تطبيع الإمارات مع الاحتلال يتحول إلى عبء سياسي وأمني

بعد ست سنوات من توقيع «اتفاقيات أبراهام»، لم يعد التطبيع الإماراتي مع الاحتلال الإسرائيلي يُقدَّم باعتباره إنجازًا دبلوماسيًا خالصًا، بل بات يُنظر إليه بوصفه رهانًا محفوفًا بالتعقيدات، نقل أبوظبي من علاقات سرية محدودة إلى تحالف علني وضعها في قلب الصراعات الإقليمية المرتبطة بإسرائيل.

وقالت صحيفة «واشنطن بوست» إن قرار الإمارات الانتقال بالعلاقة مع إسرائيل إلى العلن مثّل خروجًا كبيرًا عن عقود من الإجماع السياسي العربي، الذي كان يربط الاعتراف بالاحتلال بالتوصل أولًا إلى تسوية للقضية الفلسطينية.

وبدل التمسك بهذا الموقف، كسرت أبوظبي القاعدة العربية ومنحت الاحتلال اعترافًا كاملًا، من دون أن تحصل على إنهاء للاحتلال أو قيام دولة فلسطينية أو حتى وقف دائم للاستيطان والضم.

انقلاب على الإجماع العربي

استند الموقف العربي لعقود إلى أن تطبيع العلاقات مع إسرائيل يجب أن يأتي بعد انسحابها من الأراضي المحتلة والتوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية.

لكن الإمارات وقعت اتفاق التطبيع في سبتمبر/أيلول 2020، قبل تحقيق أي من هذه الشروط، لتصبح أول دولة خليجية تقيم علاقات رسمية كاملة مع الاحتلال، ثم لحقتها البحرين ودول أخرى ضمن المسار الذي رعته إدارة دونالد ترامب.

وبهذا القرار، لم تعد إسرائيل مطالبة بدفع ثمن سياسي مقابل قبولها عربيًا، بل حصلت على العلاقات والسفارات والاستثمارات والتعاون الأمني، بينما بقي الفلسطينيون تحت الاحتلال.

وقد أسهمت أبوظبي بذلك في تفكيك أحد آخر أوراق الضغط العربية، ومنحت حكومة بنيامين نتنياهو فرصة لتقديم التطبيع باعتباره بديلًا عن التسوية مع الفلسطينيين.

تعليق الضم الذي لم يوقف الاحتلال

سوّقت الإمارات اتفاقها في البداية باعتباره وسيلة لمنع إسرائيل من ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

لكن الاتفاق لم يتضمن إلغاءً دائمًا للضم، بل تحدث عن تعليق الخطة، فيما واصل الاحتلال توسيع المستوطنات والسيطرة على الأراضي الفلسطينية وطرح مشاريع الضم بأشكال مختلفة.

وبعد سنوات، بات واضحًا أن أبوظبي منحت الاحتلال مكاسب فورية ومضمونة، بينما كان المقابل المتعلق بالفلسطينيين مؤقتًا وغامضًا وغير ملزم.

فالضم لم ينتهِ كخيار سياسي إسرائيلي، والاستيطان لم يتوقف، وحقوق الفلسطينيين لم تتقدم، بينما تحولت العلاقة الإماراتية الإسرائيلية إلى شبكة مصالح يصعب التراجع عنها.

من العلاقات السرية إلى التحالف المعلن

لم تبدأ الصلات بين الإمارات وإسرائيل عام 2020، إذ سبقت الاتفاق سنوات من الاتصالات الأمنية والتجارية واللقاءات غير المعلنة.

وتشير تقارير إلى أن الجانبين طوّرا تدريجيًا قنوات تعاون ارتبطت بالأمن ومواجهة إيران والتكنولوجيا والتجارة، قبل أن يأتي اتفاق أبراهام ليخرج هذه العلاقات من السرية إلى العلن.

لكن إشهار العلاقة حمل معه كلفة مختلفة؛ إذ أصبح كل تحرك إسرائيلي في المنطقة مرتبطًا بصورة أو بأخرى بحليفه الإماراتي، كما باتت أبوظبي مطالبة بإدارة التناقض بين خطابها الرسمي الداعم للفلسطينيين وتحالفها المتنامي مع الاحتلال.

ولهذا فضّلت السلطات الإماراتية، خصوصًا بعد حرب غزة، إبقاء بعض جوانب العلاقة بعيدًا عن الظهور الإعلامي، رغم استمرار التعاون في ملفات استراتيجية.

شراكة أمنية تتجاوز الدبلوماسية

لم يتوقف التطبيع عند فتح السفارات وتسيير الرحلات الجوية، بل امتد إلى مجالات الدفاع والأمن السيبراني والاستخبارات والتقنيات العسكرية.

