نتائج تطبيعٌ إبراهام.. كيف فتحت الإمارات بوابة البحر الأحمر أمام الاحتلال عبر جزر اليمن؟

لم تعد قصة الجزر اليمنية المحتلة مجرد “تسريبات” أو “تحليلات حذرة”، بل تحوّلت إلى واقع صادم يثبت أن التطبيع الإماراتي لم يكن اتفاقًا سياسيًا عابرًا، بل مشروعًا جيوسياسيًا متكاملًا سلّم واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في العالم إلى الاحتلال الإسرائيلي.
فمنذ أن فتحت أبوظبي أبوابها لتل أبيب عام 2020، كان البحر الأحمر وباب المندب بين أهم المكاسب التي سعى الاحتلال لاقتناصها عبر البوابة الإماراتية.

جزر يمنية تتحول إلى قواعد إسرائيلية بغطاء إماراتي
بدأ المشهد يتشكل منذ 2015 حين وضع التحالف السعودي الإماراتي يده على جزر يمنية لا ترتبط بأي مواجهة مباشرة مع صنعاء. وبعدها بعام واحد، كانت الإمارات قد بدأت بناء مدرج وقاعدة جوية في جزيرة ميون—موقع يُعد واحدًا من أهم مفاتيح الملاحة العالمية.
وفي 2020، انتقل التطبيع إلى مستوى أكثر خطورة: إسرائيل أقامت مراكز مراقبة وتجسس في سقطرى، مربوطة بغواصات ووحدات بحرية متقدمة ترصد كل حركة في خليج عدن والبحر العربي.
ومع مرور الوقت، توسّع النفوذ الإسرائيلي عبر الامتداد الإماراتي:
- عبدالكوري تم تفريغ سكانها عام 2021 لإقامة مدرج جديد.
- ميون جُهّزت ببنية عسكرية متكاملة.
- زقر شهدت عمليات تثبيت عسكري مطلع 2025، على بعد كيلومترات قليلة من السواحل اليمنية.
هذا التمدد ليس توزيع قواعد هنا وهناك، بل سلسلة مترابطة تُشكّل شبكة عسكرية هدفها التحكم الكامل في باب المندب.
إمارات التطبيع وغطاء واشنطن ولندن
تسوق الإمارات وجودها العسكري باعتباره “حماية للملاحة الدولية”، وهي الجملة نفسها التي تكررها واشنطن ولندن وتل أبيب. لكن خلال العامين الماضيين، أثبتت الوقائع أن الأساطيل الأمريكية والبريطانية عجزت عن حماية السفن الإسرائيلية التي أصبحت هدفًا لقوات صنعاء.
هنا تدخلت أبوظبي، باعتبارها “الوكيل البحري” الأكثر استعدادًا لتوفير مظلة عملياتية تسهّل انتشار الاحتلال في البحر الأحمر.
الجديد اليوم أن هذا الحضور لم يعد ثنائيًا (إمارات–إسرائيل)، بل توسع ليشمل تحركات أمريكية وبريطانية مكثفة، ومبادرات سعودية لخلق “مظلة إقليمية” تمنح الوجود الإسرائيلي شرعية شكلية.
إريتريا: الخطر على الأبواب
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان الأكثر صراحة حين وصف التوسع الإماراتي–الإسرائيلي بأنه مشروع لإعادة تشكيل خارطة المنطقة بالقوة.
إريتريا، الدولة التي ترفض إقامة أي قاعدة أجنبية على أراضيها، ترى ما يجري امتدادًا لمخطط أكبر يشمل القرن الأفريقي بالكامل، خاصة مع التحركات الإثيوبية الأخيرة للحصول على منفذ بحري عبر “صوماليلاند”، التي تحولت على يد الإمارات وشريكتها إسرائيل إلى ساحة نفوذ مشتركة.
تحذيرات أفورقي تلخّص ما يراه كثيرون: البحر الأحمر يُعاد رسمه بما يخدم “الهيمنة الإسرائيلية” لا الأمن الإقليمي.
من أبّا إيبان إلى محمد بن زايد: الحلم القديم يتحقق
عام 1966 قال وزير خارجية الاحتلال أبّا إيبان:
“سقوط ميون في يد غير صديقة لإسرائيل يعني كارثة وجودية لنا.”
اليوم تحقّق الحلم التاريخي للاحتلال عبر أبوظبي، التي فتحت له الطريق نحو ميون وسقطرى وزقر وعبدالكوري، دون إطلاق رصاصة واحدة.
وما بين اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي في سبعينيات القرن الماضي وصولًا إلى حصار غزة اليوم، ظل باب المندب محورًا خفيًا لفهم الصراع.
صنعاء تكشف الصورة: الحرب لم تكن لأجل “شرعية”
خطابات السيد عبد الملك الحوثي منذ سنوات أكدت أن الحرب على اليمن حرب مضائق وجزر لا حرب حدود أو شرعية. واليوم تتضح صحة تلك القراءة:
- قواعد إسرائيلية تعمل من داخل الجزر المحتلة.
- مطارات ومراكز تجسس.
- تحالف يقوده محمد بن زايد يمنح الاحتلال موقعًا لا يجرؤ على الوصول إليه منفردًا.
ومع تعطيل قوات صنعاء لميناء “إيلات” المحتل عامين كاملين، أصبح الاحتلال مكشوفًا بحريًا، ما دفعه للبحث عن “سلاح بديل”: الجزر اليمنية.
المعادلة التي يخشاها الجميع
السيطرة على باب المندب ليست شأنًا يمنيًا فقط، بل مسألة مصيرية لمصر والسودان وجيبوتي ودول القرن الأفريقي.
المعادلة أصبحت واضحة:
من يهيمن على الجزر اليمنية يسيطر على باب المندب… ومن يسيطر على باب المندب يتحكم بنصف تجارة العالم.
خاتمة
ما يجري اليوم ليس مجرد “تطبيع سياسي”، بل تسليم استراتيجي لمفاتيح البحر الأحمر لإسرائيل، عبر مشروع تقوده الإمارات ويخدم الأجندة الأمريكية في المنطقة.
الجزر اليمنية تتحول إلى قواعد احتلال، وصنعاء تستعد لجولة صراع جديدة، فيما تكتفي حكومة عدن بدور شاهد الزور.
هذا التطبيع لم يعد اتفاقًا… بل احتلالًا مقنّعًا يُعاد تشكيله فوق جغرافيا اليمن وجغرافيته البحرية.






