أديداس تلمّع صورة جندي إسرائيلي سابق وتتجاهل آلاف مبتوري الأطراف في غزة

أثارت شركة «أديداس» موجة من الغضب والدعوات إلى المقاطعة، بعد استعانتها بجندي إسرائيلي سابق ضمن حملة دعائية لخدمة مخصصة لمبتوري الأطراف، في واقعة أعادت الجدل حول دور الشركات العالمية في التطبيع التجاري والثقافي مع الاحتلال الإسرائيلي وتقديم جنوده خارج سياق الجرائم والحروب التي شارك فيها جيش الاحتلال.

وتضاعفت حدة الانتقادات بسبب المفارقة التي حملتها الحملة؛ ففي الوقت الذي قدمت فيه الشركة الجندي السابق شاليف بيتون باعتباره نموذجًا إنسانيًا ورياضيًا لشخص فقد ساقه وتجاوز إعاقته، يعيش آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة بإعاقات وحالات بتر ناجمة عن الهجمات الإسرائيلية، وسط أزمة حادة في العلاج والتأهيل والأطراف الصناعية.

من جندي في جيش الاحتلال إلى وجه لحملة إنسانية

اختارت «أديداس» شاليف بيتون ضمن مجموعة من الرياضيين من ذوي الإعاقة للترويج لخدمة «Single Shoe»، التي تتيح لمن يحتاجون إلى حذاء واحد شراءه بصورة منفردة بدل الاضطرار إلى شراء زوج كامل.

لكن خلفية بيتون العسكرية سرعان ما نقلت الحملة من نطاق الإعلان التجاري إلى الجدل السياسي. فقد خدم سابقًا في الكتيبة 931 التابعة للواء «ناحال» في جيش الاحتلال، وفقد ساقه اليسرى في مايو/أيار 2021 إثر إصابته بصاروخ مضاد للدبابات أثناء خدمته العسكرية، بالتزامن مع المواجهة العسكرية التي شن خلالها الاحتلال عدوانًا واسعًا على قطاع غزة.

وبعد إصابته، اتجه بيتون إلى الرياضة باستخدام طرف صناعي، قبل أن يصبح أحد المشاركين في الحملة المحلية للشركة داخل الأراضي المحتلة.

الإشكالية لم تكن في تقديم شخص مبتور الطرف أو الاحتفاء بقدرته على ممارسة الرياضة، وإنما في الطريقة التي أعيد بها تقديم جندي سابق في جيش الاحتلال بوصفه قصة إنسانية منفصلة تمامًا عن المؤسسة العسكرية التي خدم فيها والسياق الذي أصيب خلاله.

آلاف مبتوري الأطراف في غزة خارج الإعلان

المفارقة الأكبر ظهرت عند مقارنة صورة بيتون بواقع الفلسطينيين في قطاع غزة.

فقد أشارت تقارير إلى وجود أكثر من خمسة آلاف فلسطيني تعرضوا لحالات بتر نتيجة الحرب الإسرائيلية على القطاع، بينهم أطفال، بينما يعاني المصابون من نقص شديد في الرعاية الطبية والأطراف الصناعية وخدمات إعادة التأهيل.

وهكذا بدا المشهد معكوسًا بصورة أثارت غضب منتقدي الحملة: جندي إسرائيلي سابق يحصل على منصة إعلانية دولية تروي قصته الشخصية ورحلته مع الإصابة والرياضة، بينما يتحول الفلسطينيون مبتورو الأطراف إلى مجرد أرقام في حصيلة حرب مستمرة.

وهنا تحديدًا اكتسبت الحملة بعدها السياسي؛ لأن القضية لم تعد تتعلق بمنتج رياضي، وإنما بمن تمنحه العلامة التجارية وجهًا واسمًا وقصة إنسانية، ومن يبقى خارج الصورة.

أديداس: الحملة محلية وليست مخصصة للجنود

مع اتساع الانتقادات، أوضحت «أديداس» أن المادة الدعائية كانت جزءًا من نشاط محلي داخل إسرائيل، وأن بيتون كان واحدًا من 11 رياضيًا من ذوي الإعاقة شاركوا في الترويج للخدمة، وليس وجهًا لحملة عالمية مخصصة للجنود الإسرائيليين.

وهذا التفصيل مهم؛ لأن تصوير الأمر باعتباره حملة عالمية أطلقتها الشركة خصيصًا للاحتفاء بجندي إسرائيلي سيكون مبالغة لا تدعمها الوقائع المتاحة.

لكن التوضيح لا ينهي جوهر الانتقاد. فاختيار شخص ذي خلفية عسكرية إسرائيلية لتقديم قضية شديدة الحساسية مثل البتر، في ظل ما يحدث للفلسطينيين، جعل الإعلان محملًا بدلالة سياسية حتى لو قالت الشركة إن هدفه تجاري وإنساني فقط.

عندما يصبح جندي الاحتلال «قصة ملهمة»

تكشف الواقعة أحد أكثر أشكال التطبيع الثقافي تعقيدًا؛ فالتطبيع لا يعني فقط إقامة علاقات دبلوماسية أو فتح سفارات، وإنما يمكن أن يحدث أيضًا عندما يُعاد تقديم الإسرائيلي المرتبط بمؤسسات الاحتلال داخل الثقافة والإعلان والرياضة بوصفه شخصية طبيعية منفصلة عن السياق السياسي.

في حالة بيتون، اختفت تقريبًا صورة الجندي وحضرت صورة الرياضي. غاب جيش الاحتلال وحضرت قصة التغلب على الإعاقة. وتراجع السياق الفلسطيني لتحل مكانه قصة فردية قابلة للتسويق والتعاطف.

وهنا تكمن قوة الإعلان في تشكيل الصورة؛ فالمستهلك لا يتلقى خطابًا سياسيًا يقول له إن عليه قبول الاحتلال، لكنه يتعامل تدريجيًا مع شخصيات مرتبطة بمؤسساته العسكرية باعتبارها جزءًا طبيعيًا من المشهد الرياضي والتجاري العالمي.

التطبيع التجاري.. الاحتلال يدخل من بوابة العلامات العالمية

هذه الحالة تكشف أن معركة التطبيع لم تعد محصورة في الحكومات. فالشركات الرياضية والتكنولوجية والترفيهية الكبرى تمتلك جمهورًا يفوق في بعض الأحيان قدرة المؤسسات السياسية والإعلامية التقليدية على الوصول إلى الناس.

وعندما يدخل الإسرائيلي إلى هذا العالم بوصفه رياضيًا أو مؤثرًا أو رجل أعمال أو نموذجًا إنسانيًا، بينما يجري فصل ظهوره عن واقع الاحتلال، يتحقق جانب من عملية التطبيع دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر.

وهذا هو الفارق بين التعامل التجاري العادي والتطبيع الثقافي؛ فالأول يتعلق ببيع منتج، أما الثاني فيبدأ عندما تساعد الثقافة والإعلانات والرياضة على تحويل واقع سياسي استثنائي قائم على الاحتلال إلى علاقة اعتيادية لا تستدعي السؤال أو الاعتراض.

المقاطعة تعيد غزة إلى المشهد

لم تمر الحملة دون مقاومة. فقد انتشرت دعوات إلى مقاطعة «أديداس»، وأعاد نشطاء نشر صور وقصص فلسطينيين فقدوا أطرافهم في غزة، واضعين إياها في مواجهة الصورة التي اختارت الشركة تقديمها.

وتحولت القضية سريعًا إلى جدل دولي، مع اتهامات للشركة بتجاهل السياق الفلسطيني وباستخدام جندي إسرائيلي سابق في حملة مرتبطة بالبتر في وقت يعيش فيه القطاع أزمة غير مسبوقة بين المصابين ومبتوري الأطراف.

وهنا أدت المقاطعة وظيفة تتجاوز محاولة إلحاق خسائر مالية بالشركة؛ إذ أعادت إدخال السياق الذي حذفه الإعلان إلى الصورة.

فبدل أن يبقى بيتون مجرد رياضي مبتور الطرف، أصبح الجمهور يعرف أنه خدم في جيش الاحتلال. وبدل أن تبقى الحملة قصة فردية، أعيد ربطها بآلاف الفلسطينيين الذين يعيشون التجربة نفسها ولكن تحت ظروف مختلفة جذريًا.

الشركة تعتذر تحت ضغط الانتقادات

مع تصاعد الأزمة، أقرت «أديداس» بأن الصورة المستخدمة في حملتها المحلية أثارت «مخاوف وردود فعل قوية»، وقدمت اعتذارًا لمن شعروا بالإساءة بسببها.

ولا يعني الاعتذار بالضرورة أن الشركة تبنت قراءة منتقديها السياسية للحملة، لكنه يكشف أهمية الضغط الشعبي على العلامات التجارية الكبرى.

