البحرين تعمّق الشراكة العسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي

لم يعد التطبيع بين البحرين والاحتلال الإسرائيلي مقتصرًا على العلاقات الدبلوماسية والزيارات الرسمية، بل انتقل خلال سنوات قليلة إلى تعاون أمني وعسكري معلن، منح تل أبيب موطئ قدم غير مسبوق في منطقة الخليج.
ومنذ توقيع «اتفاقات أبراهام» عام 2020، توسعت العلاقات بين المنامة وتل أبيب تدريجيًا، وصولًا إلى توقيع مذكرة تعاون أمني ودفاعي في فبراير/شباط 2022، كانت الأولى من نوعها بين الاحتلال ودولة خليجية. وشملت مجالات التعاون تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق بين المؤسسات العسكرية، والتدريبات، والتعاون بين الصناعات الدفاعية.
ويطرح هذا المسار تساؤلات تتجاوز العلاقات الثنائية: هل تحولت البحرين من دولة طبّعت علاقاتها مع الاحتلال إلى نقطة ارتكاز أمنية تتيح له التمدد داخل الخليج؟
اتفاق دفاعي غيّر طبيعة العلاقة
شكّل توقيع الاتفاق الأمني بين البحرين والاحتلال نقطة تحول واضحة، إذ انتقلت العلاقة من الاعتراف السياسي والتبادل الدبلوماسي إلى بناء إطار رسمي للتعاون العسكري.
ووقّع الاتفاق وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بني غانتس مع نظيره البحريني، خلال زيارة شملت لقاءات مع مسؤولين عسكريين وزيارة مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين. وقد وُصف الاتفاق وقتها بأنه إطار لتبادل المعلومات، وتنظيم تدريبات مشتركة، وتطوير التعاون العسكري والصناعات الدفاعية.
ولا تكمن أهمية الاتفاق في بنوده وحدها، بل في أنه كسر حاجزًا سياسيًا وأمنيًا ظل قائمًا لعقود، وفتح الباب أمام وجود إسرائيلي معلن داخل منظومة الأمن الخليجي.
موقع استراتيجي في قلب الخليج
تكتسب البحرين أهمية خاصة بسبب موقعها الجغرافي القريب من إيران والسعودية وقطر، ووقوعها في منطقة تطل على طرق الملاحة والطاقة في الخليج.
كما تستضيف المملكة مقر الأسطول الخامس الأمريكي وقيادة القوات البحرية الأمريكية في المنطقة، ما يجعلها مركزًا رئيسيًا للعمليات البحرية الغربية. وقد عزز الجمع بين الوجود العسكري الأمريكي والتعاون الأمني الإسرائيلي المخاوف من تشكل منظومة إقليمية تقودها واشنطن وتشارك فيها تل أبيب تحت شعار مواجهة التهديدات المشتركة. وتؤكد مصادر أمريكية أن البحرين تستضيف بالفعل مقر الأسطول الخامس، بينما تربطها بواشنطن اتفاقات أمنية ممتدة.
ومن هذا المنظور، لا تبدو البحرين مجرد طرف صغير في اتفاق تطبيع، بل موقعًا استراتيجيًا يمنح الاحتلال فرصة لفهم البيئة الأمنية للخليج والاقتراب من ساحات ظلت بعيدة عنه تاريخيًا.
الاحتلال داخل معادلة الأمن الخليجي
قدّمت البحرين تعاونها مع الاحتلال باعتباره جزءًا من حماية الأمن الوطني ومواجهة التهديدات الإقليمية، خصوصًا إيران والطائرات المسيّرة والصواريخ.
لكن هذا التبرير يحمل مفارقة واضحة؛ فإدخال الاحتلال إلى معادلات الأمن الخليجي لا يعني فقط الاستفادة من خبراته العسكرية، بل يمنحه أيضًا شرعية ودورًا في تحديد مصادر التهديد وترتيب أولويات المنطقة.
وبدل أن يظل الاحتلال طرفًا خارجيًا يرتكب العدوان على الفلسطينيين، يتحول تدريجيًا إلى «شريك أمني» تُناقش معه الدفاعات الجوية والمراقبة البحرية وتبادل المعلومات.
وهنا يكمن التحول الأخطر في التطبيع: إعادة تعريف إسرائيل من قوة احتلال إلى حليف مفترض في حماية المنطقة.
تعاون بحري واستخباراتي متصاعد
شهدت السنوات التي أعقبت الاتفاق زيارات متبادلة بين مسؤولين سياسيين وعسكريين، إلى جانب اجتماعات أمنية وتعاون ضمن ترتيبات بحرية تقودها الولايات المتحدة.
كما استضافت المنامة أول زيارة لرئيس حكومة إسرائيلي إلى البحرين في فبراير/شباط 2022، بالتزامن مع حديث عن توسيع التعاون الأمني والدفاعي، في وقت كانت إسرائيل تعرض على شركائها الخليجيين تعاونًا في مجال الدفاع الجوي.
ولا توجد أدلة علنية تثبت إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية مستقلة داخل البحرين، لكن ذلك لا ينفي أن الاتفاقات القائمة تمنح تل أبيب فرصًا واسعة للتنسيق وتبادل المعلومات والاحتكاك المباشر بالمؤسسات العسكرية الخليجية.
ومن ثم، فالقضية ليست وجود جنود إسرائيليين في قاعدة تحمل علم الاحتلال، بل اندماج إسرائيل داخل شبكة أمنية قائمة أصلًا، بما يحقق لها كثيرًا من مكاسب القاعدة دون الحاجة إلى إعلانها.
التطبيع يصمد رغم حرب غزة
كشفت الحرب على غزة حدود الخطاب الرسمي الذي حاول تقديم التطبيع بوصفه طريقًا إلى السلام.
فرغم حجم الدمار والضحايا، لم تتخلَّ البحرين رسميًا عن علاقاتها مع الاحتلال. ونقلت رويترز في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 عن مصادر مطلعة أن المنامة كانت تسعى إلى الحفاظ على العلاقة مع إسرائيل بالتوازي مع احتواء الغضب الشعبي.
ويعني ذلك أن التعاون لم يكن مجرد استجابة ظرفية أو خطوة رمزية، بل خيارًا استراتيجيًا ترغب السلطة في الحفاظ عليه حتى في أكثر اللحظات التي انكشفت فيها طبيعة الاحتلال وعدوانه.
شراكة رسمية ورفض شعبي
يقابل هذا المسار الرسمي رفض شعبي بحريني واسع، عبّرت عنه قوى سياسية وحقوقية ونشطاء رفضوا تحويل الاحتلال إلى شريك أمني، وطالبوا بإلغاء اتفاقات التطبيع.
ويستند هذا الرفض إلى أن التعاون العسكري لا يهدد القضية الفلسطينية وحدها، بل قد يضع البحرين نفسها في قلب صراعات إقليمية لا تخدم شعبها، ويجعل أراضيها ومؤسساتها جزءًا من المواجهة بين إسرائيل وخصومها.
وقد ظهرت مخاطر هذا الموقع بوضوح خلال فترات التصعيد الإقليمي، إذ تصبح الدول التي تستضيف قواعد أمريكية أو تنخرط في تحالفات أمنية مع الاحتلال أكثر عرضة لارتدادات المواجهة.
من التطبيع إلى التبعية الأمنية
يكشف النموذج البحريني أن التطبيع لا يتوقف عند فتح السفارات أو تبادل الرحلات، بل يمكن أن يتحول سريعًا إلى اعتماد أمني وعسكري على الاحتلال.
فإسرائيل لا تبحث فقط عن الاعتراف بها، بل عن الاندماج في بنية المنطقة، والوصول إلى معلوماتها وأسواق سلاحها ومؤسساتها الدفاعية وممراتها البحرية.
وبذلك تصبح اتفاقات التطبيع مدخلًا لإعادة هندسة الأمن العربي على قاعدة تعتبر الاحتلال حليفًا، بينما يُعاد تعريف القوى الرافضة له باعتبارها التهديد الأساسي.
لهذا، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت البحرين قد طبّعت مع إسرائيل، فهذا أصبح واقعًا معلنًا، بل إلى أي مدى سمحت هذه الاتفاقيات للاحتلال بأن يصبح جزءًا من القرار الأمني الخليجي؟
وحتى دون وجود قاعدة إسرائيلية معلنة، فإن تبادل الاستخبارات والتنسيق العسكري والتدريبات المشتركة يكشف أن المنامة انتقلت بالفعل من التطبيع السياسي إلى شراكة أمنية تمنح الاحتلال حضورًا متقدمًا في قلب الخليج.







