الإمارات تشحن أسلحة صينية لميليشيا في غزة خدمةً للاحتلال

في تطوّر يسلّط الضوء على عمق التحوّل في الأدوار الإقليمية واتساع رقعة التدخلات غير المعلنة، كشفت مصادر مطلعة عن قيام دولة الإمارات بشحن معدات عسكرية وأسلحة صينية متطورة إلى ميليشيا محلية في قطاع غزة، في خطوة تُعدّ امتدادًا لمسار التطبيع الأمني والسياسي مع الاحتلال الإسرائيلي، وتكريسًا لسياسات الحرب بالوكالة داخل الساحة الفلسطينية المحاصرة.
المعلومات المتداولة تشير إلى أن تلك الشحنات لم يكن هدفها دعم أبناء القطاع، بل جاءت لتعزيز دور تشكيلات محددة تعمل بتنسيق غير مباشر مع الاحتلال، بما يخدم استراتيجية تفكيك الجبهة الداخلية وإعادة هندسة موازين القوة داخل غزة بعد عام من الحرب الإسرائيلية المدمرة.
تسليح عبر قنوات غير رسمية.. والأثر على معادلة الصراع
وفق المعطيات التي حصلت عليها جهات مطلعة على مسار التسليح في المنطقة، فإن الأسلحة التي وصلت إلى غزة تشمل بنادق هجومية متطورة من طرازات صينية، ووسائل مراقبة حرارية تتيح تتبع التحركات في البيئات الحضرية المكتظة. وقد جرى تمرير هذه الشحنة عبر شبكة معقدة من الوسطاء لتفادي الرقابة الدولية، قبل أن تنتهي في يد ميليشيا تعمل خارج إطار المقاومة التقليدية في القطاع.
وبحسب هذه المعلومات، فإن الهدف من شحن الأسلحة لم يكن دعم “الاستقرار” أو “القوى المحلية”، كما تروّج أبوظبي في خطابها الإعلامي، بل خلق قوة موازية للمقاومة الفلسطينية، تسعى لإضعاف نفوذ الفصائل التي تشكل خط الدفاع الأول ضد الاحتلال. وتقول مصادر إن تلك القوة كانت تتلقى توجيهات غير مباشرة عبر أطراف مرتبطة بمنظومة الأمن الإقليمي الجديدة الناتجة عن مسار التطبيع، في مسعى لفتح ثغرات داخل غزة يمكن استثمارها سياسياً وعسكرياً.
خدمة مباشرة لمصالح الاحتلال
تذهب التحليلات إلى أن دور الإمارات في نقل السلاح الصيني لا يمكن فصله عن أهداف الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ انتهاء المرحلة الأكثر دموية من الحرب الأخيرة، يسعى الاحتلال لتفكيك أي إمكانية لعودة وحدة السلاح والميدان داخل غزة، وذلك عبر تشجيع الأطراف الإقليمية المتحالفة معه – سرًا أو علنًا – على تمويل أو تسليح مجموعات تعمل بطريقة منفصلة عن بنية المقاومة.
وتشير سلسلة التسريبات التي ظهرت خلال الأشهر الماضية إلى أن تعاونًا استخباراتيًا بين أبوظبي وتل أبيب بات يشمل مراقبة ديناميات القوى داخل غزة، وتقديم تقديرات حول كيفية بناء “بيئة ما بعد الحرب” بطريقة تضمن بقاء الاحتلال في موقع الحسم. هذا التعاون، الذي اتسع بعد اتفاقيات التطبيع، يبدو أنه انتقل من مستوى تحليل البيانات إلى مرحلة الفعل الميداني عبر دعم مجموعات يمكن توظيفها لخلق صراعات داخلية تُنهك المجتمع وتشتته.
