بريطانيا على المحك: هل تتورّط لندن في “إبادة غزة”؟

في تحرك لافت يُنذر بتداعيات سياسية وقانونية واسعة، وجّه مركز العودة الفلسطيني مذكرة رسمية إلى أعضاء مجلس العموم البريطاني، دعاهم فيها إلى دعم مبادرة النائب العمالي جيريمي كوربين لإجراء تحقيق عام ومستقل في دور حكومة المملكة المتحدة في دعم العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، والذي وصفته منظمات حقوقية بأنه يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.
هذا التحرك يأتي في لحظة مفصلية تشهد تصاعدًا غير مسبوق في الأصوات المطالِبة بمحاسبة الدول المتواطئة مع الحرب الإسرائيلية المستمرة على غزة، لا سيما مع ما تكشّف من استخدام أسلحة بريطانية، وقواعد عسكرية تابعة للمملكة المتحدة، في العمليات التي خلفت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين.
كوربين يدقّ الجرس: “الإبادة تُبث على الهواء مباشرة”
في خطابه المقتضب تحت “قاعدة العشر دقائق” أمام البرلمان في 4 يونيو/حزيران، وضع كوربين الأصبع على الجرح، معلنًا بصراحة:
“الإبادة الجماعية تُبث مباشرة أمام أعين العالم، وعلينا أن نسأل: ما دور حكومتنا في ذلك؟”
وسرد أرقامًا صادمة عن ضحايا العدوان الإسرائيلي، متهمًا لندن بأنها قد تكون ضالعة بطريقة غير مباشرة في دعم هذه الجرائم، عبر:
- تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، بما في ذلك أجزاء لطائرات F-35.
- تسهيل استخدام البنية التحتية العسكرية البريطانية مثل قاعدة أكروتيري في قبرص.
- مشاركة استخباراتية محتملة في دعم العمليات الإسرائيلية الجوية.
مطالب التحقيق: كسر حاجز التواطؤ
مشروع القانون المقترح من كوربين، والمدعوم من أكثر من 40 نائبًا من أحزاب متعددة، يهدف إلى مساءلة الحكومة البريطانية عبر سلسلة مطالب رئيسية:
- نشر كافة تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
- التحقيق في استخدام القواعد البريطانية في العمليات العسكرية.
- الكشف عن المعلومات الاستخباراتية المرتبطة بالعدوان.
- تحديد ما إذا تلقت الحكومة تحذيرات قانونية بأن ما يجري في غزة قد يُعتبر إبادة جماعية.
- موقف واضح من التزامات بريطانيا وفق اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
مركز العودة: التحقيق ليس خيارًا.. بل التزام قانوني وأخلاقي
في مذكرته، شدد مركز العودة على أن فتح هذا التحقيق لا يُعد مجرد استجابة لضغط سياسي أو شعبي، بل هو اختبار جوهري لالتزام بريطانيا بالقانون الدولي، محذرًا من أن التراخي في المساءلة قد يجعل من المملكة المتحدة طرفًا متواطئًا في جرائم إبادة جماعية ضد المدنيين الفلسطينيين.
وأضاف أن التغاضي عن الدور البريطاني في دعم العمليات الإسرائيلية يمثل ثغرة أخلاقية وقانونية فادحة، تمسّ سمعة لندن على الساحة الدولية، وتتناقض مع تعهداتها التاريخية بمنع الإبادة والجرائم ضد الإنسانية.
ما بين الضغط البرلماني والمحاسبة الشعبية: هل تتغيّر المعادلة؟
الدعوات المتصاعدة، من داخل البرلمان ومن الشارع البريطاني، تعكس تغيرًا نوعيًا في الرأي العام البريطاني، خاصة مع تنامي التقارير التي توثق الجرائم المروّعة المرتكبة في غزة، والتي تجاوزت حدود الاستهداف العسكري لتشمل تجويع السكان وتدمير البنية التحتية الطبية والتعليمية وتهجير جماعي، وفق توصيف العديد من الخبراء بأنها “سياسات إبادة جماعية كاملة الأركان”.
ومع استمرار الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، تتجه الأنظار إلى الموقف البريطاني:
- هل تمضي لندن في دعمها العسكري والسياسي لتل أبيب دون مساءلة؟
- أم يُشكل هذا التحقيق نقطة تحول قد تفتح الباب لمساءلة شاملة لدور الغرب في حرب الإبادة بغزة؟
183 ألف ضحية و11 ألف مفقود: الأرقام التي لا يمكن تبريرها
منذ 7 أكتوبر 2023، تواصل إسرائيل – بدعم أمريكي وغربي – حربًا شعواء على قطاع غزة، أدّت إلى:
- أكثر من 183,000 شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء.
- أكثر من 11,000 مفقود.
- مجاعة أودت بحياة مئات الأطفال.
- نزوح جماعي لآلاف العائلات، وسط دمار غير مسبوق.
ورغم صدور أوامر صريحة من محكمة العدل الدولية بوقف العدوان، تستمر آلة الحرب، وسط تساؤلات عميقة حول دور الدول التي توفر السلاح والغضّ السياسي عن الجرائم المرتكبة.
هل تكون لندن بداية المحاسبة الدولية؟
التحقيق الذي يسعى كوربين ومركز العودة الفلسطيني إلى إطلاقه، ليس فقط خطوة قانونية، بل صفعة أخلاقية لحكومة تمادت في دعم الاحتلال تحت ذرائع “التحالف” و”الأمن المشترك”. وقد يشكل سابقة قانونية لمحاسبة الدول التي ساهمت ماديًا أو لوجستيًا في جرائم الإبادة في غزة.
الكرة الآن في ملعب البرلمان البريطاني، والضغط الشعبي يتصاعد… فهل يُفتح الملف؟ أم تواصل بريطانيا تكرار أخطاء الماضي، تاركة وصمة لا تُمحى في سجلّها الأخلاقي؟






