التطبيع السعودي لم يكن وليد اللحظة.. إسرائيل تحدثت منذ 2022 عن «خطوات صغيرة» نحو الرياض

تكشف تصريحات إسرائيلية تعود إلى مايو/أيار 2022 أن مشروع تطبيع العلاقات مع السعودية لم يكن فكرة طارئة ظهرت في السنوات الأخيرة، بل مسارًا كانت تل أبيب تعمل عليه منذ وقت مبكر بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودول خليجية، وبخطة تعتمد التدرج وتراكم الخطوات بدل الإعلان المفاجئ كما حدث مع الإمارات والبحرين والمغرب.
ففي 30 مايو/أيار 2022، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي حينها يائير لابيد أن إسرائيل تعمل مع واشنطن ودول خليجية على عملية تطبيع مع السعودية، واصفًا الرياض بأنها «الخطوة التالية» بعد اتفاقيات أبراهام. وشدد لابيد على أن العملية ستكون «طويلة وحذرة» وأن التقدم سيجري عبر خطوات صغيرة بسبب المصالح الأمنية المرتبطة بالعلاقة بين الطرفين.
إسرائيل كانت ترى السعودية الجائزة الكبرى
تكمن أهمية التصريحات في أنها صدرت بعد أقل من عامين على توقيع اتفاقيات أبراهام.
فبعد نجاح الاحتلال في إقامة علاقات كاملة مع الإمارات والبحرين والمغرب، انتقلت الأنظار مباشرة إلى السعودية باعتبارها الهدف الأكثر أهمية في مشروع توسيع التطبيع العربي.
وقال لابيد بوضوح إن التطبيع مع الرياض هو «الخطوة التالية»، وهو ما يكشف أن اتفاقيات أبراهام لم تكن بالنسبة لإسرائيل مجموعة اتفاقيات منفصلة، بل بداية مشروع إقليمي هدفه توسيع دائرة قبول الاحتلال وصولًا إلى أكثر الدول العربية والإسلامية تأثيرًا.
وأهمية السعودية بالنسبة لإسرائيل تتجاوز الاقتصاد أو التعاون الأمني؛ فمكانة المملكة الدينية والسياسية تمنح أي اعتراف سعودي بالاحتلال وزنًا رمزيًا لا تملكه غالبية الدول التي سبقتها إلى التطبيع.
«لن تكون هناك مفاجأة».. التطبيع بالتدرج
ربما كان الجزء الأكثر دلالة في حديث لابيد تأكيده أن التطبيع السعودي لن يحدث بالطريقة نفسها التي أُعلنت بها اتفاقيات 2020.
قال إن العالم لن «يستيقظ ذات صباح» على مفاجأة، وإن العملية ستتقدم تدريجيًا.
هذه العبارة تكشف استراتيجية تقوم على جعل العلاقة أكثر اعتيادية قبل إعلانها رسميًا.
فبدل الانتقال مباشرة من غياب العلاقات إلى افتتاح السفارات، يمكن أن تبدأ العملية بخطوات محدودة:
اتصالات أمنية.
لقاءات غير معلنة.
تسهيلات جوية.
زيارات رجال أعمال.
استثمارات.
تنسيق سياسي مع واشنطن.
ثم تأتي العلاقات الدبلوماسية في نهاية المسار، لا بدايته.
وبهذا تصبح لحظة الإعلان الرسمي تتويجًا لعلاقة تشكلت بالفعل، بدل أن تكون بداية لها.
مسؤولون ورجال أعمال إسرائيليون داخل السعودية
الخبر المنشور عام 2022 أشار أيضًا إلى تقارير إسرائيلية تحدثت عن زيارات لمسؤولين إسرائيليين إلى السعودية خلال السنوات السابقة، إضافة إلى دخول عشرات رجال الأعمال ورواد التكنولوجيا الإسرائيليين إلى المملكة لإجراء مباحثات بشأن استثمارات سعودية محتملة في شركات وصناديق إسرائيلية.
