من الموانئ إلى القواعد العسكرية.. هل تحوّل الإمارات بربرة إلى منصة تخدم الاحتلال في البحر الأحمر؟

تتزايد المؤشرات على تحوّل مدينة بربرة الساحلية في إقليم صوماليلاند من مركز تجاري تديره استثمارات إماراتية إلى موقع عسكري واستراتيجي متقدم، قد يخدم تحالفات أبوظبي الأمنية مع الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وكشف تحقيق نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، استنادًا إلى صور أقمار صناعية ومصادر أمنية، عن أعمال إنشاء واسعة داخل مطار بربرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، تضمنت حفر ما لا يقل عن 18 خندقًا كبيرًا جنوب المدرج الرئيسي، ووضع حاويات داخلها قبل دفنها وتغطيتها بالرمال.
وبحسب مصدر أمني أوروبي نقلت عنه الصحيفة، تتطابق طبيعة هذه المنشآت مع مرافق محصنة تُستخدم عادة لتخزين الذخائر أو الوقود العسكري، فيما أظهرت صور الموقع إنشاء تحصينات ومنصات قد تكون مهيأة لنشر أنظمة دفاع جوي.
ورغم عدم إعلان الإمارات أو الولايات المتحدة أو إسرائيل رسميًا إنشاء قاعدة مشتركة، فإن حجم الأعمال وطبيعتها وموقعها الاستراتيجي تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الأهداف الحقيقية للمشروع، والجهات التي قد تستخدمه مستقبلًا.
بربرة.. موقع يتحكم في بوابة البحر الأحمر
تقع بربرة على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، الذي يمثل إحدى أهم بوابات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، ويمنح موقعها قدرة كبيرة على مراقبة الملاحة البحرية والتحركات العسكرية بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.
كما يتميز مطار بربرة بمدرج طويل أنشئ خلال الحقبة السوفييتية، ما يجعله قادرًا على استقبال طائرات عسكرية ونقل ثقيل، ويوفر قاعدة مناسبة لعمليات الاستطلاع والمراقبة والدعم اللوجستي بالقرب من اليمن.
وتكتسب المنطقة أهمية إضافية في ظل المواجهة بين الاحتلال الإسرائيلي والحوثيين، واستهداف السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، ما يدفع تل أبيب إلى البحث عن مواقع قريبة تتيح لها جمع المعلومات ومراقبة التحركات العسكرية في اليمن.
نفوذ إماراتي تحت غطاء الاستثمار
بدأ الحضور الإماراتي في بربرة تحت عنوان الاستثمار وتطوير الموانئ، إذ تتولى شركة «موانئ دبي العالمية» تشغيل ميناء بربرة، وتقدمه بوصفه بوابة تجارية استراتيجية لشرق أفريقيا وممرًا بديلًا يربط الخليج بإثيوبيا والأسواق الأفريقية.
لكن التطورات الأخيرة تعزز المخاوف من استخدام البنية التحتية التجارية غطاءً لتأسيس نفوذ عسكري طويل الأمد، خصوصًا أن الإمارات سبق أن استخدمت منشآت في بربرة لأغراض لوجستية وعسكرية خلال مشاركتها في الحرب على اليمن.
وبهذا تتحول الموانئ والمطارات التي تستثمر فيها أبوظبي من مشروعات اقتصادية منفصلة إلى شبكة نفوذ تمتد على سواحل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتمنح الإمارات قدرة على التأثير في طرق التجارة والممرات البحرية والصراعات الإقليمية.
الاعتراف الإسرائيلي يفتح باب التعاون
ازدادت الشكوك بشأن مستقبل بربرة بعد اعتراف الاحتلال الإسرائيلي رسميًا بصوماليلاند في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025، ليصبح أول طرف دولي يعترف بالإقليم المنفصل عن الصومال دولة مستقلة.
ووقّع نتنياهو ورئيس صوماليلاند إعلان اعتراف متبادل، فيما ربطت تل أبيب الخطوة بروح «اتفاقيات أبراهام»، وأعلنت نيتها تطوير التعاون مع الإقليم في عدة مجالات.
وأثار الاعتراف الإسرائيلي رفضًا واسعًا من الحكومة الصومالية والاتحاد الأفريقي وعدد من الدول العربية والأفريقية، التي اعتبرته انتهاكًا لوحدة الصومال وسيادته، وحذرت من تداعياته على استقرار القرن الأفريقي.
ولا يمكن فصل الاعتراف عن الموقع الجغرافي لصوماليلاند، إذ يمنح التقارب مع سلطاتها الاحتلال فرصة للحصول على موطئ قدم قريب من اليمن وباب المندب، بما يعزز قدراته الاستخباراتية والعسكرية في مواجهة التهديدات القادمة من البحر الأحمر.
تطبيع يتحول إلى تحالف عسكري
يكشف مشروع بربرة الوجه الأكثر خطورة للتطبيع، الذي لم يعد مقتصرًا على فتح السفارات أو توقيع اتفاقيات اقتصادية، بل يتجه نحو بناء ترتيبات أمنية وعسكرية تساعد الاحتلال على توسيع نطاق تحركه خارج فلسطين.
ففي حال تحولت منشآت بربرة إلى قاعدة تستخدمها إسرائيل، فإن الإمارات لن تكون قد اكتفت بتطبيع علاقاتها مع الاحتلال، بل ستكون قد ساهمت في توفير بنية عسكرية تعزز وجوده قرب أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
كما يمنح هذا التعاون الاحتلال قدرة أكبر على مراقبة اليمن، وتأمين حركة السفن المرتبطة به، وجمع المعلومات عن القوى الإقليمية، وربما تنفيذ عمليات عسكرية انطلاقًا من القرن الأفريقي.
تهديد لسيادة الصومال وأمن المنطقة
ولا تقتصر تداعيات المشروع على اليمن والبحر الأحمر، بل تمتد إلى وحدة الصومال وسيادته، في ظل إبرام ترتيبات مع سلطات إقليم انفصالي دون موافقة الحكومة الفيدرالية في مقديشو.
وقد يؤدي تحويل بربرة إلى منصة عسكرية إماراتية إسرائيلية إلى تصعيد المنافسة الدولية في القرن الأفريقي، وإدخال المنطقة في صراعات لا تخدم شعوبها، بل تخدم حسابات القوى التي تسعى إلى السيطرة على الموانئ والممرات البحرية.
ويكشف ما يجري في بربرة كيف يمكن أن تتحول الاستثمارات المدنية إلى أدوات للهيمنة العسكرية، وكيف يُستخدم التطبيع لفتح المجال أمام الاحتلال للتمدد في العمق العربي والأفريقي.
فالمسألة لم تعد مجرد علاقة ثنائية بين الإمارات وإسرائيل، بل مشروع يعيد رسم الخريطة الأمنية للبحر الأحمر، ويمنح الاحتلال موقعًا متقدمًا قرب باب المندب، تحت غطاء الموانئ والاستثمار والتنمية.







