رجل أعمال لبناني يفتح لنتنياهو باب التطبيع من واشنطن

أثار رجل الأعمال والمصرفي اللبناني أنطون الصحناوي موجة غضب واسعة، بعدما شارك في استضافة مأدبة عشاء في واشنطن حضرها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وزوجته سارة، إلى جانب مسؤولين وشخصيات سياسية أمريكية بارزة.
وأقيم العشاء في فندق «فور سيزونز» بالعاصمة الأمريكية، بمشاركة المبعوثة الأمريكية السابقة إلى لبنان مورغان أورتاغوس، تحت عنوان تكريم السيناتور الأمريكي الراحل ليندسي غراهام، أحد أبرز المدافعين عن الاحتلال داخل الكونغرس الأمريكي.
لكن حضور نتنياهو لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا؛ إذ ألقى كلمة خلال الحفل، وجلس على طاولة واحدة مع المضيفين والحاضرين، في مشهد منح رئيس حكومة الاحتلال مساحة اجتماعية وسياسية داخل فعالية يستضيفها رجل أعمال يحمل الجنسية اللبنانية.
مأدبة تتجاوز تكريم سيناتور
قدمت المأدبة رسميًا باعتبارها حفلًا تذكاريًا للسيناتور ليندسي غراهام، لكن طبيعة الحضور وموقع نتنياهو داخلها يمنحان الحدث دلالة سياسية أوسع.
فالحفل جمع نتنياهو بنحو 20 عضوًا في مجلس الشيوخ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إلى جانب مستشارين للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشخصيات مؤثرة في دوائر القرار بواشنطن.
وبذلك، لم يكن الصحناوي مجرد مدعوّ في مناسبة عامة، بل أحد مستضيفي فعالية وفرت لنتنياهو منصة للتواصل مع شبكة أمريكية واسعة، في وقت يواجه فيه الاحتلال إدانات متصاعدة بسبب حروبه على غزة ولبنان.
من هو أنطون الصحناوي؟
أنطون الصحناوي مصرفي ورجل أعمال لبناني، ويرأس مجلس الإدارة والإدارة العامة لمجموعة «سوسيتيه جنرال بنك في لبنان».
ووصفه الصحفي الإسرائيلي باراك رافيد، الذي نشر صورة المأدبة، بأنه شخصية لبنانية بارزة تدعو إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، وتشارك في مبادرات تهدف إلى تعزيز الروابط بين اللبنانيين والإسرائيليين. وقد نقلت وسائل إعلام عربية هذا الوصف، من دون أن يصدر عن الصحناوي، حتى وقت نشر الخبر، توضيح علني مفصل بشأن طبيعة تلك المبادرات أو حدود دوره فيها.
ويعطي هذا الوصف الحدث بعدًا يتجاوز المصادفة الاجتماعية؛ إذ يضع العشاء ضمن مسار سياسي يسعى إلى تقديم التطبيع مع الاحتلال باعتباره خيارًا لبنانيًا ممكنًا، ولو بدأ من خارج المؤسسات الرسمية.
تطبيع فردي تحت المظلة الأمريكية
يكشف اللقاء عن نموذج مختلف من التطبيع؛ فلا توجد علاقات دبلوماسية رسمية بين لبنان والاحتلال، لكن واشنطن توفر مساحة تجمع شخصيات لبنانية وإسرائيلية بعيدًا عن القيود السياسية والقانونية الموجودة داخل لبنان.
ومن خلال رجال الأعمال والمصرفيين وشبكات العلاقات الأمريكية، يمكن بناء قنوات تواصل غير رسمية، ثم تقديمها تدريجيًا باعتبارها حوارًا أو مبادرات سلام أو روابط بين الشعوب.
وهذه الطريقة تشبه المسارات التي سبقت اتفاقات تطبيع عربية أخرى، عندما بدأت العلاقات باتصالات أمنية واقتصادية وشخصية غير معلنة، قبل الانتقال إلى الإعلان السياسي الرسمي.
أورتاغوس حلقة الوصل
برزت في المأدبة مورغان أورتاغوس، المبعوثة الأمريكية السابقة إلى لبنان، باعتبارها شريكة في استضافة الحفل.
وتمنح مشاركتها اللقاء أهمية إضافية؛ فهي ليست شخصية اجتماعية فقط، بل مسؤولة أمريكية سابقة ارتبط اسمها مباشرة بالملف اللبناني وبالضغط على بيروت لإعادة تشكيل أوضاعها الأمنية والسياسية.
وبهذا المعنى، تجمع المأدبة بين ثلاثة أطراف: رجل أعمال لبناني يمتلك نفوذًا ماليًا، ومسؤولة أمريكية سابقة ذات صلات بالملف اللبناني، ورئيس حكومة الاحتلال.
وهذا التداخل يعكس كيف يمكن للنفوذ المالي والعلاقات الأمريكية أن يتحولا إلى بوابة لفتح قنوات مع إسرائيل خارج الأطر الرسمية اللبنانية.
نتنياهو ضيفًا بينما يهاجم لبنان
جاءت المأدبة في وقت لا يزال لبنان يعيش آثار الحرب والاعتداءات الإسرائيلية، بينما تواصل قوات الاحتلال وجودها في مناطق جنوبية وتنفذ عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
وبحسب تقرير «ذا ناشيونال»، أثارت صور العشاء غضبًا لدى لبنانيين في ظل سقوط آلاف الضحايا جراء الهجمات الإسرائيلية واستمرار احتلال مناطق في جنوب البلاد.
ويكشف هذا التوقيت حجم التناقض بين الواقع اللبناني والمشهد في واشنطن: ففي الوقت الذي يواجه فيه اللبنانيون القصف والتهجير والاحتلال، يستضيف مصرفي لبناني رئيس الحكومة المسؤولة عن تلك العمليات على مائدة عشاء تكريمية.
أسئلة قانونية لا أحكام مسبقة
يملك لبنان قانونًا لمقاطعة إسرائيل صادرًا عام 1955، يحظر صورًا من التعامل مع الهيئات والأشخاص المقيمين في إسرائيل، وتوضح وزارة الاقتصاد اللبنانية أن مخالفة أحكام المقاطعة قد تؤدي إلى الإحالة أمام القضاء العسكري.
لكن تحديد ما إذا كانت استضافة نتنياهو أو المشاركة في العشاء تشكل مخالفة قانونية يتطلب تحقيقًا وتكييفًا قضائيًا رسميًا، ولا يمكن حسمه من الصور أو التغطية الإعلامية وحدها.
ومع ذلك، فإن الواقعة تطرح أسئلة مشروعة بشأن حدود التواصل مع مسؤول إسرائيلي، وطبيعة المبادرات التي قيل إن الصحناوي يشارك فيها، وما إذا كانت هناك قنوات سياسية أو مالية أوسع يجري بناؤها خارج رقابة المؤسسات اللبنانية.
صورة مزيفة لا تلغي الواقعة
تداولت حسابات على مواقع التواصل صورة زعمت أنها تظهر الصحناوي رافعًا إبهامه خلال جلوسه إلى جانب نتنياهو، إلا أن تدقيقًا أجرته صحيفة «النهار» خلص إلى أن هذه الصورة بالتحديد مولدة بالذكاء الاصطناعي ومركبة على صورة أصلية.
لكن زيف الصورة المتداولة لا ينفي أصل الواقعة، إذ أكدت مصادر متعددة وصور أصلية حضور الصحناوي ونتنياهو للمأدبة، كما أكد مكتب نتنياهو مشاركته وإلقاءه كلمة خلالها.
ولهذا ينبغي الفصل بين التضليل البصري الذي صاحب انتشار الخبر وبين الحدث المثبت نفسه.
المال يمهد ما تعجز عنه السياسة
توضح الواقعة أن مسار التطبيع لا يحتاج دائمًا إلى قرار حكومي فوري، بل قد يبدأ من دوائر المال والأعمال والإعلام وشبكات الضغط في الخارج.
فرجل أعمال نافذ يستطيع توفير لقاءات ومساحات اجتماعية، ومسؤولون أمريكيون يستطيعون منحها غطاءً سياسيًا، ثم يستخدم الاحتلال هذه المشاهد لإظهار أن الحواجز العربية أمامه تتراجع.
ويستفيد نتنياهو خصوصًا من ظهور شخصية لبنانية إلى جانبه، لأن لبنان لا يزال رسميًا في حالة عداء مع الاحتلال، ولأن أي صورة تواصل لبناني إسرائيلي تمنحه مادة دعائية عن إمكان اختراق البيئة اللبنانية.
سلام بلا انسحاب
يحاول دعاة التطبيع تقديم التواصل مع الاحتلال بوصفه طريقًا إلى السلام، لكن هذه الدعوة تتجاهل أن إسرائيل لم تنسحب بالكامل من الأراضي اللبنانية، ولم توقف اعتداءاتها، ولم تتحمل مسؤولية ما ارتكبته من قتل ودمار.
وفي هذه الحالة، يتحول شعار السلام إلى مطالبة اللبنانيين بالتكيف مع الاحتلال قبل أن ينهي الاحتلال عدوانه.
فالمشكلة ليست في مبدأ إنهاء الحرب، بل في قلب ترتيب الأولويات: منح نتنياهو العلاقات والشرعية أولًا، على أمل أن يقدم لاحقًا ما يرفض تقديمه تحت الضغط العسكري والسياسي.
وهذا هو النموذج نفسه الذي أنتجته اتفاقات أبراهام؛ حصل الاحتلال على التطبيع كاملًا، بينما بقيت الحقوق العربية والفلسطينية وعودًا معلقة.
من الإمارات إلى لبنان
فتح التطبيع الإماراتي عام 2020 الباب أمام تحويل العلاقة مع الاحتلال من محرّم سياسي عربي إلى مشروع ترعاه واشنطن وتدعمه شبكات رجال الأعمال.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد إسرائيل تنتظر اتفاقات حكومية فقط، بل تعمل على بناء صلات مع النخب الاقتصادية والإعلامية والشخصيات العامة في دول لم تطبع رسميًا بعد.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مأدبة واشنطن بوصفها امتدادًا للنموذج الإماراتي: تبدأ العلاقة من المصالح والاتصالات الشخصية والمبادرات غير الرسمية، ثم يجري تسويقها باعتبارها ضرورة للسلام والاستقرار.
ولا توجد في الواقعة المعلنة صلة مباشرة مثبتة بالإمارات، لكن المسار السياسي الذي مهدت له أبوظبي هو الذي جعل مثل هذه اللقاءات أكثر قابلية للظهور العلني والترويج الإعلامي.
اختراق من خارج الدولة
الأخطر في الواقعة أن مسار التطبيع المحتمل لا يجري هذه المرة عبر الحكومة اللبنانية أو البرلمان، بل من خلال شخصيات خاصة تتحرك في واشنطن وتملك شبكات دولية واسعة.
وهذا يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍّ حقيقي: هل تبقى السياسة الخارجية وقرار العلاقة مع الاحتلال اختصاصًا وطنيًا جامعًا، أم تتحول إلى مبادرات فردية يصنعها أصحاب النفوذ المالي خارج البلاد؟
كما يثير تساؤلات عن قدرة رجال الأعمال على تجاوز الحدود بين النشاط الاجتماعي والعمل السياسي، خصوصًا عندما تكون المائدة مشتركة مع رئيس حكومة دولة تحتل أرضًا لبنانية.
مائدة تخدم رواية الاحتلال
سياسيًا، خرج نتنياهو المستفيد الأكبر من المأدبة.
فهو ظهر وسط سيناتورات أمريكيين وشخصية مصرفية لبنانية ومسؤولة أمريكية سابقة، في مشهد يمنحه شرعية اجتماعية وسياسية في وقت تتسع فيه عزلته بسبب حروبه.
كما يستطيع الإعلام الإسرائيلي استخدام الواقعة للإيحاء بأن شخصيات لبنانية بارزة باتت مستعدة للجلوس معه، وأن الطريق إلى اتفاق لبناني إسرائيلي لم يعد مغلقًا تمامًا.
أما لبنان، فلم يحصل في المقابل على انسحاب إسرائيلي أو وقف للاعتداءات أو ضمانات لسيادته.
تطبيع فوق دماء اللبنانيين
ليست القضية أن لبنانيًا حضر عشاءً في واشنطن فحسب، بل أن رئيس حكومة الاحتلال استُقبل بوصفه ضيفًا طبيعيًا على مائدة شارك في استضافتها مصرفي لبناني، بينما لا تزال آثار حربه حاضرة داخل لبنان.
ويمثل ذلك انتقالًا من الاتصال السري إلى التطبيع الاجتماعي والسياسي العلني، ومن مخاطبة الاحتلال باعتباره عدوًا يحتل الأرض إلى تقديم رئيس حكومته شريكًا محتملًا في السلام.
ومهما كان الغطاء التذكاري للمأدبة، فإن الصورة السياسية واضحة: المال اللبناني فتح لنتنياهو بابًا حاولت واشنطن منذ سنوات فتحه رسميًا، ومنح الاحتلال فرصة جديدة لاختراق الموقف اللبناني الرافض للتطبيع.
إنها ليست مائدة عشاء عادية، بل اختبار جديد لقدرة المشروع الأمريكي الإسرائيلي على نقل النموذج الإماراتي إلى لبنان، عبر النخب المالية أولًا، قبل محاولة فرضه على الدولة والمجتمع.







