التطبيع من الاتفاقيات إلى الإعلام.. إصدار جديد يرصد مآلات القضية الفلسطينية

سلّط إصدار بحثي جديد الضوء على التحولات التي أحدثها مسار التطبيع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي، متتبعًا انتقاله من الاتفاقيات السياسية المباشرة إلى مجالات أكثر اتساعًا تشمل الاقتصاد والإعلام والثقافة، وصولًا إلى ما يعتبره الباحثون محاولة لإعادة تشكيل الوعي العربي تجاه فلسطين والاحتلال.
ودشّن «مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات» في صنعاء كتابه الأول بعنوان «الصهيونية العربية.. ومآلات القضية الفلسطينية»، بمشاركة مجموعة من الباحثين والأكاديميين، ويتناول الكتاب الظاهرة من زوايا تاريخية وسياسية وإعلامية، مع تركيز واضح على مسارات التطبيع العربي وتداعياتها على القضية الفلسطينية.
من التطبيع السياسي إلى «تمكين» الاحتلال
ينطلق الكتاب، وفق القائمين عليه، من فرضية تتجاوز النظر إلى التطبيع باعتباره مجرد إقامة علاقات دبلوماسية مع الاحتلال.
وقال رئيس مجلس أمناء المركز هاني المغلس إن الإصدار يسعى إلى تقديم إطار تحليلي لفهم ما يسميه «الصهيونية العربية» ورصد أدواتها الإعلامية والاقتصادية والسياسية، معتبرًا أنها تجاوزت مرحلة التعايش مع المشروع الصهيوني إلى المساهمة في تمكينه إقليميًا ضمن تصورات إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بعد «اتفاقيات أبراهام»، التي نقلت العلاقة بين عدد من الدول العربية والاحتلال من اتصالات متفاوتة السرية إلى تعاون رسمي ومؤسسي في قطاعات متعددة.
من كامب ديفيد إلى اتفاقيات أبراهام
يضم الكتاب ستة محاور، أحدها دراسة للباحث عبدالله صبري بعنوان «الصهيونية العربية والموقف من طوفان الأقصى»، تتتبع مسار التطبيع منذ اتفاقية كامب ديفيد وصولًا إلى اتفاقيات أبراهام.
وهذه المقارنة تضع التطبيع داخل مسار تاريخي طويل، لكنه شهد تحولًا نوعيًا في السنوات الأخيرة.
فالتطبيع التقليدي ارتبط باتفاقيات سياسية بين دول والاحتلال، بينما حمل نموذج «أبراهام» معه شبكة أكثر اتساعًا من المصالح: التجارة والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والتعاون الأمني والعسكري.
وبالتالي لم تعد المسألة مرتبطة بوجود سفارة إسرائيلية فقط، وإنما بمدى تغلغل العلاقة مع الاحتلال داخل الاقتصاد والمؤسسات والمجتمع.
الإمارات.. «الجسر البري» نموذجًا
يحضر التطبيع الإماراتي بصورة مباشرة داخل الكتاب من خلال دراسة للباحث أحمد داود بعنوان «الجسر البري بين الإمارات وإسرائيل»، تتناول مسار العلاقات الإماراتية الإسرائيلية وتداعياتها على غزة والقضية الفلسطينية.
واختيار «الجسر البري» بوصفه نموذجًا يعكس انتقال العلاقة الإماراتية الإسرائيلية من التطبيع الدبلوماسي إلى المصالح الاقتصادية واللوجستية.
فالخطورة في النموذج الإماراتي، وفق هذه القراءة، لا تكمن فقط في الاعتراف بالاحتلال، وإنما في بناء شبكات مصالح تجعل التعاون معه جزءًا من البنية الاقتصادية والإقليمية.
وبهذا يصبح التطبيع أكثر صعوبة في التراجع عنه؛ لأن العلاقة لا تعود محصورة في قرار سياسي يمكن إلغاؤه، بل ترتبط بشركات واستثمارات ونقل وتجارة واتفاقيات ومؤسسات لديها مصلحة مباشرة في استمرارها.
الإعلام بوابة أخرى للتطبيع
الإصدار لا يحصر القضية في الحكومات والاتفاقيات.
فأحد محاوره يحمل عنوان «الإعلام العربي المعادي للمقاومة في غزة»، للباحث عبدالحافظ معجب، ويتناول خطاب قناة «الحدث» نموذجًا لما يعتبره الكاتب تماهيًا مع أجزاء من السردية الإسرائيلية.
وهذه زاوية مهمة في فهم التطبيع الحديث.
فإسرائيل لا تحتاج فقط إلى دولة عربية تفتح لها سفارة؛ بل تحتاج أيضًا إلى تغيير الصورة التي يحملها المجتمع العربي عنها وعن الصراع.
ومن هنا تصبح اللغة المستخدمة في وصف الاحتلال والمقاومة والحرب والضحايا جزءًا من المعركة.
فعندما يُعاد تعريف الصراع بعيدًا عن الاحتلال وحقوق الفلسطينيين، يصبح الانتقال لاحقًا إلى قبول العلاقات السياسية والاقتصادية أسهل.
التطبيع كمعركة على الوعي
يتناول محور آخر بعنوان «مدلول التطبيع وتطبيقاته الاستراتيجية الإسرائيلية» للباحث طالب الحسني مفهوم «الصهيونية العربية» على المستويين الشعبي والرسمي.
ويشير ذلك إلى أن التطبيع، وفق رؤية الكتاب، لا يكتمل بمجرد توقيع الحكومات على الاتفاقيات، طالما بقي الرفض الشعبي للاحتلال قائمًا.
ولهذا تنتقل المعركة إلى المجتمع نفسه.
الثقافة والإعلام والرياضة والتعليم والسياحة والتجارة كلها ساحات يمكن من خلالها تحويل العلاقة مع الاحتلال تدريجيًا من أمر مرفوض إلى ممارسة اعتيادية.
والهدف النهائي ليس فقط أن تتعامل الحكومات مع إسرائيل، وإنما أن يفقد المجتمع حساسيته تجاه هذه العلاقة.
«طوفان الأقصى» واختبار التطبيع
يربط الإصدار جانبًا من تحليله بما حدث بعد «طوفان الأقصى»، معتبرًا أن الحرب على غزة كشفت بصورة أوضح طبيعة الاصطفافات العربية والإقليمية.
وأشار الباحث الفلسطيني محمد البخيتي، خلال تدشين الكتاب، إلى أن الأحداث التي أعقبت «طوفان الأقصى» ساعدت، من وجهة نظره، في كشف الخطابات والمواقف التي يتناولها الإصدار بالنقد.
وهنا برز اختبار حقيقي لاتفاقيات التطبيع.
فبعد سنوات من تسويق العلاقات مع الاحتلال باعتبارها وسيلة لصناعة «السلام» والتأثير فيه، جاءت الحرب على غزة لتطرح سؤالًا مباشرًا حول ما حققته تلك العلاقات للفلسطينيين.
فلسطين تتراجع داخل معادلة التطبيع
المشكلة الأعمق التي يثيرها الكتاب هي انتقال القضية الفلسطينية تدريجيًا من كونها شرطًا سابقًا للعلاقات العربية الإسرائيلية إلى ملف منفصل عنها.
فالمعادلة العربية التقليدية كانت تقوم، نظريًا على الأقل، على:
إنهاء الاحتلال وتسوية القضية الفلسطينية، ثم إقامة العلاقات.
أما نموذج اتفاقيات أبراهام فسمح بقلب المعادلة:
التطبيع أولًا، بينما تبقى فلسطين قضية مؤجلة.
وهذا هو أحد أكبر المكاسب الاستراتيجية التي حصل عليها الاحتلال.
فبدل اضطراره إلى تقديم تنازلات للفلسطينيين للحصول على الاعتراف العربي، أصبح قادرًا على بناء علاقات عربية واسعة بينما يستمر الصراع نفسه.
التطبيع ليس سفارة فقط
القيمة الأساسية التي يطرحها الإصدار تكمن في توسيع تعريف التطبيع.
ففتح السفارات هو الشكل الأكثر وضوحًا، لكنه ليس الشكل الوحيد.
هناك تطبيع اقتصادي يجعل الشركات الإسرائيلية شريكًا في الأسواق العربية.
وتطبيع أمني وعسكري يجعل الاحتلال شريكًا في ترتيبات المنطقة.
وتطبيع إعلامي يعيد صياغة صورة الصراع.
وتطبيع ثقافي وأكاديمي ورياضي يضع الإسرائيلي والعربي في علاقة «طبيعية» منفصلة عن واقع الاحتلال.
وكلما توسعت هذه المستويات، أصبح التطبيع السياسي أكثر رسوخًا.
معركة التطبيع الحقيقية تبدأ بعد توقيع الاتفاق
لهذا فإن اتفاقيات أبراهام لم تكن نهاية عملية التطبيع، بل بدايتها.
التوقيع الرسمي يفتح الباب، لكن المرحلة التالية هي الأهم: بناء شبكة من المصالح والعلاقات تجعل وجود الاحتلال داخل المنطقة أمرًا يصعب فصله عن الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا والإعلام.
وهذه هي القضية التي يحاول كتاب «الصهيونية العربية.. ومآلات القضية الفلسطينية» وضعها أمام النقاش العربي.
فالسؤال لم يعد فقط: من طبّع مع إسرائيل؟
بل أصبح:
كيف يتحول التطبيع من قرار سياسي اتخذته حكومة إلى واقع اقتصادي وإعلامي وثقافي يُراد للمجتمع العربي أن يتعايش معه؟
وهنا تكمن المواجهة الأعمق؛ لأن الاحتلال الذي يفشل في الحصول على الشرعية الشعبية عبر السياسة قد يحاول الوصول إليها تدريجيًا عبر السوق والإعلام والثقافة.
وبحسب المشاركين في تدشين الإصدار، فإن مواجهة هذا المسار تبدأ من كشف أدواته وتعزيز الوعي بمخاطره، في محاولة لمنع تحول العلاقات الرسمية مع الاحتلال إلى قبول شعبي دائم به.







