توغل جديد في بنت جبيل.. رسائل إسرائيلية بالنار أم اختبار لصبر حزب الله؟

تشهد الحدود الجنوبية للبنان عودة خطيرة إلى مربع التوتر بعد توغل ثلاث آليات عسكرية إسرائيلية صغيرة (ATV) داخل منطقة خلة وردة في قضاء بنت جبيل، أحد أكثر النقاط حساسية في معادلة الردع بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي. التوغل الذي جرى ليل الاثنين ـ الثلاثاء، ترافق مع تحليق مكثف للطيران المسير الإسرائيلي فوق بلدات النبطية وصيدا والزهراني، في مشهد يكرّس استمرار سياسة “الاختراق المتعمد” لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الطرفين أواخر عام 2024.
خرق جديد للسيادة اللبنانية
الآليات الإسرائيلية التي دخلت مسافة محدودة داخل الأراضي اللبنانية تمثل خرقاً واضحاً للخط الأزرق وللقانون الدولي، في وقت لا تزال فيه لبنان تلوّح بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن بعد الغارات التي شنّتها إسرائيل قبل أيام على منطقة اقتصادية جنوب البلاد، وأدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منشآت تجارية.
تحرك تل أبيب الميداني الجديد يأتي إذاً كإشارة تحدٍّ لبيان الخارجية اللبنانية الذي طالب بمحاسبة إسرائيل على “انتهاك السيادة اللبنانية وحقوق المدنيين”، ما يجعل هذا التوغل أقرب إلى رسالة سياسية ميدانية منها إلى عملية عسكرية محدودة.
تصعيد محسوب أم اختبار للاتفاق؟
منذ توقيع اتفاق وقف النار بين حزب الله والاحتلال في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لم تهدأ الجبهة الجنوبية. فإسرائيل سجّلت أكثر من 4500 خرق في أقل من عام، شملت غارات جوية، قصفاً مدفعياً، وتوغلات محدودة.
ويرى مراقبون أن التوغل الأخير في بنت جبيل ليس مجرد حادث تكتيكي، بل اختبار جديد لقدرة حزب الله على “ضبط النفس” في ظل الضغوط الإقليمية والدولية الرامية لمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة.
دلالات التوقيت
يأتي التصعيد الإسرائيلي بعد أسابيع من مؤشرات توتر داخل حكومة الاحتلال، وتزايد الانتقادات الداخلية لقيادتها العسكرية بسبب ما يُعتبر “تآكل الردع” أمام حزب الله. كما يتزامن مع حراك دبلوماسي لبناني مكثّف في الأمم المتحدة، الأمر الذي قد يفسّر رغبة تل أبيب في إعادة خلط الأوراق ميدانياً وفرض واقع جديد قبل أي بحث دولي في خروقاتها السابقة.
رسالة مزدوجة لبيروت وحزب الله
تحركات الاحتلال الأخيرة تحمل أكثر من بعد:
- سياسي: توجيه رسالة إلى الدولة اللبنانية بأن الشكوى الأممية لن تغيّر شيئاً في سلوك إسرائيل الميداني.
- عسكري: جس نبض الجاهزية الدفاعية لحزب الله ومدى استعداده للرد على اختراق محدود.
- إعلامي: خلق حالة ضغط داخلي في لبنان، عبر إظهار ضعف الدولة في ضبط الحدود رغم الاتفاقات الأممية.
لبنان بين التصعيد والاحتواء
تجد الحكومة اللبنانية نفسها مجدداً في موقف حرج؛ فهي مطالبة بالتحرك دبلوماسياً للدفاع عن سيادتها، دون أن تفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة. أما حزب الله، فيدرك أن أي رد عسكري قد يعيد الجبهة إلى مربع الحرب الشاملة التي أنهكت لبنان عام 2023، ومع ذلك فإن استمرار الخروقات قد يفرض عليه “رداً مدروساً” لاستعادة توازن الردع.
التوغل الإسرائيلي في بنت جبيل ليس حادثاً عرضياً بل حلقة في سلسلة تصعيد تدريجي هدفها إبقاء لبنان في حالة استنزاف دائم، واختبار حدود صبر حزب الله أمام الضغوط السياسية.
وفي ظل استمرار التحليق المكثف للطائرات المسيرة فوق الجنوب، يبدو أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة من الحرب الباردة الميدانية، حيث تختبر تل أبيب الأرض، وترد بيروت بالسياسة، بينما يبقى المدنيون في الجنوب هم الخاسر الأكبر.