فالشركات العالمية تستثمر مبالغ ضخمة في بناء صورتها، وبالتالي فإن تحويل قرار إعلاني مرتبط بالاحتلال إلى أزمة سمعة يجعل التطبيع التجاري أكثر تكلفة.

وهذه إحدى الأدوات الأساسية لحملات المقاطعة: ألا تكون العلاقة مع الاحتلال قرارًا تجاريًا بلا ثمن.

المشكلة ليست في إعاقة بيتون

من الضروري هنا الفصل بين انتقاد الحملة وبين التعامل مع بيتون باعتباره شخصًا مبتور الطرف. فإصابته لا تلغي حقه في الحصول على الخدمات الملائمة أو ممارسة الرياضة، ولا ينبغي أن تتحول الإعاقة نفسها إلى موضوع للهجوم.

الانتقاد يتعلق باختيار الشركة وسياق تقديم الشخصية.

فحين تختار علامة تجارية عالمية جنديًا سابقًا في جيش الاحتلال ليكون جزءًا من حملة إنسانية عن البتر، بينما يعاني آلاف الفلسطينيين من فقدان أطرافهم نتيجة الحرب الإسرائيلية، يصبح من المشروع مساءلة الرسالة التي تصنعها هذه الصورة.

السؤال ليس إن كان بيتون يستحق حذاءً مناسبًا لحالته؛ فهذا حق بديهي.

السؤال هو: لماذا يصبح جندي الاحتلال السابق صاحب الوجه والقصة الإنسانية، بينما يغيب عن المشهد آلاف الفلسطينيين الذين فقدوا أطرافهم تحت نيران الجيش الذي خدم فيه؟

من السفارة إلى الإعلان.. كيف يتوسع التطبيع؟

تقدم أزمة «أديداس» نموذجًا لفهم التطبيع بصورة أوسع.

في المستوى السياسي، يبدأ التطبيع باتفاقية أو سفارة. وفي المستوى الاقتصادي يبدأ بالاستثمارات والتجارة. أما في المستوى الثقافي، فيحدث عندما تصبح الشخصيات والمؤسسات المرتبطة بالاحتلال جزءًا طبيعيًا من الرياضة والإعلانات والفن والترفيه، من دون استدعاء السياق الذي يجعل العلاقة معها محل اعتراض.

ولهذا فإن معركة الصورة لا تقل أهمية عن معركة السياسة.

فالاحتلال الذي يريد علاقات طبيعية مع المنطقة والعالم لا يحتاج فقط إلى الحكومات، بل يحتاج أيضًا إلى أن يصبح الإسرائيلي جزءًا اعتياديًا من الحياة اليومية للمستهلك العربي والعالمي، بينما تتراجع فلسطين تدريجيًا خارج المشهد.

الخلاصة.. إعلان يكشف معركة أوسع على صورة الاحتلال

لم تكن أزمة «أديداس» مجرد خلاف حول إعلان رياضي، بل كشفت عن مساحة متنامية يتحرك خلالها التطبيع بعيدًا عن غرف السياسة.

جندي إسرائيلي سابق تحوّل إلى قصة إنسانية ملهمة، بينما اختفت خلفيته العسكرية تقريبًا من الصورة، وغاب معها آلاف الفلسطينيين مبتوري الأطراف الذين يعيشون مأساة صنعتها الحرب الإسرائيلية على غزة.

وعندما أعادت حملات المقاطعة هذا السياق إلى المشهد، اضطرت واحدة من أكبر شركات الملابس الرياضية في العالم إلى الرد والاعتذار عن الإساءة التي سببتها حملتها.

وهذه الواقعة تقدم درسًا يتجاوز «أديداس» نفسها: التطبيع لا يبدأ دائمًا من سفارة، ولا يحتاج بالضرورة إلى اتفاق سياسي. قد يبدأ من إعلان، أو مباراة، أو حملة تجارية تعيد تقديم المرتبطين بمؤسسات الاحتلال بوصفهم جزءًا طبيعيًا من المشهد العالمي، بينما تُدفع فلسطين إلى خارج الصورة.

وفي المقابل، تستطيع المقاطعة والضغوط الشعبية إعادة القضية إلى مكانها، وتذكير الشركات بأن تحويل الاحتلال إلى مادة إعلانية «طبيعية» ليس قرارًا بلا تكلفة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى