إجرام عابر للحدود: شبكة اماراتية لتشويه المسلمين وترويج الدعاية الإسرائيلية في أوروبا

كشفت معطيات بحثية وإعلامية متقاطعة عن شبكة إماراتية منظمة تنشط في بريطانيا وأوروبا، تقود حملات ممنهجة لتشويه صورة المسلمين والمهاجرين، وتروّج للدعاية الإسرائيلية وخطاب اليمين المتطرف، في سياق سياسي وإعلامي لا يمكن فصله عن اتفاقية التطبيع التي وقّعتها أبوظبي مع الاحتلال الإسرائيلي، وما تبعها من إعادة تموضع إماراتي باعتباره “حليفًا حضاريًا للغرب” في مواجهة ما تصفه بـ«التطرف الإسلامي».

وجاء الكشف عن هذه الشبكة متزامنًا مع قرار إماراتي رسمي بوقف تمويل المنح الدراسية للطلاب الإماراتيين الراغبين في الدراسة بالجامعات البريطانية، بذريعة «مخاوف من التطرف الإسلامي». القرار استبعد بريطانيا بالكامل من قائمة الجامعات المعتمدة، في مقابل إدراج جامعات في إسرائيل إلى جانب مؤسسات في الولايات المتحدة وفرنسا وأستراليا، في إشارة سياسية صريحة تتجاوز الاعتبارات التعليمية.

ورغم أن توجيه الدعم التعليمي شأن سيادي، فإن تبرير القرار بخطر «التطرف الإسلامي في الجامعات البريطانية» أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية، باعتباره خطابًا تحريضيًا ضد المسلمين، ويتقاطع بوضوح مع حملات منظمة تستهدف الجاليات المسلمة في أوروبا وتتبنّى سرديات اليمين المتطرف.

شبكة رقمية بتنسيق مركزي

وفق رصد أجراه أستاذ دراسات الإعلام بجامعة دورهام البريطانية والباحث المتخصص في شؤون الخليج Marc Owen Jones، فإن شبكة لا تقل عن عشرة حسابات مؤثرة على منصة «إكس» تعود لأشخاص إماراتيين تعمل بتنسيق واضح على ترويج سردية واحدة: إسرائيل تمثل خط الدفاع الأول عن “الحضارة الغربية”، واليمين الجديد هو الحامي الحقيقي لأوروبا من «خطر المهاجرين المسلمين»، فيما تُقدَّم الإمارات بوصفها العقل المنسق لهذا التحالف.

وتكشف المعطيات أن سبعة من هذه الحسابات أُنشئت خلال فترة زمنية ضيقة بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ويناير/كانون الثاني 2025، ما ينفي فرضية النشاط الفردي العفوي ويؤكد التأسيس المتعمد. ومن بين الأسماء البارزة: روضة الطنيجي، مريم المزروعي، عبد القادر المنهلي، ميرا زايد، وماجد السعيدي. كما أن معظمهم أنشأ حسابات موازية على «إنستغرام» في التوقيت نفسه، أو أعاد تفعيل حسابات خاملة، بما يعزّز فرضية العمل المنظم.

أمجد طه… “مدير الظل”

تضع التحقيقات أمجد طه في قلب هذه الشبكة. طه، الذي يعرّف نفسه بوصفه «محللًا سياسيًا»، يرأس شركة إعلانات تُدعى Crestnux، ويُنظر إليه باعتباره المدير الفعلي لغرفة العمليات. يُنتَج المحتوى أولًا على حساباته، ثم يُعاد نشره حرفيًا أو بصيغ متقاربة عبر بقية الحسابات، في نمط يعكس قيادة مركزية.

ويتمحور هذا المحتوى حول تبنّي كامل للرواية الإسرائيلية بشأن حرب غزة، وتبرير الجرائم باعتبارها «حربًا دفاعية عن الغرب»، إلى جانب مهاجمة الإسلام والمسلمين ومنظمات المجتمع المدني، وربط الهجرة بالإرهاب وعدم الاستقرار. هذا الخطاب لا ينفصل عن منطق التطبيع الذي يحاول إعادة تعريف الاحتلال بوصفه شريكًا أمنيًا وأخلاقيًا.

إنتاج موحّد وذكاء اصطناعي

خلال ثلاثة أشهر، بدأ أعضاء الشبكة نشر مقاطع فيديو متشابهة في الشكل والإخراج، تبيّن أنها مصوّرة في ستوديو واحد يُرجّح ارتباطه بمنصة إعلامية إماراتية تُعرف باسم OnePodcast. التوحّد البصري واللغوي يعكس إنتاجًا مركزيًا لا اجتهادات فردية.

كما نشر ثمانية من أعضاء الشبكة كتبًا باللغة الإنجليزية عبر دار نشر أمريكية واحدة تعمل بنظام النشر حسب الطلب. هذه الكتب، الخالية من المراجع الأكاديمية، تحمل مؤشرات قوية على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وتكرّر العناوين نفسها حول «خطر الإسلام السياسي» و«تهديد الهجرة لأوروبا».

من الرقمي إلى الميداني

لا يقتصر النشاط على الفضاء الرقمي؛ إذ رُصد حضور منسّق لأعضاء الشبكة في مؤتمرات وفعاليات ينظمها اليمين المتطرف في بريطانيا، وزيارات لجامعات ومراكز أبحاث في الولايات المتحدة. الرسالة واحدة: تبييض الاحتلال، شيطنة المسلمين، وتقديم الإمارات رأس حربة في هذا المسار.

ويمتد الاستهداف إلى أصوات متضامنة مع فلسطين من خارج الدائرة الإسلامية، كما حدث مع Greta Thunberg التي تعرّضت لهجوم منسّق عقب مشاركتها في محاولة كسر الحصار عن غزة.

مواقع مفبركة وتضليل عابر للحدود

بالتوازي، غذّت الشبكة محتوى مواقع إخبارية ظهرت في التوقيت نفسه وتعتمد على محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي، مثل The Washington Eye وDaily Euro Times وBrieflex وAfricalix وInfoFlix. ونشرت هذه المنصات أخبارًا مفبركة تخدم السرديات الإماراتية، بينها تقرير ادّعى تحويل رئيس وزراء ليبي 400 مليون دولار إلى تركيا، قبل أن يتبيّن عدم صحته.

ويمتد النشاط إلى الولايات المتحدة عبر موقع New York Insight الذي يهاجم الجيش السوداني ويُلمّع ميليشيا الدعم السريع، فضلًا عن الارتباط بمواقع يمينية متطرفة معادية للمسلمين مثل Visegrad24.

سياق واحد: التطبيع وتصدير الكراهية

تُظهر هذه المعطيات أن قرار وقف المنح الدراسية في بريطانيا ليس إجراءً معزولًا، بل حلقة في سلسلة سياسات دعائية تتغذّى من اتفاقية التطبيع، وتستهدف تصدير خطاب كراهية يشرعن الاحتلال ويقوّض التعايش في المجتمعات الأوروبية. وبينما يحق لأي دولة معارضة الإسلام السياسي، فإن تحويل هذا الموقف إلى حملة عالمية لتشويه المسلمين وتبرير جرائم الحرب يضع هذه السياسات في خانة الإجرام الدعائي العابر للحدود، ويطرح أسئلة جدية حول مسؤولية الإمارات—وأمجد طه تحديدًا—في صناعة هذا المشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى