واشنطن توظف ملف السويداء لدفع سوريا نحو اتفاق مع الاحتلال

تكثّف الولايات المتحدة تحركاتها لإحياء المفاوضات الأمنية بين دمشق والاحتلال الإسرائيلي، مستفيدة من ملف السويداء ومحاكمات المتهمين بارتكاب الانتهاكات التي شهدتها المحافظة، في محاولة لإيجاد تسوية تزيل واحدة من أبرز العقبات أمام الاتفاق المنتظر.
وجاء التحرك الأمريكي بالتزامن مع إعلان السلطات السورية بدء إجراءات قضائية بحق عدد من المتهمين بالتورط في أحداث السويداء، التي خلّفت أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى وأدخلت المحافظة في أزمة أمنية وسياسية عميقة.
وأعلن المبعوث الأمريكي إلى سوريا والعراق، توماس براك، دعمه للمحاكمات، معتبرًا أن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تمثل خطوة ضرورية لاستعادة الثقة بالمؤسسات السورية وتحقيق المصالحة وإعادة توحيد البلاد.
إشادة أمريكية بالسلطات السورية
أشاد براك بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية لملاحقة المتهمين، مؤكدًا أن مستقبل السويداء يجب أن يكون داخل دولة سورية موحدة ذات سيادة، يشكل الدروز أحد مكوناتها الأساسية.
وتبنّى المبعوث الأمريكي بذلك رواية السلطات السورية بشأن المحاكمات، رغم الانتقادات التي وُجهت إلى لجنة التحقيق، والتساؤلات حول قدرتها على العمل باستقلالية، في ظل اتهام قوات وفصائل مرتبطة بالحكومة بارتكاب انتهاكات خلال المواجهات.
ويشير الدعم الأمريكي السريع إلى أن واشنطن لا تنظر إلى المحاكمات باعتبارها مسارًا قضائيًا منفصلًا، بل جزءًا من تسوية سياسية وأمنية أوسع تشمل مستقبل السويداء والعلاقة بين دمشق والاحتلال.
السويداء تعرقل الاتفاق الأمني
تسعى واشنطن منذ أشهر إلى التوصل لاتفاق أمني بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي، يعيد تنظيم الوضع في الجنوب السوري ويوقف الغارات والتوغلات الإسرائيلية.
وكانت دمشق وتل أبيب قد استأنفتا مطلع عام 2026 محادثات أمنية بوساطة أمريكية، تركز على انسحاب قوات الاحتلال من المواقع التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد، وإعادة العمل باتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974.
وتطالب السلطات السورية بعودة الاحتلال إلى مواقعه السابقة ووقف اعتداءاته الجوية والبرية، بينما يصر الجانب الإسرائيلي على فرض ترتيبات أمنية خاصة في الجنوب، وضمان عدم انتشار قوات أو أسلحة يعتبرها تهديدًا له.
ويبرز ملف السويداء بوصفه إحدى أعقد نقاط الخلاف، بعدما استخدم الاحتلال شعار «حماية الدروز» لتبرير تدخله العسكري وضرب مواقع تابعة للحكومة السورية.
الاحتلال يستثمر ورقة حماية الدروز
حاول الاحتلال خلال أحداث السويداء تقديم نفسه حاميًا للطائفة الدرزية، ونفذ غارات ضد القوات السورية بذريعة منع الاعتداء على أبناء المحافظة.
كما ضغط لمنع انتشار القوات السورية بحرية في الجنوب، وطرح ترتيبات تتيح له الاحتفاظ بنفوذ مباشر في المنطقة، بما يحول السويداء إلى ورقة ضغط دائمة على دمشق.
وكانت المفاوضات السابقة بين الطرفين قد تعثرت بسبب مطالبة الاحتلال بإنشاء ممر إلى السويداء تحت عنوان نقل المساعدات الإنسانية، وهو ما رفضته دمشق باعتباره انتهاكًا للسيادة السورية ومحاولة لفرض نفوذ إسرائيلي داخل أراضيها.
ومن هنا، تسعى واشنطن إلى صيغة تعيد المحافظة تدريجيًا إلى سلطة دمشق، مع تقديم ضمانات للدروز، بما يسحب من الاحتلال الذريعة التي يستخدمها للتدخل المباشر، ويفتح الطريق أمام استئناف المفاوضات الأمنية.
العدالة بوابة إلى التسوية
تقدم الإدارة الأمريكية المحاكمات باعتبارها مدخلًا إلى المصالحة واستعادة ثقة أهالي السويداء بالدولة، لكن توقيت الدعم الأمريكي يكشف وجود هدف سياسي يتجاوز تحقيق العدالة.
فنجاح دمشق في احتواء أزمة المحافظة قد يتيح لواشنطن الضغط عليها للانتقال إلى المرحلة التالية: توقيع اتفاق أمني مع الاحتلال، ثم توسيع التفاهمات السياسية بين الجانبين.
وبهذا المعنى، يتحول ملف الضحايا والانتهاكات إلى جزء من صفقة إقليمية، يجري فيها ربط العدالة الداخلية بإعادة ترتيب الجنوب السوري بما يخدم متطلبات الأمن الإسرائيلي.
من اتفاق أمني إلى تطبيع تدريجي
تصر دمشق رسميًا على أن المفاوضات الجارية تتعلق باتفاق أمني ووقف الاعتداءات، وليست مفاوضات تطبيع أو انضمام إلى «اتفاقيات أبراهام».
وسبق أن أعلن أحمد الشرع أن أي اتفاق يجب أن يحمي المجال الجوي والسيادة السورية، ويوقف الغارات، ويضمن انسحاب الاحتلال، مستبعدًا في الوقت نفسه الدخول في مسار تطبيع شامل على غرار الدول التي انضمت إلى اتفاقيات أبراهام.
غير أن التجربة الإقليمية تظهر أن الاتفاقات الأمنية قد تصبح مقدمة لعلاقات سياسية ودبلوماسية أوسع، خصوصًا مع إصرار واشنطن على دمج الاحتلال في ترتيبات المنطقة وتحويله إلى شريك أمني للدول العربية.
ولا تخفي الإدارة الأمريكية رغبتها في بناء شراكة مع السلطة السورية الجديدة، بعد رفع العقوبات عنها وتوسيع التعاون معها في ملفات الأمن ومكافحة تنظيم الدولة وترتيبات المنطقة.
واشنطن تعيد تشكيل سوريا والمنطقة
لا تنفصل الضغوط المتعلقة بالسويداء عن مشروع أمريكي أشمل لإعادة تشكيل موقع سوريا الإقليمي، وربط استقرارها الداخلي بقبول ترتيبات أمنية وسياسية تخدم الاحتلال.
وتسعى واشنطن إلى نقل سوريا من دولة تواجه الاحتلال وتطالب باستعادة أراضيها، إلى طرف يدخل معه في مفاوضات مباشرة ويقبل ضمانات متبادلة وترتيبات طويلة الأمد.
أما الاحتلال، فيحاول استثمار حالة الضعف والانقسام السوري لفرض منطقة جنوبية منزوعة السلاح، والاحتفاظ بالمواقع التي استولى عليها، وإبعاد أي قوة عسكرية عن حدوده.
وبين الضغوط الأمريكية والشروط الإسرائيلية، يصبح خطر التطبيع قائمًا حتى لو بدأ المسار تحت اسم «اتفاق أمني».
فما يُطرح حاليًا بوصفه تسوية لأزمة السويداء ووقفًا للاعتداءات قد يتحول تدريجيًا إلى مدخل يمنح الاحتلال شرعية سياسية وأمنية، من دون إلزامه بالانسحاب الكامل من الأراضي السورية المحتلة أو إعادة الجولان.