وقدمت إسرائيل نفسها للإمارات بوصفها شريكًا أمنيًا قادرًا على توفير أنظمة دفاع وتكنولوجيا متقدمة في مواجهة التهديدات الإقليمية.

ومع تصاعد المواجهات في المنطقة، تعززت أهمية هذا التعاون، وظهرت تقارير عن دور أنظمة دفاع إسرائيلية وتنسيق أمني متزايد بين الجانبين.

لكن هذه الشراكة تجعل الإمارات أيضًا جزءًا من الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة، وتعرضها لمخاطر الارتباط بحروب تل أبيب وحساباتها تجاه إيران والقوى الإقليمية الأخرى.

إسرائيل تكشف ما تحاول أبوظبي إخفاءه

أظهرت السنوات الأخيرة أن إسرائيل أكثر حرصًا من الإمارات على إشهار التحالف بينهما.

ففي حين تحاول أبوظبي أحيانًا ضبط مستوى الإعلان عن التعاون، يلجأ مسؤولون إسرائيليون إلى الكشف عن لقاءات أو تنسيق أمني وعسكري، بهدف إثبات اتساع التحالف العربي مع إسرائيل.

وظهر هذا التباين بوضوح عندما تحدث نتنياهو عن زيارة سرية إلى الإمارات خلال الحرب مع إيران، فيما سارعت الخارجية الإماراتية إلى نفي الرواية الإسرائيلية.

ولا يتعلق الخلاف هنا بالتحالف نفسه بقدر ما يتعلق بمن يملك حق الإعلان عنه وتحديد توقيته.

فإسرائيل تستفيد من إظهار الإمارات حليفًا وثيقًا لها، بينما تخشى أبوظبي أن يؤدي الإفراط في كشف العلاقة إلى إحراجها أمام شعوب المنطقة أو إلى تعريض مصالحها وموقعها الأمني للخطر.

حرب غزة فضحت شعارات السلام

قُدمت اتفاقيات أبراهام باعتبارها مسارًا لتحقيق السلام والاستقرار والازدهار الإقليمي.

لكن حرب الاحتلال على غزة كشفت محدودية هذا الخطاب، إذ لم تمنع العلاقات الإماراتية إسرائيل من مواصلة القتل والحصار والتهجير، كما لم تستخدم أبوظبي شبكة مصالحها الواسعة لفرض وقف الحرب أو حماية الفلسطينيين.

واستمر التواصل السياسي والاقتصادي بين الطرفين رغم تصاعد الجرائم الإسرائيلية، ما أظهر أن الاتفاق لم يكن مرتبطًا أصلًا بإنهاء الصراع أو ضمان الحقوق الفلسطينية.

وأصبحت الإمارات في وضع متناقض: تصدر بيانات تحذر فيها من الضم وتعلن دعم حل الدولتين، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على العلاقات التي تمنح الاحتلال شرعية واستثمارات وشراكات إقليمية.

الإمارات بوابة إسرائيل إلى الخليج

لم تكتفِ أبوظبي بتطبيع علاقاتها الثنائية، بل عملت على تقديم نفسها بوابةً للشركات والتكنولوجيا والاستثمارات الإسرائيلية نحو الخليج والأسواق العربية.

وتوسعت العلاقات إلى قطاعات الموانئ والطاقة والمياه والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والدفاع، بما جعل التطبيع جزءًا من البنية الاقتصادية والاستراتيجية للمنطقة، لا مجرد قرار دبلوماسي.

ويمثل هذا التحول المرحلة الأخطر من التطبيع، لأن المصالح المتشابكة تجعل إنهاء العلاقة أكثر صعوبة، حتى عندما يرتكب الاحتلال انتهاكات واسعة.

فكلما توسعت الاستثمارات والعقود المشتركة، ازدادت الفئات والمؤسسات المستفيدة من استمرار التحالف، وتحولت العلاقة مع إسرائيل من خيار سياسي إلى ارتباط اقتصادي وأمني طويل الأجل.

رهان إقليمي محفوف بالمخاطر

بنت الإمارات جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها الإقليمية على الشراكة مع إسرائيل والولايات المتحدة، على أساس أن هذا المحور سيمنحها حماية أمنية ونفوذًا سياسيًا يتجاوز حجمها الجغرافي.

إلا أن هذا الرهان وضع أبوظبي في موقع حساس بين تحالفها الإسرائيلي ومصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع إيران.

فالإمارات تعتمد على التجارة والاستقرار والانفتاح لجذب رؤوس الأموال والسياحة، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بتحالف أمني مع طرف يخوض مواجهات متكررة في المنطقة.

وتفرض الجغرافيا على أبوظبي أن تحافظ على قنوات مع طهران، في حين يدفعها تحالفها مع إسرائيل نحو ترتيبات أمنية قد تعتبرها إيران تهديدًا مباشرًا.

وهذا التناقض يجعل التطبيع ليس مجرد مكسب استراتيجي، بل مصدرًا دائمًا للحذر والانكشاف.

كلفة شعبية يجري إسكاتها

قدمت السلطات الإماراتية التطبيع باعتباره قرارًا سياديًا يعبر عن رؤية الدولة للمستقبل، لكن الاتفاق لم يسبقه نقاش عام أو استفتاء شعبي.

وفي ظل القيود الواسعة على حرية التعبير، لا تتوافر مساحة حقيقية لقياس موقف المجتمع الإماراتي أو مناقشة المخاطر السياسية والأخلاقية للتحالف مع الاحتلال.

ويتيح غياب المجال العام للسلطات تقديم التطبيع كإجماع وطني، رغم أن القضية الفلسطينية ظلت تاريخيًا جزءًا من وجدان الشعوب العربية والخليجية.

كما أن استمرار جرائم الاحتلال يوسع الفجوة بين خطاب الدولة عن التسامح والسلام وبين حقيقة الشراكة مع حكومة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين.

واشنطن تريد تكرار النموذج

رغم التعقيدات التي خلفها الاتفاق داخل الإمارات، لا تزال واشنطن تعتبر النموذج الإماراتي أساسًا لتوسيع «اتفاقيات أبراهام».

وتضغط إدارة ترامب لضم السعودية ودول أخرى إلى هذا المسار، مستندة إلى تجربة أبوظبي بوصفها دليلًا على إمكانية إقامة علاقات مع إسرائيل من دون انتظار حل القضية الفلسطينية.

لكن ما يُقدَّم باعتباره نجاحًا دبلوماسيًا يتجاهل أن التطبيع الإماراتي لم يحقق السلام الموعود، ولم يوقف الاحتلال، ولم يمنع الحرب، بل أدى إلى دمج إسرائيل في المنطقة مع بقائها قوة احتلال.

وبهذا المعنى، فإن توسيع النموذج الإماراتي لا يعني حل الصراع، بل يعني تعميم تجاوز الفلسطينيين وتهميش حقوقهم.

إرث معقد داخل الإمارات

بعد سنوات من الاتفاق، أصبحت الإمارات مرتبطة بإسرائيل عبر شبكة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، لكنها ورثت في المقابل تعقيدات يصعب احتواؤها.

فأبوظبي مطالبة بالموازنة بين علاقتها بالاحتلال ورفض الرأي العام العربي له، وبين تعاونها الأمني مع إسرائيل وحاجتها إلى تجنب صدام مع إيران، وبين خطابها الداعم لفلسطين واستمرار شراكاتها مع حكومة الاحتلال.

كما أصبح القرار الإماراتي عرضة للاستغلال الإسرائيلي؛ إذ تستطيع تل أبيب الكشف عن مستوى التعاون أو استخدام اسم الإمارات لإثبات نجاح مشروع دمج إسرائيل في المنطقة.

وهكذا تحولت الخطوة التي قُدمت عام 2020 باعتبارها اختراقًا تاريخيًا إلى ارتباط طويل الأجل، يصعب الانسحاب منه وتزداد كلفته كلما واصل الاحتلال حروبه وانتهاكاته.

تطبيع منح الاحتلال أكثر مما أخذ منه

المحصلة الأساسية لاتفاق أبراهام أن إسرائيل حصلت على الاعتراف والعلاقات والاستثمارات والتعاون الأمني، من دون أن تنهي احتلالها أو تقدم تنازلات حقيقية للفلسطينيين.

أما الإمارات، فحصلت على شراكات وتكنولوجيا ونفوذ لدى واشنطن، لكنها أصبحت أكثر ارتباطًا بمشروع إسرائيلي يثير الرفض الشعبي ويهدد بتوريطها في صراعات المنطقة.

وبينما تسعى إسرائيل إلى توسيع الاتفاق ليشمل دولًا جديدة، تكشف التجربة الإماراتية أن التطبيع لم يكن طريقًا إلى السلام، بل وسيلة لإعفاء الاحتلال من ثمن السلام.

لقد فتحت أبوظبي الباب أمام إسرائيل لتدخل الخليج من دون إنهاء احتلالها، ثم حولت العلاقة إلى تحالف اقتصادي وأمني يصعب تفكيكه.

وهذا هو إرث التطبيع الإماراتي: مكاسب إسرائيلية مضمونة، وحقوق فلسطينية مهمشة، وتعقيدات سياسية وأمنية ستظل تلاحق أبوظبي لسنوات.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى