خيانة للعرب.. كيف يقود التطبيع الإماراتي مسار التفريط في القدس؟

كشف الرفض الإماراتي والبحريني للانضمام إلى البيان الصادر عن مجلس التعاون الخليجي، والذي أدان بقوة الخطوة التصعيدية التي اتخذتها صوماليلاند لافتتاح تمثيل دبلوماسي لها في مدينة القدس المحتلة، عن اتساع هوة الخلافات والتباينات الإستراتيجية البنيوية داخل المنظومة الخليجية والعربية. هذا الموقف السلبي، الذي تعمدت فيه أبوظبي الامتناع عن التنديد بخطوة تمس أقدس مقدسات الأمة، يبرهن على أن قطار التطبيع الإماراتي تجاوز حدود العلاقات الثنائية والاقتصادية مع سلطات الاحتلال، ليتطور إلى توفير غطاء سياسي ودبلوماسي شامل لتحركات إقليمية تخدم المشروع الصهيوني التوسعي، وتستهدف بشكل مباشر تقويض الموقف العربي والإسلامي التاريخي الملتزم بحماية الهوية العربية للقدس الشريف ودعم القضية الفلسطينية.
ويرى محللون وباحثون في الشؤون السياسية والإقليمية أن هذا الخروج الفج على الإجماع لا يمثل مجرد مناورة دبلوماسية مؤقتة، بل يعكس خياراً إستراتيجياً واعياً تتقدم فيه المصالح المرتبطة بمسار التطبيع والتنسيق العسكري والأمني مع تل أبيب على حساب الروابط القومية والدينية. هذا التموضع يضع أبوظبي في مواجهة مباشرة مع التطلعات العربية والإسلامية، ويعزز من حالة الاستقطاب والتمزق داخل المؤسسات الإقليمية المشتركة لصالح رسم خرائط نفوذ مشبوهة تمتد من شرق المتوسط إلى عمق القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
https://www.aljazeera.net/wp-content/uploads/2020/08/bin21yes.jpg?resize=770%2C513&quality=80
الفجوة الخليجية والتخلي عن ثوابت القضية الفلسطينية
أحدث الموقف الإماراتي الأخير صدمة واستياءً واسع النطاق في الأوساط السياسية والشعبية على امتداد التخوم العربية والإسلامية؛ إذ سعت دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، وفي مقدمتها السعودية وقطر والكويت وسلطنة عمان، إلى صياغة موقف موحد وصارم يعيد التأكيد على الثوابت التاريخية المتمثلة في رفض أي اعتراف بالقدس عاصمة للكيان المحتل، واعتبار خطوة صوماليلاند خرقاً فاضحاً للقوانين والمواثيق الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة.
وفي مقابل هذا الحشد الدبلوماسي الملتزم بالحقوق الفلسطينية والعربية، اختارت القيادة الإماراتية الانفصال التام والامتناع عن الإدانة، مما يثبت أن عقلية التطبيع تجاوزت حدود التنسيق الاقتصادي والسياحي لتتحول إلى التزام أيديولوجي وسياسي بالدفاع عن المصالح الإسرائيلية وتبرير خروقاتها. هذا النمط من السلوك الدبلوماسي يجرّد المنظومة الخليجية من قدرتها على التأثير الموحد في الملفات الكبرى، ويظهر أبوظبي وكأنها تعمل كأداة اختراق لتفكيك جبهة الرفض العربية وإجبار الكيانات الهشة أو الباحثة عن الاعتراف الدولي على السير في ركاب المخططات الصهيونية.
القرن الإفريقي كبوابة للشراكة الأمنية بين أبوظبي وتل أبيب
لا يمكن قراءة الخلفيات الحقيقية للموقف الإماراتي من قضية صوماليلاند بمعزل عن سنوات من التمدد العسكري والسياسي والاقتصادي الذي قادته أبوظبي في منطقة القرن الإفريقي وباب المندب؛ حيث ركزت الإستراتيجية الإماراتية على توظيف الاستثمارات في الموانئ، وبناء القواعد العسكرية البحرية والجوية، وإبرام الشراكات الأمنية الممتدة من إريتريا إلى صوماليلاند والسودان، لإنشاء منطقة نفوذ حصرية تتكامل جغرافياً وأمنياً مع المصالح الإستراتيجية لدولة الاحتلال الإسرائيلي في البحر الأحمر وخليج عدن.
وتحتل صوماليلاند، بموقعها الجغرافي البالغ الحساسية على خطوط الملاحة الدولية والتجارة العالمية، مركز الصدارة في هذا المشروع المشترك؛ إذ تسعى تل أبيب، بدعم مالي ولوجستي وسياسي من أبوظبي، إلى توسيع تواجدها الاستخباري والعسكري في هذه المنطقة لمراقبة الممرات المائية الحيوية ومحاصرة أي تحركات مناهضة لها. إن رعاية الإمارات للعلاقات المتنامية بين صوماليلاند وإسرائيل وتوظيف ملف القدس في هذا السياق، يكشف عن مدى عمق التحالف الذي أفرزه التطبيع، واستعداد أبوظبي للتضحية بالسيادة الصومالية وبالمقدسات الإسلامية في سبيل ترسيخ تحالفات مشبوهة خارج إطار الشرعية العربية والدولية.
توظيف الكيانات الهشة لإعادة رسم خرائط النفوذ
تعتمد العقلية السياسية الحاكمة في أبوظبي على إستراتيجية رعاية الكيانات الموازية والمناطق المتنازع عليها أو الانفصالية لتمرير مشاريع التفتيت والهيمنة؛ فكما جرى العمل على دعم وتأسيس ميليشيات وتشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة في اليمن والسودان وليبيا، يُعاد اليوم استخدام صوماليلاند كمنصة لإحداث اختراق دبلوماسي وسياسي لصالح إسرائيل في القارة الإفريقية. هذا التوجه يساهم في تعقيد الأوضاع الداخلية في الصومال، ويهدد أمنه واستقراره ووحدة أراضيه، ويفتح الباب أمام نزاعات وحروب أهلية جديدة مرتبطة بالسيادة والاعتراف الدولي.
إن الدفع بهذه الكيانات غير المعترف بها دولياً نحو تقديم تنازلات تاريخية في ملف القدس مقابل الحصول على وعود بالدعم الأمني أو الدبلوماسي، يعكس نمطاً خطيراً من السياسات الإحلالية التي تتغذى على ضعف الدول وتفكك مجتمعاتها. ويتحرك النفوذ الإماراتي في هذا الإطار كعراب ومسهل لهذه الصفقات التي تستهدف عزل المنظومة العربية الرسمية وإظهارها بمظهر العاجز عن حماية مصالحها ومقدساتها أمام الضربات المتتالية التي توجهها آلة التطبيع والتحالفات السرية والعلنية.
تناقض شعارات التسامح مع واقع تعميق الاستقطاب والتمزق
تستمر الماكينة الإعلامية والدبلوماسية الرسمية للإمارات في تسويق الدولة دولياً باعتبارها واحة للتسامح، والتعايش، والاستقرار الإقليمي، وصناعة المستقبل؛ غير أن المقارنة البسيطة بين هذه الشعارات البراقة والواقع العملي للسياسات الخارجية لأبوظبي تكشف عن تناقض صارخ وفج. فالأدوار الميدانية التي تؤديها في مختلف الملفات الساخنة تؤكد أنها تحولت إلى عامل رئيسي في تعميق الاستقطاب، وتغذية الحروب الأهلية، وإضعاف المواقف الجماعية تجاه القضايا المصيرية للأمتين العربية والإسلامية.
إن تقديم المصالح الضيقة المرتبطة بالتحالف مع الاحتلال على حساب التوافقات القومية الأساسية يمثل، بحسب مراقبين وقوى حية في المنطقة، طعنة في ظهر النضال الفلسطيني، وتخلياً كاملاً عن المسؤوليات التاريخية والأخلاقية تجاه حماية المقدسات؛ فالشعوب العربية والإسلامية لا ترى في هذه المواقف المنفردة والامتناع عن إدانة تدنيس واستهداف القدس إلا فصلاً جديداً من فصول التراجع والانكفاء، ومحاولة لفرض واقع استسلامي جماعي يخدم بالدرجة الأولى استمرار الهيمنة الصهيونية على مقدرات وثروات المنطقة جراء تمدد التطبيع.
مستقبل النظام الإقليمي العربي في ظل سياسات الانفصال
تثبت أزمة صوماليلاند وموقف الإمارات منها أن قضية التطبيع والتحالف مع إسرائيل تجاوزت حدود العلاقات الثنائية لتصبح أداة لإعادة تشكيل وهندسة النظام الإقليمي بأسره؛ هذا التحول البنيوي يضع وحدة الموقف العربي والخليجي في مهب الريح، ويؤسس لمرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة التي تغيب فيها القواسم المشتركة والخطوط الحمراء التي طالما شكلت صمام أمان للأمن القومي المشترك.
وفي المحصلة، فإن الامتناع الإماراتي عن دعم الموقف الخليجي الموحد والمندد بانتهاك حرمة القدس المحتلة يضع النقاط على الحروف بشأن طبيعة الخيارات الإستراتيجية الكبرى التي تبنتها أبوظبي؛ فالاحتلال الإسرائيلي يستمر في تمدده الإقليمي مستنداً إلى هذا التواطؤ والدعم المالي والسياسي اللامحدود، بينما يواجه النظام الرسمي العربي مأزقاً تاريخياً يتطلب مراجعة عميقة لآليات العمل المشترك، ومواجهة سياسات الانفصال والتمزق التي تقودها أطراف آثرت الارتماء في أحضان المشاريع الخارجية وتكريس التطبيع على حساب هويتها، وتاريخها، ومقدسات أمتها.