صناعة الانقسام.. وسيناريو التفجير الداخلي
اللافت في المشهد أن شحن السلاح لمجموعة لا تنتمي إلى خط المقاومة يشكّل إعادة إنتاج لسياسات قديمة لطالما استخدمتها قوى خارجية لإضعاف الحركات التحررية. فوجود سلاح خارج إطار الإجماع الوطني في ظل الحصار والانهيار الاقتصادي يفتح الباب لصراع داخلي مدمر، يجعل المجتمع الفلسطيني أكثر هشاشة أمام العدوان الإسرائيلي.
وتحذر شخصيات فلسطينية من أن هذه الشحنات ليست معزولة، وأنها تأتي في سياق خطة أكبر تهدف إلى خلق “سلطة بديلة” تحت يافطة إعادة الإعمار وحفظ الأمن. وتضيف المصادر أن السلاح الصيني الذي جرى إدخاله مؤخرًا قادر على تغيير ميزان القوى في الأحياء الحساسة داخل غزة، ما يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الداخلي وليس للاحتلال.
الإمارات.. من التمويل السياسي إلى التدخل العسكري
المتابعون لتوجهات السياسة الإماراتية يرون أن انتقال أبوظبي من دور الممول السياسي إلى دور المورد العسكري داخل غزة ليس مفاجئًا، بل امتداد لنهج توسعي ظهر بوضوح في اليمن وليبيا والسودان. فهو يقوم على دعم ميليشيات موازية للدول أو الحركات القائمة، بما يمنح أبوظبي قدرة على التحكم في المشهد السياسي والأمني دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة.
وفي الحالة الفلسطينية، تبدو الإمارات حريصة على تقديم نفسها كفاعل “معتدل” قادر على مساعدة واشنطن وتل أبيب في إعادة تشكيل غزة بعد الحرب، وهو ما يفسّر الانخراط في مسارات تتضمن دعم مجموعات على حساب أخرى. غير أن انتقال هذا التدخل إلى مستوى شحن الأسلحة، وخاصة الأسلحة الصينية المتطورة، يفتح الباب لأسئلة حساسة حول مدى تورط أبوظبي في الخطط الإسرائيلية الهادفة لخلق سلطة مطواعة لا تمثل الإرادة الشعبية.
انعكاسات خطيرة على مستقبل غزة
التداعيات المحتملة لهذه الخطوة تتجاوز الساحة الداخلية في غزة. فاستمرار تدفق السلاح إلى ميليشيات غير منضبطة يهدد بتفكيك أي فرصة لتوحيد الجبهة الفلسطينية، ويخدم بشكل مباشر هدف الاحتلال في إدامة الانقسام. كما يضعف فرص نجاح أي مشروع وطني يعيد ترتيب البيت الفلسطيني بعد سنوات من الحرب والحصار.
ويرى محللون أن إسرائيل تدرك هذه الحقيقة جيدًا، وتعلم أن أقرب الطرق لترويض غزة ليس القصف وحده، بل خلق تشققات داخلية تُضعف قدرة المقاومة على إعادة بناء قوتها. وهنا يأتي دور الإمارات، التي ترى في خدمة الرؤية الإسرائيلية بوابة لتعزيز نفوذها الإقليمي، ولو على حساب شعب يعاني واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
خاتمة
ما يتكشف اليوم يضع الإمارات في دائرة الاتهام بدعم مشاريع إعادة تشكيل غزة بطريقة تتوافق مع متطلبات الاحتلال، مستخدمة أدوات تسليح صينية وتقنيات مراقبة متقدمة. وبينما تعاني غزة من الدمار والحصار، تتحرك أطراف إقليمية لتغذية انقسامات جديدة قد تكون أخطر من الحرب ذاتها. وفي ظل غياب موقف عربي موحد، تبدو هذه التحركات جزءًا من موجة “تطبيع مسلّح” تتجاوز الاتفاقات الدبلوماسية لتصل إلى عمق الساحة الفلسطينية، حيث تُرسم خرائط جديدة بالمال والسلاح على حساب دماء ومصير سكان القطاع.