وبحسب تلك التقارير، دخل بعضهم بجوازات سفر إسرائيلية وتأشيرات خاصة.
لكن من الضروري الفصل هنا بين ما ثبت رسميًا وما ورد في الصحافة الإسرائيلية؛ فهذه التفاصيل نُقلت آنذاك عن مصادر وتقارير إسرائيلية ولم تكن إعلانًا سعوديًا رسميًا عن وجود مسار تطبيع.
مع ذلك، فإن أهميتها تكمن في توافقها مع وصف لابيد نفسه للمسار بأنه عملية طويلة تتم عبر «خطوات صغيرة».
الأمن في قلب العلاقة
لم يقدم لابيد المسألة باعتبارها مجرد مصالحة دبلوماسية.
فقد أكد أن «المصالح الأمنية» للطرفين موجودة في قلب العملية.
وهذا يكشف أحد دوافع إسرائيل الرئيسية نحو السعودية.
فتل أبيب تريد تحويل التقاطع في ملفات إيران والأمن الإقليمي والدفاع إلى أساس لبناء علاقة سياسية معلنة، ثم استخدام التعاون الأمني لتجاوز القضية الفلسطينية باعتبارها العائق التقليدي أمام العلاقات العربية الإسرائيلية.
وهو النموذج نفسه الذي استفادت منه إسرائيل بعد اتفاقيات أبراهام: تقديم نفسها للدول العربية شريكًا أمنيًا وتكنولوجيًا في مواجهة تهديدات مشتركة، بدل بقائها قوة احتلال ينبغي حل الصراع معها أولًا.
من اتصالات 2022 إلى مساومات 2026
بعد أكثر من أربع سنوات على تصريحات لابيد، ما زال التطبيع السعودي الإسرائيلي غير معلن رسميًا، لكن الملف لم يختف.
بل انتقل إلى مستوى أعلى من المساومة الأمريكية.
ففي يوليو/تموز 2026، أعلن ترامب أنه لن يمضي في اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية ما لم تنضم المملكة إلى «اتفاقيات أبراهام» وتطبع علاقاتها مع إسرائيل.
وهذا التطور يؤكد أن ما وصفه لابيد عام 2022 بأنه «عملية طويلة وحذرة» لم يكن مجرد تكهن سياسي.
من إدارة أمريكية إلى أخرى، بقي التطبيع السعودي أحد الأهداف الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب، مع تغير الأدوات والثمن المطلوب.
في 2022 كان الحديث عن خطوات واتصالات ومصالح أمنية.
وفي 2026 أصبحت التكنولوجيا النووية الأمريكية نفسها ورقة مرتبطة بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام.
السعودية تتمسك علنًا بالدولة الفلسطينية
في المقابل، ما تزال الرياض تعلن موقفًا يربط السلام بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي يونيو/حزيران 2026، أعادت السعودية أمام مجلس الأمن التأكيد على أن حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة يمثلان أساس السلام العادل والدائم في المنطقة.
كما نقلت مصادر إسرائيلية في يوليو/تموز أن السعودية تشترط وجود مسار سياسي «صادق» يؤدي إلى دولة فلسطينية مقابل أي تطبيع.
وهذا يعني أن التطبيع لم يتحول حتى الآن إلى قرار سعودي رسمي نهائي.
لكن في المقابل، استمرار واشنطن وتل أبيب في التفاوض على شروطه يكشف أن الملف ما يزال قائمًا، وأن الخلاف يدور حول الشروط والتوقيت والمقابل السياسي.
السؤال: رفض التطبيع أم تفاوض على ثمنه؟
هنا تظهر المسألة الأكثر حساسية.
إذا كانت إقامة الدولة الفلسطينية شرطًا سعوديًا نهائيًا لا يمكن تجاوزه، فمن المفترض أن يؤدي رفض الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لهذا المسار إلى إغلاق ملف التطبيع.
لكن استمرار المفاوضات والوساطات الأمريكية يجعل السؤال مشروعًا:
هل الدولة الفلسطينية شرط حاسم بالفعل؟
أم سقف تفاوضي يمكن أن يتحول لاحقًا إلى مجرد «مسار نحو الدولة» أو تعهدات سياسية أقل من قيام دولة فعلية؟
هذا هو الفارق الذي تحاول إسرائيل والولايات المتحدة منذ سنوات اختباره.
فالاحتلال يريد الاعتراف السعودي دون أن يدفع الثمن التاريخي الذي نصت عليه المبادرة العربية للسلام عام 2002: الانسحاب وإنهاء الاحتلال مقابل العلاقات.
اتفاقيات أبراهام قلبت المعادلة
المبادرة العربية التي أطلقتها السعودية عام 2002 وضعت ترتيبًا واضحًا:
الانسحاب الإسرائيلي وحل القضية الفلسطينية أولًا.
ثم تطبيع عربي شامل.
أما اتفاقيات أبراهام فقلبت هذا الترتيب.
التطبيع أولًا.
ثم محاولة معالجة القضية الفلسطينية لاحقًا.
وهذا تحديدًا ما تحاول إسرائيل تطبيقه على السعودية.
فمن وجهة نظر تل أبيب، دخول الرياض إلى الاتفاقيات سيعني عمليًا انهيار آخر حاجز عربي كبير أمام فصل العلاقات مع إسرائيل عن إنهاء الاحتلال.
لماذا تحتاج إسرائيل السعودية؟
الحصول على علاقات مع السعودية سيمثل إنجازًا نوعيًا لا يقارن بالتطبيع مع دول أخرى.
فإسرائيل ستستطيع القول إن الدولة التي طرحت المبادرة العربية للسلام نفسها أصبحت شريكًا لها.
كما سيمنح ذلك اتفاقيات أبراهام دفعة كبيرة ويفتح الباب أمام دول أخرى للتعامل مع التطبيع باعتباره اتجاهًا إقليميًا لا يمكن مقاومته.
لهذا لا تخفي الحكومات الإسرائيلية اهتمامها بالرياض، ولا تتعامل معها كدولة إضافية في قائمة المطبعين، بل كحلقة يمكن أن تغير شكل المنطقة بأكملها.
الخلاصة
تكشف تصريحات يائير لابيد عام 2022 أن مشروع التطبيع السعودي الإسرائيلي كان يتحرك قبل سنوات من المفاوضات الحالية.
إسرائيل لم تكن تنتظر اتفاقًا مفاجئًا.
كانت تتحدث منذ البداية عن مسار طويل.
خطوات صغيرة.
مصالح أمنية.
اتصالات اقتصادية.
وتنسيق أمريكي خليجي.
واليوم، بعد أربع سنوات، ما تزال العلاقة الرسمية غير قائمة، وما تزال السعودية تعلن تمسكها بالدولة الفلسطينية، لكن الضغط الأمريكي والإسرائيلي مستمر، ووصل إلى ربط اتفاق نووي استراتيجي بانضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام.
وهذا يجعل خبر عام 2022 أكثر أهمية عند قراءته اليوم:
التطبيع مع السعودية لم يكن مشروع لحظة واحدة، بل عملية تراكمية أرادت إسرائيل أن تجعل كل خطوة فيها أقل إثارة من سابقتها، حتى تصبح لحظة الاعتراف الرسمي مجرد إعلان عن واقع سبق بناؤه.
والرهان الإسرائيلي واضح: أن تنتهي العملية بتطبيع سعودي من دون أن تضطر تل أبيب إلى تنفيذ المعادلة التي وضعتها الرياض نفسها قبل أكثر من عقدين؛ الانسحاب وإنهاء الاحتلال أولًا، ثم العلاقات.







