الشارع المغربي ينتفض ضد توسيع التطبيع ورفع العلاقات مع الاحتلال إلى مستوى السفارات
خرج مئات المغاربة في وقفات احتجاجية بعدد من مدن المملكة، تضامنًا مع الشعب الفلسطيني ورفضًا للخطوات الرامية إلى توسيع العلاقات الدبلوماسية بين الرباط والاحتلال الإسرائيلي ورفعها من مستوى مكتبي اتصال إلى سفارتين كاملتين مع تبادل السفراء.
وشملت التحركات مدن الدار البيضاء وطنجة وتطوان ومكناس وبني ملال، بدعوة من «الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع»، التي دعت إلى فعاليات متتالية خلال أيام 25 و26 و27 سبتمبر/أيلول. وردد المشاركون شعارات تطالب بإسقاط التطبيع وإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي، مؤكدين أن الارتباط بفلسطين لا يزال حاضرًا بقوة في الوجدان المغربي، رغم محاولات تحويل العلاقة مع الاحتلال إلى أمر طبيعي.
توسيع العلاقات يشعل موجة رفض جديدة
جاءت الاحتجاجات عقب إعلان وزارة الخارجية الإسرائيلية أن وزير خارجية الاحتلال جدعون ساعر عقد، في 17 سبتمبر/أيلول، اجتماعًا مع نظيره المغربي ناصر بوريطة في نيويورك، ضمن لقاء ثلاثي استضافه المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.
وبحسب الجانب الإسرائيلي، ناقش الاجتماع خطوات تستهدف رفع مستوى العلاقات بين المغرب وإسرائيل، من بينها تحويل مكتبي الاتصال إلى سفارتين وتعيين سفيرين، إلى جانب توسيع التعاون في عدد من المجالات.
ولا تمثل هذه الخطوة تعديلًا بروتوكوليًا محدودًا؛ إذ يعني تبادل السفراء الانتقال إلى مرحلة أكثر رسوخًا من التطبيع، بما يمنح الاحتلال تمثيلًا سياسيًا كاملًا داخل المغرب، ويفتح المجال أمام توسيع الشراكات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية في ظل استمرار الحرب على غزة والاعتداءات في الضفة الغربية والقدس.
فجوة بين القرار الرسمي والموقف الشعبي
استأنف المغرب علاقاته الرسمية مع الاحتلال في 10 ديسمبر/كانون الأول 2020، بعد نحو عشرين عامًا من توقف العلاقات الدبلوماسية. ومنذ ذلك الحين، شهدت المملكة احتجاجات متكررة تطالب بالتراجع عن الاتفاق ووقف التعاون مع تل أبيب.
وتكشف الوقفات الأخيرة أن مرور نحو ست سنوات على استئناف العلاقات لم ينجح في صناعة قبول شعبي بالتطبيع. فبينما تعمل المؤسسات الرسمية على نقل العلاقة إلى مستوى السفارات، تتمسك قوى سياسية ومدنية وشعبية باعتبار إسرائيل قوة احتلال، وترفض فصل التعاون معها عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
ويطرح هذا التناقض تساؤلًا جوهريًا بشأن قدرة الاتفاقيات الرسمية على تحويل الاحتلال إلى شريك طبيعي، في وقت تشاهد فيه الشعوب العربية عمليات القتل والتهجير والاستيطان والحصار بصورة يومية.
التطبيع لا يوقف العدوان
روّجت الاتفاقيات الموقعة عام 2020 لفكرة أن إقامة العلاقات مع الاحتلال قد تفتح بابًا للسلام والاستقرار والتأثير في سياساته. لكن السنوات التالية أظهرت أن إسرائيل استفادت من الاعتراف والعلاقات الاقتصادية والأمنية، من دون أن تقدم تنازلًا حقيقيًا للفلسطينيين أو توقف التوسع الاستيطاني.
بل استمر الاحتلال في فرض وقائع جديدة على الأرض، بينما تحولت العلاقات العربية الإسرائيلية إلى غطاء يساعده على تجاوز عزلته الإقليمية والتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا يمكن تهميشه.
ولهذا لا ينظر المحتجون المغاربة إلى رفع مستوى العلاقات باعتباره شأنًا دبلوماسيًا داخليًا، بل خطوة تمنح حكومة الاحتلال مزيدًا من الشرعية في لحظة تتطلب محاسبتها وعزلها.
الشارع يرفض تحويل التطبيع إلى واقع دائم
تحمل الاحتجاجات المغربية رسالة واضحة بأن توسيع العلاقات الرسمية لا يعني قبول المجتمع بها. فالسفارات والاتفاقيات تستطيع تثبيت المصالح بين الحكومات، لكنها لا تستطيع محو الذاكرة الشعبية أو تغيير حقيقة الاحتلال.
ويبدو أن الانتقال من مكتبي اتصال إلى سفارتين يهدف إلى جعل التطبيع أكثر رسوخًا وأصعب في التراجع، إلا أن استمرار الوقفات في مدن مختلفة يثبت أن الشارع المغربي ما زال يشكل جبهة مقاومة سياسية وشعبية لهذا المسار.
وبينما تمضي الرباط وتل أبيب نحو توسيع العلاقات، يؤكد المحتجون أن فلسطين ليست ورقة قابلة للمقايضة، وأن الاحتلال لا يصبح طبيعيًا بتبادل السفراء، وأن التطبيع الرسمي سيظل فاقدًا للشرعية الشعبية ما دامت الأرض محتلة وحقوق الفلسطينيين منتهكة.







