قبل توقيع الاتفاقيات.. كيف يُعاد تشكيل وعي اللبنانيين تمهيدًا للتطبيع مع الاحتلال؟

لا يبدأ التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي بتوقيع اتفاق رسمي أو فتح سفارة، بل تسبقه عملية طويلة لإعادة تشكيل وعي المجتمع، وتغيير نظرته إلى العدو والصراع، حتى تتحول العلاقة معه تدريجيًا من أمر مرفوض شعبيًا وأخلاقيًا إلى خيار سياسي قابل للنقاش والقبول.

وسلط تقرير نشرته صحيفة «الأخبار» اللبنانية الضوء على ما وصفه بـ«الحرب المعرفية» التي تستهدف الرأي العام اللبناني، عبر التأثير في المفاهيم والقيم والهوية الوطنية، تمهيدًا لفرض التطبيع مع الاحتلال بوصفه نتيجة طبيعية للأزمات السياسية والاقتصادية التي يعيشها لبنان.

تحويل الاحتلال من عدو إلى «جار»

وتقوم هذه العملية على تغيير اللغة المستخدمة في توصيف الاحتلال، من كيان يحتل أراضي لبنانية وفلسطينية ويرتكب الاعتداءات، إلى «دولة مجاورة» يمكن التفاوض معها والتعاون اقتصاديًا وأمنيًا.

ويجري ذلك من خلال فصل الصراع عن جذوره التاريخية والسياسية، وتصوير المشكلة على أنها مجرد خلاف حدودي أو أمني يمكن تسويته عبر المفاوضات، مع تجاهل طبيعة المشروع الصهيوني واحتلاله للأراضي الفلسطينية واللبنانية.

وبمرور الوقت، يؤدي هذا التغيير اللغوي إلى تآكل الرفض الشعبي، إذ تصبح الدعوة إلى العلاقات مع الاحتلال «رأيًا سياسيًا»، بينما يُقدَّم رفض التطبيع باعتباره موقفًا متشددًا أو عقبة أمام الاستقرار.

استثمار الأزمات والانقسامات الداخلية

وتستفيد حملات إعادة تشكيل الوعي من الانقسامات الطائفية والسياسية العميقة داخل لبنان، عبر تغذية المخاوف بين مكونات المجتمع، وتحويل الخلاف الداخلي إلى صراع حول هوية العدو نفسه.

فبدل توحيد اللبنانيين في مواجهة الاحتلال واعتداءاته، يجري توجيه النقاش نحو اتهام أطراف داخلية بأنها مصدر الخطر، بما يسمح بتهميش التهديد الإسرائيلي وتحويله إلى قضية ثانوية.

وتقوم هذه الاستراتيجية على تعميق الاستقطاب الطائفي والهوياتي، بحيث يصبح قبول الاحتلال أو رفضه مرتبطًا بالانتماء الحزبي والطائفي، لا بالمصلحة الوطنية أو بتاريخ الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان.

استخدام الانهيار الاقتصادي للضغط على المجتمع

كما يُستخدم الانهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان أداةً لتمرير خطاب التطبيع، عبر الترويج لفكرة أن الانفتاح على الاحتلال قد يجلب الاستثمارات والمساعدات والاستقرار.

ويقدم هذا الخطاب العلاقات مع إسرائيل باعتبارها مخرجًا من الأزمة، متجاهلًا أن الاحتلال ليس مؤسسة اقتصادية محايدة، بل قوة عسكرية وسياسية تسعى إلى فرض هيمنتها على المنطقة وتوظيف العلاقات الاقتصادية لخدمة مصالحها الأمنية والإستراتيجية.

ويجري بذلك ابتزاز المجتمعات المنهكة اقتصاديًا، ووضعها أمام معادلة زائفة: إما استمرار الفقر والأزمات، وإما القبول بعلاقات مع الاحتلال.

الإعلام بوابة لتطبيع المفاهيم

ويلعب الخطاب الإعلامي دورًا مركزيًا في هذه العملية، من خلال تكرار مصطلحات ومواقف تساهم في تخفيف صورة الاحتلال، والتركيز على قوته الاقتصادية والتكنولوجية، في مقابل التقليل من جرائمه وانتهاكاته.

كما يجري استضافة شخصيات تروج للتفاوض والعلاقات المباشرة، وتقديمها باعتبارها أصواتًا «واقعية» و«عقلانية»، بينما تُتهم القوى الرافضة للتطبيع بأنها تعيش خارج الزمن أو تريد إبقاء لبنان في حالة حرب دائمة.

ولا يكون الهدف دائمًا إقناع الجمهور بحب الاحتلال، بل دفعه إلى اليأس من إمكانية مقاومته، وإقناعه بأن قبوله أمر حتمي لا يمكن تغييره.

شيطنة المقاومة وتبديل صورة العدو

ومن أبرز أدوات إعادة تشكيل الوعي نقل صورة العدو من الخارج إلى الداخل، عبر تصوير المقاومة أو القوى الرافضة للتطبيع باعتبارها الخطر الأساسي على الدولة والمجتمع.

وفي المقابل، يتراجع حضور الاحتلال في الخطاب العام بوصفه الجهة التي تحتل الأراضي اللبنانية، وتخترق الأجواء، وتنفذ الاغتيالات والاعتداءات، ليصبح النقاش محصورًا في سلاح المقاومة أو كلفة المواجهة.

ويؤدي هذا الانقلاب في المفاهيم إلى تبرئة الاحتلال تدريجيًا، وتحميل ضحاياه مسؤولية العدوان، وهي مقدمة أساسية لأي مسار تطبيعي لاحق.

التطبيع يبدأ من الوعي

ويكشف التقرير أن المعركة حول التطبيع ليست سياسية ودبلوماسية فقط، بل هي معركة على الذاكرة والهوية والمفاهيم.

فحين ينسى المجتمع تاريخ الاحتلال وجرائمه، ويقتنع بأن مقاومته سبب أزماته، يصبح توقيع الاتفاقيات مجرد خطوة أخيرة في مسار بدأ قبل ذلك بسنوات داخل الإعلام والخطاب السياسي والمؤسسات الثقافية.

ولا يحتاج الاحتلال إلى فرض التطبيع بالقوة إذا نجح أولًا في إقناع الشعوب بأن رفضه بلا جدوى، وأن الخضوع لمشروعه هو الطريق الوحيد نحو الاستقرار.

ومن هنا، فإن مواجهة التطبيع لا تقتصر على رفض الاتفاقيات الرسمية، بل تتطلب مقاومة محاولات تزييف الوعي، وحماية الذاكرة الوطنية، والتأكيد أن الأزمة ليست في رفض الاحتلال، بل في وجوده واستمرار عدوانه على فلسطين ولبنان والمنطقة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى