عزل استراتيجي وخلافات خليجية: الارتماء الأمني في أحضان إسرائيل يضع الإمارات في مواجهة مباشرة مع محيطها العربي

تواجه دولة الإمارات العربية المتحدة موجة انتقادات سياسية وشعبية متصاعدة، إثر تعميق تحالفها العسكري والاستخباراتي مع الكيان الصهيوني، في مسار متسارع نقل أبوظبي من مرحلة التطبيع السياسي والاقتصادي الهش إلى مستوى غير مسبوق من الارتباط الاستراتيجي العضوي بتل أبيب؛ وكشفت التحولات الإقليمية المتلاحقة لعام 2026 أن القيادة الإماراتية اختارت التمترس خلف الاتفاقيات الأمنية مع إسرائيل كخيار وحيد لحماية عرشها، ضاربة عرض الحائط بالتحذيرات العربية، مما وضع الدولة المعزولة في مواجهة مباشرة وصامتة مع محيطها الخليجي والعربي الذي يرفض الانجرار إلى هذا المحور المشبوه.

ويرى محللون سياسيون أن أبوظبي أنهت فعلياً سياسة “التحوط الاستراتيجي” التي تباكت عليها لسنوات -والقائمة على موازنة العلاقات مع القوى الكبرى والإقليمية- لتنتقل بشكل فج إلى محور أمني صهيوني-أمريكي تقوده إسرائيل؛ وأكدت الباحثة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، سينزيا بيانكو، أن القيادة الإماراتية تندفع نحو ما تصفه بـ “الاستقلالية الاستراتيجية” عبر بناء تحالفات أمنية صلبة مع الاحتلال، بعدما أيقنت بفشل رهاناتها الدبلوماسية السابقة، وهو ما يمثل مقامرة بمستقبل المنطقة وعروبة الخليج.

https://cnn-arabic-images.cnn.io/cloudinary/image/upload/w_1920,c_scale,q_auto/cnnarabic/2022/03/28/images/208740.jpg

 

صراحة الرهان الخاسر وتمدد النفوذ الصهيوني

وجاءت هذه القراءة تزامناً مع تصريحات غير مسبوقة للمستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، أنور قرقاش، أقر فيها بوضوح بفشل الرهان على بناء مصالح اقتصادية مستقرة مع إيران، معلناً بتحدٍ أن النفوذ الإسرائيلي في مياه الخليج مرشح لأن يصبح أكثر حضوراً وتوغلاً خلال المرحلة المقبلة؛ غير أن مراقبي الشؤون الخليجية يؤكدون أن هذا الاندفاع لا يعكس أي “استقلال استراتيجي”، بل يمثل ارتهاناً كاملاً ومهيناً للقوة العسكرية والتكنولوجية الإسرائيلية، وتحويل تل أبيب إلى لاعب مباشر ومتحكم في معادلات الأمن القومي للخليج العربي.

وتحول هذا التطبيع تدريجياً إلى غطاء لتغلغل استخباراتي وعسكري واسع، يشمل دمج قطاعات التكنولوجيا الدفاعية، وأنظمة التجسس والمراقبة، والأمن السيبراني؛ وأشارت تقديرات مراكز بحثية في تل أبيب إلى وجود تطابق كامل في الرؤى بين أبوظبي والاحتلال بشأن إشعال الملفات الإقليمية وممارسة سياسات التدخل العدواني خارج الحدود؛ مما يثير مخاوف حقيقية من توسيع الدور الإماراتي المدعوم صهيونياً في مناطق جيوسياسية حساسة كالقرن الإفريقي واليمن ومضيق باب المندب، عبر تمويل شبكات عسكرية انفصالية لخدمة أجندات التفتيت.

تصدع البيت الخليجي والتبعات الكارثية على فلسطين

وتبرز النتيجة الكارثية لهذا التحالف في تصاعد حدة الخلافات والشرور داخل البيت الخليجي؛ إذ تباينت حسابات أبوظبي مع دول خليجية وازنة تفضل خفض التصعيد والاعتماد على الدبلوماسية العربية، بدلاً من الاصطفاف الأمني الأعمى مع الكيان الإسرائيلي؛ وحذر الخبراء من أن ارتباط الإمارات المتزايد بتل أبيب قد عزلها كلياً عن نبض الشارع العربي، الذي يبدي رفضاً قاطعاً للتطبيع الخياني وسط استمرار حرب الإبادة الصهيونية الوحشية ضد المدنيين في غزة والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وتكشفت أكاذيب لافتة “حماية الحقوق الفلسطينية” التي رفعتها الإمارات عند توقيع اتفاق العار (أبراهام)، حيث أثبتت المجازر المستمرة سقوط هذا الرهان الأخلاقي والسياسي، واستمرار التحالف الاقتصادي والعسكري الإماراتي مع إسرائيل رغم الإدانات الدولية؛ وخلص المراقبون إلى أن الدور الإماراتي في ترتيبات المنطقة لا يستهدف سوى هندسة واقع أمني جديد يخدم مصالح “محور التطبيع” وحماية الأنظمة الديكتاتورية، على حساب تطلعات الشعب الفلسطيني في إنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة، مما يضع الإمارات أمام مأزق استراتيجي طويل الأمد، تدفع ثمنه من أمنها القومي وعلاقاتها مع عمقها العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى