الإمارات والاحتلال يربطان مصر بعقد غاز حتى 2043

تتجه مصر نحو تعميق ارتباطها الاقتصادي بقطاع الطاقة الإسرائيلي، عبر صفقة جديدة قد تبلغ قيمتها 20 مليار دولار، تشارك فيها شركة تابعة لحكومة أبوظبي إلى جانب شركات الاحتلال المالكة لحقل «تمار».
ووقعت شركة «إسرامكو النقب 2» الإسرائيلية، أكبر مساهم في الحقل، وشركة «مبادلة للطاقة تمار» الإماراتية مذكرة تفاهم غير ملزمة لتصدير ما يصل إلى 80 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر، في ثالث اتفاق طويل الأجل لتوريد غاز الحقل إلى السوق المصرية.
ولا تكشف الصفقة فقط عن توسع اعتماد القاهرة على غاز الاحتلال، بل تظهر كيف تحولت الإمارات، بعد تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، من مجرد شريك سياسي إلى مستثمر مباشر في الحقول الإسرائيلية ومستفيد من بيع الغاز لمصر.
شركة إماراتية شريكة في الغاز الإسرائيلي
تمتلك «مبادلة للطاقة تمار»، التابعة لحكومة أبوظبي، حصة تبلغ 11% من حقل تمار، بينما تمتلك شركة «إسرامكو» الإسرائيلية 28.75%.
وبذلك فإن مذكرة التفاهم الحالية لا تجمع بين مصر وشركات إسرائيلية فقط، بل تجعل شركة إماراتية حكومية طرفًا مباشرًا في صفقة طويلة الأجل لبيع الغاز الإسرائيلي إلى السوق المصرية.
وتملك الشركتان مجتمعتين 39.75% من حقوق الحقل، بينما يتطلب توريد كامل الكمية، البالغة 80 مليار متر مكعب، انضمام بقية الشركاء إلى الاتفاق النهائي.
وتكشف هذه الملكية أن التطبيع الإماراتي لم يبقَ في حدود السفارات والزيارات الرسمية، بل تحول إلى استثمارات استراتيجية داخل البنية الاقتصادية للاحتلال، بما يسمح لأبوظبي بتحقيق أرباح مباشرة من موارده وقطاعاته الحيوية.
عقد يمتد لأكثر من عقد
ينص الاتفاق المقترح على بدء توريد الغاز من حقل تمار إلى مصر عام 2031، والاستمرار حتى نهاية 2038، مع تمديد تلقائي محتمل حتى نهاية 2043 إذا جرى تمديد امتياز إنتاج الحقل.
وستبدأ الإمدادات بكميات محدودة بالتزامن مع استمرار العقود السابقة، ثم ترتفع تدريجيًا مع اقتراب تلك العقود من نهايتها، بما يعني أن الاعتماد المصري على الغاز الإسرائيلي يجري تصميمه ليستمر لأكثر من عقد.
ولا تبدو الصفقة استجابة مؤقتة لأزمة طاقة عابرة، بل محاولة لربط السوق المصرية بإمدادات الاحتلال حتى منتصف أربعينيات القرن الحالي.
20 مليار دولار للاحتلال وشركائه
قدرت شركة «إسرامكو» إيرادات حصتها وحدها بنحو 5.75 مليارات دولار طوال فترة الاتفاق، بافتراض تصدير الكمية القصوى.
وبناءً على هذه التقديرات، قد تبلغ القيمة الإجمالية للصفقة نحو 20 مليار دولار إذا شارك جميع ملاك الحقل وجرى توريد كامل الكمية المتفق عليها.
وتتوزع ملكية تمار بين شركات إسرائيلية وأمريكية وإماراتية، من بينها «شيفرون ميديتيرانيان»، و«تمار بتروليوم»، و«مبادلة للطاقة تمار»، ما يجعل الأموال المصرية مصدر تمويل طويل الأجل لهذا التحالف الاستثماري المرتبط بقطاع الطاقة الإسرائيلي.
وبدل توجيه عشرات المليارات إلى تطوير الإنتاج المحلي أو بناء بدائل مستقلة، ستذهب قيمة الصفقة إلى شركات الاحتلال وشركائه، وفي مقدمتهم الإمارات.
مصر تدفع حتى إن لم تتسلم الغاز
لا تقتصر مخاطر الصفقة على مدتها وقيمتها، بل تمتد إلى شروطها التجارية المقترحة.
فالسعر سيُحدد وفق معادلة مرتبطة بخام برنت مع وضع حد أدنى، كما يتوقع أن يتضمن العقد شرط «الدفع أو الاستلام»، الذي يلزم المشتري بسداد قيمة حد أدنى من الكميات حتى إذا لم يتسلمها كاملة.
وقدرت مجلة «ميس» متوسط سعر الغاز خلال فترة الاتفاق بنحو 7 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بمتوسط 5.5 دولارات دفعته مصر في 2025 مقابل الغاز المستورد من حقلي تمار وليفياثان.
ويعني ذلك أن القاهرة قد ترتبط بالتزامات مالية طويلة الأجل، حتى في حال تغير احتياجاتها أو قدرتها على استهلاك الكميات المتعاقد عليها.
ثالث عقد طويل الأجل
لن تكون هذه أول صفقة غاز طويلة المدى بين مصر والاحتلال.
فقد وُقعت الاتفاقية الأولى عام 2018 لتوريد 32 مليار متر مكعب بقيمة تقديرية بلغت 7.5 مليارات دولار، قبل تعديلها عام 2019 وخفض الكمية إلى 25.3 مليار متر مكعب.
وفي فبراير/شباط 2024، وقع شركاء حقل تمار اتفاقية ثانية لتوريد 43 مليار متر مكعب إضافية إلى مصر خلال عشر سنوات.
أما الاتفاق الجديد فسيكون العقد الثالث طويل الأجل، بما يؤكد أن العلاقة انتقلت من صفقات محدودة إلى اعتماد هيكلي متزايد على الغاز الإسرائيلي.
صفقة جديدة بعد عقد الـ35 مليارًا
تأتي المذكرة بعد نحو عام من توقيع اتفاق منفصل بقيمة 35 مليار دولار لتوريد 130.9 مليار متر مكعب من غاز حقل ليفياثان إلى مصر حتى عام 2040.
ومع إضافة الصفقة الجديدة، تصبح القاهرة مرتبطة بعقود ضخمة من حقلي ليفياثان وتمار، تمتد تبعاتها المالية والسياسية إلى ما بعد عام 2040.
وتصف إسرائيل اتفاق ليفياثان بأنه الأكبر في تاريخها، وتتوقع أن يدر عائدات بمليارات الدولارات على خزينتها، ما يجعل السوق المصرية أحد أهم مصادر تمويل قطاع الطاقة الإسرائيلي.
مصر أكبر مشترٍ للغاز الإسرائيلي
استحوذت مصر خلال عام 2025 على نحو 75% من صادرات الغاز الإسرائيلية، بينما ذهبت النسبة المتبقية إلى الأردن.
وتستفيد إسرائيل من قرب السوق المصرية ووجود خطوط أنابيب قائمة، إلى جانب محطات الإسالة المصرية التي يمكن استخدامها لإعادة تصدير الغاز إلى الأسواق الخارجية.
وهكذا تحولت مصر، التي روج النظام سابقًا لتحولها إلى مركز إقليمي للطاقة، إلى أكبر مستورد للغاز من الاحتلال، وأحد أهم الأسواق التي يعتمد عليها في تصريف إنتاجه.
فشل سياسة الاكتفاء بالطاقة
يكشف توسع صفقات الاستيراد انهيار الوعود الرسمية بتحقيق الاكتفاء الذاتي وتحويل مصر إلى مركز مستقل للطاقة.
فتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب دفعا القاهرة إلى التفاوض أيضًا مع شركات دولية لاستيراد كميات ضخمة من الغاز المسال، قد تصل تكلفتها إلى ما بين 8 و11 مليار دولار سنويًا بالأسعار الحالية.
لكن بدل معالجة أسباب تراجع الإنتاج المحلي، يرسخ النظام اعتماده على مصدر خارجي شديد الحساسية، يستطيع الاحتلال وقف إمداداته عند اندلاع الحروب أو الأزمات الأمنية.
وقد سبق أن توقفت صادرات حقل ليفياثان خلال المواجهة بين إسرائيل وإيران، ما يوضح أن الاعتماد على غاز الاحتلال لا يمنح مصر أمنًا للطاقة، بل يجعل إمداداتها رهينة لقرارات إسرائيلية وتطورات إقليمية لا تملك القاهرة التحكم فيها.
التطبيع من السياسة إلى الطاقة
تكشف الصفقة كيف تجاوز التطبيع العلاقات الدبلوماسية والأمنية، ليصبح ارتباطًا اقتصاديًا طويل الأمد يمس احتياجات المصريين اليومية من الكهرباء والوقود.
فإسرائيل تحصل على سوق ضخمة تضمن لها عائدات لعقود، والإمارات تحقق أرباحًا من ملكيتها في حقل تمار، بينما تتحمل مصر الالتزامات المالية ومخاطر الاعتماد على مصدر خارجي.
وبهذا المعنى، تمثل الصفقة نموذجًا واضحًا للتطبيع الإقليمي الذي تقوده الإمارات: الاستثمار داخل اقتصاد الاحتلال، ثم توسيع دائرة المستفيدين والأسواق العربية المرتبطة به.
الإمارات تستفيد من اعتماد مصر
بعد توقيع اتفاقيات أبراهام، سارعت «مبادلة» الإماراتية إلى دخول قطاع الغاز الإسرائيلي، لتتحول أبوظبي من مطبّع سياسي إلى شريك اقتصادي في موارد الاحتلال.
واليوم تتيح لها حصتها في تمار المشاركة في بيع الغاز إلى مصر، والحصول على عائدات من أموال السوق المصرية، بما يربط الدول الثلاث بشبكة مصالح اقتصادية يصعب تفكيكها.
وهذا هو الوجه الأخطر للتطبيع: ألا تبقى العلاقة مع الاحتلال قرارًا سياسيًا يمكن التراجع عنه، بل تتحول إلى استثمارات وعقود وبنية تحتية ممتدة لعقود.
تمويل الاحتلال وسط استمرار جرائمه
تأتي هذه الترتيبات بينما يواصل الاحتلال اعتداءاته على الفلسطينيين، من دون أن تؤدي الحرب على غزة إلى وقف التعاون الاقتصادي أو مراجعة العقود القائمة.
ففي الوقت الذي يتحمل فيه الفلسطينيون القتل والتهجير والحصار، تتفاوض شركات إسرائيلية وإماراتية على بيع عشرات المليارات من الدولارات من الغاز إلى مصر.
ولا تفرض الصفقات أي شروط مرتبطة بوقف الحرب أو إنهاء الاحتلال أو حماية الحقوق الفلسطينية، بل توفر لإسرائيل إيرادات مستقرة تساعدها على تعزيز اقتصادها ومكانتها الإقليمية.
السيسي يربط طاقة مصر بالاحتلال
تكشف الصفقة الجديدة أن سياسة السيسي لم تعد تكتفي بالحفاظ على العلاقات السياسية والأمنية مع الاحتلال، بل تعمل على تثبيت اعتماد مصر الاقتصادي عليه لعقود مقبلة.
فبدل حماية أمن الطاقة المصري عبر تنمية الإنتاج المحلي وتنويع المصادر، يجري ربط البلاد بعقود قد تستمر حتى عام 2043، وبشروط تمنح الشركات الإسرائيلية والإماراتية ضمانات مالية طويلة الأجل.
وهكذا تتحول مصر من دولة كانت تصدر الغاز إلى الأراضي المحتلة إلى أكبر مشترٍ للغاز الإسرائيلي، بينما تستفيد الإمارات من دورها وسيطًا ومستثمرًا في هذا المسار.
غاز الاحتلال يشعل التطبيع
لا تمثل صفقة الـ20 مليار دولار عقدًا تجاريًا عاديًا، بل خطوة جديدة نحو دمج الاحتلال في الاقتصاد المصري والخليجي.
فالإمارات تملك حصة في الحقل، وإسرائيل تنتج الغاز وتحصل على العائدات، ومصر تتحول إلى السوق الأكبر والمشتري طويل الأجل.
وبينما تتحدث الأنظمة عن أمن الطاقة والمصالح الاقتصادية، تكشف الأرقام حقيقة أخرى: مليارات عربية تتدفق إلى شركات الاحتلال، وعقود تمتد لعقود، واعتماد استراتيجي يُبنى فوق دماء الفلسطينيين.
إنه تطبيع لا يكتفي برفع الأعلام وفتح السفارات، بل يدخل إلى محطات الكهرباء ومصانع مصر، ويجعل احتياجات المصريين اليومية مصدر أرباح لإسرائيل وشريكتها الإمارات.







