا يكون الفلسطينيون طرفًا فيها، فيما حصل الاحتلال على اعتراف وعلاقات عربية جديدة من دون أن يقدم أي تنازل يتعلق بإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان.

أما المغرب، فحصل على دعم أمريكي في ملف الصحراء، ثم عمل على تثبيت هذا المكسب سياسيًا ورمزيًا، وصولًا إلى إطلاق اسم ترامب على أحد أكبر طرق المملكة.

الطريق شاهد على ثمن التطبيع

يمر الطريق السريع عبر مناطق في الصحراء الغربية المتنازع عليها، ويربط جنوب المغرب بمدينة الداخلة، التي تحولت إلى محور رئيسي للمشروعات الاقتصادية واللوجستية المغربية.

ولهذا، فإن اختيار الطريق نفسه لحمل اسم ترامب ليس عشوائيًا، بل يرتبط مباشرة بالقرار الذي اتخذه بشأن الإقليم.

فالطريق يصبح بذلك رمزًا ماديًا لصفقة التطبيع: بنية تحتية تحمل اسم الرجل الذي منح الرباط الاعتراف مقابل فتح الباب أمام الاحتلال.

ولا يقتصر الأمر على لوحة تحمل اسم رئيس أمريكي، بل يمثل محاولة لترسيخ الاتفاق داخل الذاكرة الوطنية المغربية بوصفه إنجازًا تاريخيًا، مع تهميش الثمن السياسي والأخلاقي الذي دُفع في المقابل.

الاحتلال المستفيد الدائم

حصلت إسرائيل من الصفقة على إعادة العلاقات الرسمية مع المغرب، وفتح قنوات سياسية وتجارية وسياحية وأمنية جديدة، إضافة إلى شرعية عربية أخرى ضمن «اتفاقيات أبراهام».

وفي السنوات التالية، توسعت العلاقات المغربية الإسرائيلية لتشمل التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي، ولم تعد محصورة في مكاتب الاتصال أو الرحلات الجوية.

أما القضية الفلسطينية، التي أكدت الرباط استمرار دعمها لها، فلم تحقق أي مكسب ملموس مقابل الاتفاق. فلم يتوقف الاستيطان، ولم ينتهِ الاحتلال، ولم تتراجع إسرائيل عن سياساتها في القدس والضفة الغربية وغزة.

وهكذا تكرر النموذج نفسه الذي ظهر في اتفاقيات التطبيع الأخرى: تحصل إسرائيل على المكاسب الفورية والدائمة، بينما تُترك الحقوق الفلسطينية لبيانات عامة ووعود لا تلزم الاحتلال بشيء.

ترامب يحصد ثمن الصفقة

يستفيد ترامب من التسمية سياسيًا وشخصيًا، إذ يقدمها دليلًا على أن قراره عام 2020 ما زال يحظى بالتقدير داخل المغرب.

كما يستخدمها لتأكيد نجاح سياسته التي قامت على تقديم امتيازات أمريكية لدول عربية مقابل إدخالها في اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل.

فقد حصلت الإمارات على امتيازات سياسية وعسكرية، وحصل المغرب على الاعتراف الأمريكي في ملف الصحراء، بينما حصل الاحتلال على علاقات عربية متزايدة من دون أن يدفع ثمن السلام الحقيقي.

ويمثل الطريق استمرارًا لهذا المنطق: تكريم للوسيط الأمريكي، وتثبيت للمكسب المغربي، واحتفاء ضمني بالصفقة التي منحت إسرائيل اختراقًا جديدًا في المغرب العربي.

تحويل التطبيع إلى إنجاز وطني

تحاول الرواية الرسمية تقديم تسمية الطريق بوصفها تعبيرًا عن الصداقة بين المغرب والولايات المتحدة، بعيدًا عن الجدل المرتبط بإسرائيل.

لكن الفصل بين الأمرين غير ممكن؛ لأن قرار ترامب الذي يجري تكريمه كان جزءًا معلنًا من اتفاق التطبيع الثلاثي.

وبذلك يجري دمج التطبيع داخل سردية الإنجاز الوطني المغربي، لا بوصفه تنازلًا سياسيًا، بل بوصفه الوسيلة التي ساعدت الرباط على انتزاع الاعتراف الأمريكي بموقفها من الصحراء.

وهنا تكمن خطورة النموذج: حين تتحول العلاقات مع الاحتلال إلى أداة لتحقيق مكاسب وطنية منفصلة، يصبح من السهل تجاوز فلسطين وتصوير التطبيع باعتباره خيارًا براغماتيًا ناجحًا.

فلسطين غائبة عن مشهد التكريم

في الرسائل الرسمية والاحتفال بالطريق، يظهر ترامب بوصفه صديقًا للمغرب، ويظهر الاعتراف الأمريكي بوصفه فضلًا تاريخيًا يستحق تخليد الاسم على مشروع يمتد لأكثر من ألف كيلومتر.

لكن يغيب عن المشهد أن هذا «الفضل» ارتبط بإعادة العلاقات مع احتلال لا يزال يسيطر على الأرض الفلسطينية وينتهك حقوق شعبها.

ولا يظهر أي حديث عن الكلفة التي تحملتها القضية الفلسطينية، أو عن الكيفية التي استخدمت بها واشنطن حاجة المغرب إلى الدعم في ملف الصحراء لانتزاع تطبيع يخدم إسرائيل.

وبهذا، يصبح الطريق رمزًا لسياسة تقوم على تبادل المصالح بين واشنطن والرباط وتل أبيب، بينما يبقى الفلسطينيون خارج الصفقة رغم أن الاعتراف بإسرائيل كان أحد بنودها الرئيسية.

التطبيع بوصفه سوقًا للمقايضة

تكشف التجربة المغربية أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع التطبيع باعتباره مصالحة أخلاقية أو مسارًا لتحقيق السلام، بل بوصفه أداة للمقايضة.

فالدول التي توافق على فتح العلاقات مع إسرائيل تحصل على امتيازات أمريكية تختلف بحسب احتياجاتها: اعتراف سياسي، أو سلاح، أو ضمانات أمنية، أو تعاون نووي واقتصادي.

وفي المقابل تحصل إسرائيل على الشرعية والاندماج الإقليمي من دون أن تنهي احتلالها.

وهذا ما يجعل النموذج خطيرًا؛ لأنه يحول الحقوق الفلسطينية إلى ثمن تدفعه الشعوب العربية مقابل مصالح حكوماتها، بدل أن يكون إنهاء الاحتلال شرطًا سابقًا لأي علاقة.

طريق يحمل اسم الصفقة

لا يمكن قراءة «طريق دونالد ترامب» بوصفه مجرد تكريم لرئيس أمريكي.

إنه نصب سياسي لصفقة جمعت ثلاثة أطراف: المغرب الذي أراد الاعتراف بالصحراء، وواشنطن التي أرادت توسيع اتفاقيات أبراهام، والاحتلال الذي حصل على علاقات رسمية جديدة.

وبينما يمتد الطريق من تزنيت إلى الداخلة، يمتد المعنى السياسي من الرباط إلى تل أبيب: التطبيع أصبح جزءًا من ثمن تثبيت المكاسب الوطنية المغربية، وترامب أصبح الرجل الذي يستحق تخليد اسمه لأنه أدار هذه المقايضة.

وهكذا يتحول مشروع بنية تحتية ضخم إلى شاهد على مرحلة لم تعد فيها إسرائيل مطالبة بإنهاء احتلالها كي تحصل على القبول العربي، بل يكفي أن تساعد واشنطن كل دولة على تحصيل مصلحة منفصلة، ثم تحصل تل أبيب في المقابل على الاعتراف والتطبيع.

إن تسمية الطريق باسم ترامب لا تخلد فقط قرار الاعتراف الأمريكي، بل تخلد أيضًا الصفقة التي جرى فيها تقديم التطبيع مع الاحتلال ثمنًا لهذا القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى