نهب تحت الأنقاض: كيف حوّل الاحتلال ركام غزة إلى غنيمة حرب؟

من القتل إلى النبش… الاحتلال يُمعن في إذلال غزة
لم تكتفِ آلة الحرب الإسرائيلية بتدمير أحياء غزة وسحق آلاف الأرواح تحت الأنقاض، بل بدأ فصل جديد من الانتهاكات يتمثل في نهب ركام المنازل المدمرة ونقله إلى الداخل المحتل، تحت ذريعة “إزالة الأنقاض”.
وراء هذا الفعل الظاهري عملية مركّبة تهدف إلى الربح المالي، طمس الجرائم، ومنع الفلسطينيين من إعادة البناء أو حتى دفن ذكرياتهم بكرامة.
أولًا: ركام غزة يتحول إلى مورد اقتصادي للاحتلال
كشفت تقارير فلسطينية وإسرائيلية عن قيام جيش الاحتلال الإسرائيلي بنقل كميات كبيرة من أنقاض المباني المدمرة في غزة باستخدام شاحنات وجرافات ضخمة إلى داخل أراضي 1948، حيث يتم فرز الحديد والإسمنت والحجارة وتدويرها لصالح شركات إسرائيلية عاملة في مجال البناء والمقاولات.
بحسب صحيفة هآرتس، يتقاضى كل مقاول يعمل مع الجيش حوالي 1474 دولارًا عن كل منزل يتم هدمه، ما حوّل الهدم والدمار من مهمة عسكرية إلى فرصة اقتصادية مغرية.
ونقلت الصحيفة عن أحد الجنود قولًا صادمًا:
“التوقف عن هدم البيوت يعدّ خسارة مالية للمقاولين”.
ثانيًا: الأهداف تتجاوز الربح.. إلى طمس الأدلة ومنع الإعمار
وفق مصادر ميدانية، لا يقتصر هدف الاحتلال من إزالة الركام على الأرباح، بل يشمل:
- طمس الأدلة على جرائم الحرب: إزالة الأنقاض يُخفي المعالم التي قد تُستخدم في توثيق الجرائم أو التحقيقات المستقبلية.
- إعاقة إعادة الإعمار: من خلال حرمان السكان من إعادة استخدام الركام كمادة بديلة في البناء المؤقت.
- منع التمركز المقاوم: خاصة في الأحياء التي كانت تستخدمها المقاومة كأماكن للتمويه أو التمركز أو تنفيذ كمائن.
ثالثًا: عملية منظمة لنهب الدمار
تركّزت عمليات نقل الركام في مناطق:
- رفح
- شمال القطاع
- شرق خان يونس
وتظهر صور أقمار صناعية اختفاء كميات ضخمة من الأنقاض في أحياء كاملة، ما يشير إلى تنفيذ خطة إسرائيلية منهجية لإفراغ القطاع من معالم الدمار، ليس حبًا في الترميم، بل لهدف سياسي–عسكري مزدوج:
إخفاء الجريمة، ومنع التعافي الفلسطيني.
رابعًا: سرقة الذاكرة.. ونبش المقابر؟
الأخطر من ذلك، أن عمليات الحفر وصلت إلى بعض المقابر، وسط مخاوف من قيام الاحتلال بمحاولة إخفاء جثامين الشهداء، أو طمس هوياتهم في سياق أوسع لطمس الوجود الفلسطيني في الذاكرة والواقع.
وأشارت تقارير محلية إلى أن هذه العمليات تُنفذ أحيانًا مقابل مكافآت مالية مرتبطة بعدد الأهداف المنجزة، بما فيها هدم البيوت، أو حتى قتل المدنيين عند نقاط توزيع المساعدات، في مشهد تقشعر له الأبدان: الدمار نفسه يتحول إلى عملة تُدفع ثمناً للقتل.
خامسًا: الاحتلال يعيد توظيف الحرب… كصناعة ربحية
في ظل تصاعد التنديد العالمي بجرائم الاحتلال، يبدو أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية اختارت نموذجًا استعماريًا ربحياً:
تدمير غزة ثم الاستفادة من الحطام، سواء كمورد اقتصادي، أو كذريعة لتأخير الإعمار، وإخضاع السكان لمزيد من الضغط والمعاناة.
هذا النموذج يُعيد إلى الأذهان سلوك الجيوش الاستعمارية في الحروب الكولونيالية، حيث كان نهب ما بعد الحرب جزءًا من استراتيجية السيطرة والإذلال.
خاتمة: حين يتحول الركام إلى سلاح
ما يجري في غزة ليس مجرد إزالة أنقاض، بل استمرار للعدوان بوسائل اقتصادية ونفسية.
فالركام الذي يحاول الفلسطينيون التمسك به كذاكرة، وكمادة أولية لإعادة الحياة، يتحول في يد الاحتلال إلى غنيمة مادية، وسلاح ضغط، وأداة لطمس الجرائم.
هذا الفصل الجديد من الحرب لا يُقاس بعدد الصواريخ، بل بعدد الشاحنات التي تنهب أنقاض المنازل وتحملها إلى الداخل، وكأنها تحمل انتصارًا على الكارثة.






