الغارات الإسرائيلية على السويداء.. الرسائل والتداعيات في لحظة فراغ سوري

أولاً: الخلفية الميدانية للأحداث

شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية مكثفة على مواقع داخل محافظة السويداء جنوب سوريا، في تطور غير مسبوق من حيث النطاق والموقع الجغرافي. وبحسب الرواية الإسرائيلية، جاءت الغارات بتوجيه مباشر من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، واستهدفت قوات “تم إدخالها مؤخرًا” إلى المدينة، في إشارة إلى القوات الحكومية السورية التي بدأت قبل أيام عمليات انتشار في المحافظة المضطربة.

 بيان الجيش الإسرائيلي وصف الغارات بأنها رد على “تعزيزات عسكرية” دخلت المدينة، على الرغم من إعلان الجيش السوري سحب آلياته الثقيلة.

القناة 12 العبرية وصفت الهجمات بأنها “واسعة النطاق”، فيما أشارت إذاعة جيش الاحتلال إلى استهداف مباشر لدبابة سورية بعد دخول قوات النظام صباح اليوم إلى السويداء.

ثانيًا: الوضع الداخلي في السويداء

جاءت الغارات بعد تصاعد التوترات داخل السويداء منذ أيام، نتيجة مواجهات عنيفة اندلعت بين مجموعات مسلحة درزية وأخرى بدوية، على خلفية صراعات محلية. المواجهات أسفرت عن سقوط أكثر من 30 قتيلاً وأكثر من 100 جريح، معظمهم من عناصر المجموعات المتقاتلة، مع تسجيل أضرار بين المدنيين.

في هذا السياق، أعلن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة وقفًا تامًا لإطلاق النار، بعد اتفاق مع وجهاء وأعيان المدينة، مشددًا على ضرورة حماية الأهالي وانتشار الشرطة العسكرية لضبط السلوك العسكري.

ثالثًا: أهداف إسرائيل من قصف السويداء

رغم أن إسرائيل كثفت في السنوات الماضية ضرباتها لمواقع في الجنوب السوري، إلا أن استهداف مدينة السويداء ذات الأغلبية الدرزية يحمل أبعادًا سياسية وعسكرية أعمق:

1. رسالة إلى دمشق:

الهجوم يأتي كرسالة واضحة للحكومة السورية الجديدة، بعد انهيار نظام بشار الأسد، بأن أي تموضع عسكري في الجنوب القريب من الجولان المحتل سيكون تحت مرمى النار، بصرف النظر عن هوية الحكومة أو طبيعة القوات المنتشرة.

2. إدارة الفراغ جنوب سوريا:

تشير التحركات الإسرائيلية إلى سعيها لملء الفراغ الأمني جنوب سوريا في ظل الفوضى، عبر إضعاف أي قوة محتملة قادرة على إعادة ترتيب الأوضاع.

3. رسالة داخلية درزية:

السويداء ذات الغالبية الدرزية لها حساسية خاصة في إسرائيل، حيث توجد طائفة درزية كبيرة داخل فلسطين المحتلة، والضربات قد تكون أيضًا رسالة إلى دروز الداخل مفادها أن تل أبيب “لن تسمح” بتطور قوة درزية مستقلة على حدودها، خاصة إن تعارضت مع المصالح الإسرائيلية.

4. تصدير الأزمة السياسية الداخلية:

نتنياهو يعيش ضغوطًا داخلية شديدة مرتبطة بالحرب على غزة واستمرار العمليات في الشمال، وربما يسعى من خلال التصعيد في الجبهة السورية إلى صرف الأنظار داخليًا، وتصدير “إنجازات أمنية” للرأي العام الإسرائيلي.

رابعًا: الموقف السوري الرسمي

رغم الغارات، بدا الموقف السوري حذرًا ومضبوطًا. حيث حرصت وزارة الداخلية ووزير الدفاع على:

▪️ تأكيد أن دخول القوات إلى السويداء هدفه ضبط الأمن فقط، لا القتال أو التصعيد.
▪️ التركيز على حماية المدنيين والتعاون مع وجهاء المدينة، وعدم استهداف أي مكوّن اجتماعي بعينه.
▪️ إصدار تعليمات صارمة للقوات بعدم الاشتباك إلا دفاعًا عن النفس.

 هذا الخطاب يشي برغبة دمشق في تفادي فتح جبهة مباشرة مع إسرائيل في الوقت الراهن، خصوصًا في ظل هشاشة الوضع الداخلي واتساع رقعة الانفلات الأمني.

خامسًا: التداعيات المتوقعة

  1. 🔺 تصعيد متبادل محتمل إذا استمرت إسرائيل في استهداف القوات السورية، خصوصًا إذا أصرّت دمشق على بسط سيطرتها الميدانية في الجنوب.
  2. 🔺 تعقيد المشهد الأمني داخل السويداء، نتيجة الغارات الإسرائيلية، ما قد يمنح المجموعات المسلحة المحلية هامشًا أكبر للتمدد.
  3. 🔺 تهديد وحدة سوريا الجديدة، خاصة إذا شعرت المكونات الدينية أو العشائرية بأن الحكومة المركزية عاجزة عن حمايتها من التدخلات الخارجية.
  4. 🔺 إعادة رسم النفوذ في الجنوب، بين إسرائيل من جهة، والحكومة السورية الجديدة من جهة أخرى، وسط صمت وتراخي دولي واضح.

سادسًا: خلاصة تحليلية

الهجوم الإسرائيلي على السويداء ليس مجرد ضربة عابرة، بل خطوة استراتيجية تحمل في طياتها رسائل سياسية متعددة الأطراف. إنه تحرك استباقي من تل أبيب لضبط قواعد الاشتباك في الجنوب السوري، واستثمار لحالة الضعف والانقسام الداخلي بعد سقوط النظام السابق.

لكن الخطر الأكبر يكمن في احتمالية أن تؤدي هذه الغارات إلى تفكك أكبر للنسيج السوري، خاصة في المناطق التي لم تتعافَ بعد من سنوات الحرب والانقسام.


من الضروري متابعة تطورات الميدان خلال الساعات القادمة، خاصة ردود الفعل المحلية داخل السويداء، ومستوى تصعيد إسرائيل، لمعرفة ما إذا كانت الغارات مقدمة لمرحلة جديدة من المواجهة الإسرائيلية مع سوريا بعد الأسد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى