تطبيع إماراتي عبر بوابة التعليم: معهد ممول من أبوظبي يحرض على المناهج الفلسطينية لخدمة رواية الاحتلال

في خطوة تعكس تداخل المال السياسي الإماراتي مع حملات التحريض الإسرائيلية ضد الهوية الوطنية الفلسطينية، صعّد معهد IMPACT-se— المعروف بصلاته التمويلية الوثيقة بالإمارات — من هجومه على المناهج المدرسية الفلسطينية، متّهما إياها بما وصفه بـ”التحريض” و”تمجيد العنف”. 

التقرير لم يكن مجرد تقييم تربوي، بل بدا أقرب إلى محاولة سياسية منظمة لانتزاع جوهر الرواية الفلسطينية من عقول الأجيال الجديدة، في سياق مسار تطبيع يتسع ويزداد عمقًا لصالح الاحتلال.

هجوم جديد تحت لافتة “تحسين التعليم”

التقرير الأخير للمعهد، المكوّن من 400 صفحة، يقدّم نفسه كتحليل “علمي” لـ290 كتابًا و71 دليل معلم عبر مختلف المراحل الدراسية من الصف الأول حتى الثاني عشر. لكن خلف هذا الحجم الضخم من المحتوى، يكمن سؤال مركزي: لماذا تضع الإمارات ثقلها المالي في مؤسسة انخرطت تاريخيًا في التحريض على المناهج الفلسطينية؟ ولماذا يتزامن هذا التصعيد مع أوسع مرحلة تطبيع عربي–إسرائيلي منذ عقود؟

الإجابة تظهر بوضوح في الفقرة الأولى من التقرير: “التحريض مستمر رغم تعهّدات السلطة الفلسطينية للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وماكرون بإزالة المضامين العدائية.”

بهذا المنطق، يتحول التعليم الفلسطيني — الذي ينظر إليه الاحتلال منذ سنوات كعقبة أمام روايته — إلى ساحة صراع سياسي، يتم فيها تحميل الفلسطينيين مسؤولية “العنف” وتبرئة الاحتلال من جذور الصراع المتمثلة في الاستعمار والتهجير والقتل اليومي.

تحويل المقاومة إلى تهمة: دلال المغربي “إرهابية” وفق المعهد الممول إماراتيًا

وصولًا إلى التفاصيل، يكرر التقرير سردية إسرائيلية خالصة. فهو يعتبر أن ذكر شخصيات وطنية فلسطينية مثل دلال المغربي في نصوص الصف الخامس هو “تمجيد للإرهاب”. ويتهم كتب اللغة العربية بأنها تعرض “رسومات لقتل جنود إسرائيليين” بهدف “تحريض الطلاب”.

بالمقابل، لا يذكر التقرير شيئًا عن صور الأطفال الفلسطينيين الذين يقتلون يوميًا، ولا عن اقتحامات المدارس، ولا عن استهداف الاحتلال للمناهج نفسها منذ سنوات طويلة عبر الضغط الأوروبي والدبلوماسية الإعلامية. كل الصورة مقتطعة من سياقها، مصممة لخلق انطباع واحد: الفلسطيني هو المشكلة.

تسييس العلوم: من رشق الحجارة إلى دروس الفيزياء

ويمضي التقرير إلى أبعد من ذلك، متّهمًا كتب العلوم نفسها بأنها “تستغل” لترويج التحريض. فالفيزياء — بحسب المعهد — تُشرح عبر أمثلة مرتبطة برشق الحجارة، والبيولوجيا عبر صور “طفل فلسطيني شهيد”، والكيمياء من خلال أمثلة عن إضرابات الأسرى.

هنا يظهر قصد سياسي واضح: كل تعبير عن واقع الاحتلال يصبح تحريضًا. كل ذكر للشهيد يصبح جريمة. كل إشارة إلى المقاومة تتحول إلى دليل على “التطرف”.

إنه ما يشبه محاولة محو كاملة للسردية الفلسطينية، عبر إعادة تعريف ضحايا الاحتلال كمعتدين، والمعتدي كضحية.

اتهامات للسلطة الفلسطينية: ضغط إماراتي–إسرائيلي لتغيير الهوية

لا يكتفي المعهد بإدانة الكتب، بل يهاجم السلطة الفلسطينية أيضًا، متهمًا إياها بالإخلال بالتزاماتها تجاه الاتحاد الأوروبي لإزالة “التحريض” بحلول سبتمبر 2024. التحقيق يتهم السلطة بالتضليل، وبأن التعديلات “شكلية”.

اللافت أن هذه الاتهامات جاءت في وقت تمارس فيه الإمارات ضغوطًا علنية لدفع السلطة والفصائل الفلسطينية نحو خيار التطبيع، في ظل انخراط أبوظبي بشكل عميق في التعاون الأمني والسياسي مع تل أبيب منذ اتفاقيات أوسلو الجديدة بصيغتها الإقليمية.

بعبارة أخرى، التقرير ليس مجرد مراجعة مناهج، بل أداة ضغط سياسية ذات هدف واضح: تفريغ الهوية الفلسطينية من مضمونها الوطني المقاوم.

“مراجعة” غير محايدة: ترجمات مشوهة واقتباسات مبتورة لخدمة الأجندة الإسرائيلية

منتقدو معهد IMPACT-se — بمن فيهم باحثون دوليون — أشاروا سابقًا إلى مشكلات منهجية كبيرة في تقاريره: ترجمات خاطئة، اقتطاعات من السياق، تجاهل الوقائع التاريخية، وتحويل نصوص أدبية أو وطنية إلى مواد “تحريضية”.

هذه الانتقادات ليست تفصيلًا؛ فهي تعكس صورة نمطية لمؤسسات مرتبطة بالحملات الإسرائيلية الرامية لتجريم كل ما هو فلسطيني، خصوصًا تلك التي تُظهر الطفل الفلسطيني كصاحب حق أو كتجسيد لمعاناة شعب يرزح تحت الاحتلال.

التطبيع عبر محو الوعي: الإمارات تستهدف المناهج لدعم الرواية الإسرائيلية

منذ توقيع اتفاق التطبيع الإماراتي–الإسرائيلي، تحوّل التعليم إلى واحدة من أكثر الساحات حساسية. أبوظبي — التي تعرض نفسها كـ”حاضنة للتسامح” — بدأت تمويل مؤسسات تعمل على إعادة تشكيل مفهوم الصراع ليبدو وكأنه خلاف بين “حضارتين” لا بين شعب محتل وقوة استعمارية.

وهذا التمويل يهدف، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى:

  • إضعاف ثقافة المقاومة لدى الجيل الفلسطيني الجديد
  • تجميل صورة الاحتلال تحت شعار “السلام”
  • الترويج لفكرة أن المشكلة ليست الاحتلال، بل المناهج
  • صناعة جيل فلسطيني منزوع الهوية الوطنية

إنه ليس فقط تطبيعًا سياسيًا، بل تطبيع تربوي، أخطر من كل أشكال التطبيع السابقة، لأنه يستهدف المستقبل.

الخلاصة: تقرير إماراتي بلسان إسرائيلي

عند قراءة التقرير بتمعّن، يتضح أنه لا يحمل أي محاولة لفهم السياق الفلسطيني، ولا يعترف بوجود احتلال، ولا يقدّم رؤية تربوية محايدة. إنه ببساطة نسخة أخرى من الرواية الإسرائيلية، لكن هذه المرة بتمويل عربي، وتحديدًا إماراتي.

ما يقوم به معهد IMPACT-se ليس تقييمًا تربويًا، بل محاولة منهجية لتفكيك الهوية الوطنية الفلسطينية وإعادة تشكيلها بما يتماشى مع مسار التطبيع الإماراتي المتسارع.

إنها خطوة جديدة في مشروع أوسع: إعادة هندسة الوعي العربي بحيث يصبح الاحتلال “طبيعيًا”، والمقاومة “تطرفًا”، والهوية الفلسطينية “عائقًا أمام السلام”.

وهو مشروع يخدم طرفًا واحدًا فقط: الاحتلال الإسرائيلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى