من العدوان إلى التفاوض.. لقاء الشيباني برئيس الموساد يفتح باب التطبيع السوري

أثار لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في العاصمة الأردنية عمّان موجة انتقادات واسعة، وسط اتهامات للإدارة السورية بالاقتراب خطوة جديدة من التطبيع مع الاحتلال، في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تحتل أراضي سورية وتشن هجمات داخل البلاد.

وجرى اللقاء في 23 أغسطس/آب بوساطة أمريكية، ضمن اتصالات قالت دمشق إنها تهدف إلى خفض التصعيد ودعم الاستقرار، عقب الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة وتصاعد التوتر في الجنوب السوري.

لكن طبيعة اللقاء وتوقيته تطرحان سؤالًا يتجاوز عنوان «خفض التصعيد»: كيف يتحول الطرف الذي يحتل الأرض ويقصف سوريا إلى شريك تجلس معه دمشق للتفاوض على ترتيبات أمنية؟

وزير الخارجية أمام رئيس الموساد

الأكثر دلالة أن الطرف الإسرائيلي في اللقاء لم يكن وزير الخارجية أو مسؤولًا دبلوماسيًا، وإنما رئيس جهاز «الموساد».

وهذا الاختيار أثار انتقادات بشأن طبيعة العلاقة التي تريد إسرائيل فرضها على سوريا؛ فوجود وزير الخارجية السوري في مواجهة رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي يعطي انطباعًا بأن تل أبيب تتعامل مع الملف السوري أساسًا باعتباره ملفًا أمنيًا، لا علاقة بين دولتين متكافئتين تبحثان إنهاء الاحتلال.

ويزداد المشهد حساسية لأن غوفمان مقرب من بنيامين نتنياهو، فيما تواصل الحكومة الإسرائيلية فرض شروط تتعلق بالجنوب السوري وترتيباته العسكرية.

الاحتلال يتقدم.. ودمشق تفاوض

جاء اللقاء بينما تواصل إسرائيل احتلال مواقع جديدة داخل المنطقة العازلة في جنوب سوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد، إلى جانب الجولان السوري المحتل منذ عام 1967.

كما استمرت الغارات والتدخلات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بالتوازي مع مطالب إسرائيلية بإعادة صياغة الوضع الأمني في الجنوب وفق مصالحها.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية في مسار التفاوض.

فالاحتلال لا يدخل المحادثات بعدما تراجع عن عدوانه، وإنما يتفاوض بينما يحتفظ بالأرض وبالتفوق العسكري وقدرته على القصف.

وبذلك يمكن أن تتحول الوقائع التي فرضتها إسرائيل بالقوة إلى نقطة البداية لأي تفاهم جديد.

235 كيلومترًا مربعًا تحت الاحتلال

بحسب ما أورده تقرير «شبكة قدس»، أشار المحلل ياسر الزعاترة إلى أن الاحتلال سيطر على نحو 235 كيلومترًا مربعًا من الأراضي السورية عقب سقوط النظام السابق، معتبرًا أن الحد الأدنى لأي تفاهم يجب أن يكون انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها ووقف اعتداءاتها على السيادة السورية.

وهذه النقطة جوهرية.

فإذا أصبحت المفاوضات تدور حول كيفية إدارة الجنوب السوري بدل الانسحاب الإسرائيلي منه، يكون الاحتلال قد نجح في نقل النقاش من سؤال:

متى تنسحب إسرائيل؟

إلى سؤال:

ما الترتيبات الأمنية التي ترضي إسرائيل؟

وهذا تحول يخدم الاحتلال قبل أي طرف آخر.

«خفض التصعيد» أم تطبيع تدريجي؟

تبرر دمشق الاتصالات بالحاجة إلى منع الحرب وحماية سوريا في ظل اختلال كبير في ميزان القوى.

وهذه حجة لا يمكن تجاهلها؛ فالدولة السورية الخارجة من سنوات الحرب تواجه ظروفًا اقتصادية وعسكرية وسياسية شديدة التعقيد، وقد ترى الإدارة الجديدة أن التفاوض وسيلة لشراء الوقت ومنع مزيد من الدمار.

لكن الضرورة الأمنية لا تلغي المخاطر السياسية.

فالتفاوض عبر وسيط لوقف اعتداء عسكري شيء، وتحويل اللقاءات المباشرة مع كبار مسؤولي الاحتلال إلى مسار مستمر شيء آخر.

ولهذا اعتبر منتقدون للقاء أن الاتصالات المباشرة نفسها تمثل شكلًا من أشكال التطبيع، خصوصًا إذا لم تكن مرتبطة بجدول واضح للانسحاب الإسرائيلي.

إسرائيل تريد سوريا «منزوعة المخاطر»

توضح السياسات الإسرائيلية في الجنوب أن تل أبيب لا تبحث فقط عن الهدوء على حدودها.

إسرائيل تريد التأثير في شكل الوجود العسكري السوري، وفي انتشار القوات وقدراتها، وفي طبيعة القوى الموجودة قرب المناطق التي تحتلها.

أي أنها تسعى إلى تحويل تفوقها العسكري إلى قيود دائمة على السيادة السورية.

وإذا قبلت دمشق الدخول في مفاوضات من نقطة البداية التي فرضتها إسرائيل بالقوة، فإن الخطر هو أن تتحول هذه المطالب تدريجيًا إلى «ترتيبات أمنية» معترف بها.

وهكذا يحصل الاحتلال عبر التفاوض على جزء مما فرضه بالقصف والتوغل.

التطبيع قبل الانسحاب

المفارقة الأشد أن الاتصالات تتقدم بينما لا توجد تسوية لمسألة الأراضي السورية المحتلة.

الجولان ما يزال تحت الاحتلال.

ومواقع جديدة في الجنوب أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية.

والغارات لم تتوقف بصورة تضمن السيادة السورية.

ورغم ذلك أصبح رئيس الموساد يجلس مباشرة أمام وزير الخارجية السوري.

وهنا يظهر الخطر الذي عرفته تجارب تطبيع عربية أخرى: أن تحصل إسرائيل على العلاقة قبل أن تدفع ثمن السلام.

فبدل المعادلة التقليدية: الانسحاب ثم العلاقات، يصبح المسار الجديد: العلاقات والتنسيق أولًا، أما الأرض فتبقى موضوعًا لمفاوضات لاحقة.

ترامب يدفع المنطقة نحو إسرائيل

لا يمكن فصل اللقاء عن السياسة الأمريكية الأوسع في المنطقة.

فإدارة ترامب تعمل على توسيع دائرة الدول العربية والإسلامية المنخرطة في علاقات مع إسرائيل، وقد تحدثت تقارير خلال الأشهر الماضية عن ضغوط واتصالات أمريكية لإضافة دول جديدة إلى مسار «اتفاقيات أبراهام».

وسوريا تمثل جائزة سياسية كبيرة لهذا المشروع.

فالعلاقة مع دمشق تختلف رمزيًا عن التطبيع مع دولة لم تخض حربًا مباشرة مع إسرائيل؛ فسوريا تحمل ملف الجولان، وتاريخًا طويلًا من الصراع، وموقعًا جغرافيًا شديد الحساسية.

ولذلك فإن انتقال دمشق إلى علاقة مباشرة ومستقرة مع تل أبيب سيكون إنجازًا استراتيجيًا لإسرائيل وواشنطن.

من الخصومة إلى «الشريك الأمني»

أخطر ما يمكن أن تنتجه اللقاءات ليس توقيع اتفاق تطبيع غدًا، وإنما التغيير التدريجي في تعريف إسرائيل داخل السياسة السورية.

اليوم لقاء لخفض التصعيد.

غدًا ترتيبات أمنية.

بعده آلية اتصال دائمة.

ثم لجان مشتركة.

وبمرور الوقت يتحول الاحتلال من عدو يحتل أرضًا سورية إلى طرف تفاوضي وشريك في إدارة أمن الحدود.

وهكذا تعمل عمليات التطبيع عادة: ليس بقفزة واحدة، وإنما بتحويل الاستثناء إلى ممارسة متكررة، ثم تحويل الممارسة إلى علاقة طبيعية.

الاحتلال يفرض المشكلة ثم يفاوض على حلها

وهذه هي المفارقة الأساسية في اللقاء.

إسرائيل توسعت في الجنوب.

إسرائيل قصفت سوريا.

إسرائيل فرضت شروطًا أمنية.

ثم تجلس مع دمشق للتفاوض على كيفية «خفض التصعيد».

أي أن الطرف الذي صنع التصعيد يتحول إلى شريك في إدارة الحل.

والخطر أن تحصل تل أبيب في النهاية على ترتيبات أمنية سورية تلبي مخاوفها، من دون أن تضطر إلى تقديم مقابل مماثل يتعلق بالجولان أو الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلتها حديثًا.

الرفض الشعبي يضع دمشق أمام اختبار

أظهرت ردود الفعل أن اللقاء لا يمر بسهولة في الشارع السوري والعربي.

فانتقادات واسعة ركزت على رمزية جلوس وزير الخارجية السوري مع رئيس جهاز الموساد، وعلى إجراء الاتصالات بينما يواصل الاحتلال اعتداءاته. وفي المقابل، دافع آخرون عن التفاوض باعتباره ضرورة سياسية لتجنيب سوريا حربًا جديدة في ظل ضعف إمكاناتها الحالية.

لكن حتى وفق منطق الضرورة، يبقى السؤال عن الخط الأحمر لهذا المسار:

هل الهدف وقف العدوان واستعادة الأراضي؟

أم بناء علاقة جديدة مع إسرائيل؟

والفارق بين الاثنين كبير.

لا تجعلوا الاحتلال ثمنًا للاستقرار

تحتاج سوريا بلا شك إلى الاستقرار ووقف الاعتداءات وإعادة البناء.

لكن الاستقرار الذي يُبنى على قبول الوقائع التي فرضها الاحتلال بالقوة قد يتحول إلى تثبيت لها، لا إنهائها.

فإسرائيل التي تقصف سوريا اليوم لا ينبغي أن تحصل غدًا على مكافأة سياسية مقابل وقف القصف الذي بدأته بنفسها.

وأي مفاوضات لا تضع الانسحاب من الأراضي السورية ووقف الاعتداءات واستعادة السيادة في قلبها تخاطر بأن تتحول من أداة لاحتواء الاحتلال إلى طريق لتطبيعه.

لقاء الشيباني برئيس الموساد ليس اتفاق تطبيع رسميًا حتى الآن، ولا يثبت وحده أن دمشق قررت الانضمام إلى «اتفاقيات أبراهام». لكنه يمثل خطوة خطيرة في تطبيع الاتصال المباشر مع الاحتلال.

فالطريق إلى التطبيع لا يبدأ دائمًا بسفارة وعلم واتفاق معلن.

أحيانًا يبدأ باجتماع يقال إنه «أمني وضروري»، ثم يصبح الاجتماع الثاني أقل إثارة، والثالث اعتياديًا، حتى يصبح الاحتلال الذي يحتل أرضك ويقصف بلادك طرفًا طبيعيًا تجلس معه.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي أمام دمشق ليس ما إذا كانت ستتفاوض، بل ما الذي ستحصل عليه سوريا من التفاوض: انسحاب الاحتلال ووقف عدوانه، أم مجرد ترتيبات تمنح إسرائيل الأمن بينما تبقى الأرض السورية تحت سيطرتها؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى