الاحتلال يريد دخول الخليج من بوابة الدفاع الجوي.. الصناعات الإسرائيلية تطرح السلاح «قاطرة» للتطبيع

لم تعد إسرائيل تخفي رؤيتها للتعاون العسكري باعتباره أحد أقصر الطرق نحو توسيع التطبيع مع دول الخليج. ففي تصريحات لافتة، طرح بوعز ليفي، رئيس الصناعات الجوية الإسرائيلية، منظومات الدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية باعتبارها «جسرًا» يمكن أن يقود إلى علاقات أوسع مع دول المنطقة، وصولًا إلى اعتبار الصناعات الدفاعية نفسها «قاطرة» للتطبيع.
التصريحات لا تتحدث عن سيناريو نظري بعيد؛ فليفي كشف عن اتصالات تجارية جارية مع دول في منطقة الخليج بشأن المنظومات الدفاعية الإسرائيلية، وإن أكد أن معظمها لا يزال في إطار بيع الأنظمة وليس إقامة تحالفات رسمية. وفي الرؤية التي قدمها، يمكن لهذه الصفقات أن تتطور لاحقًا إلى شراكات استراتيجية، بما يجعل السلاح مدخلًا لعلاقات سياسية وأمنية أكثر عمقًا.
من بيع السلاح إلى صناعة التطبيع
المهم في تصريحات ليفي ليس فقط وجود اهتمام خليجي بالتكنولوجيا العسكرية الإسرائيلية، بل الطريقة التي تنظر بها الصناعات الإسرائيلية إلى هذه العلاقات.
فالرجل الذي يقود واحدة من أهم شركات السلاح الإسرائيلية يرى أن التعاون الأمني يمكن أن يؤدي دورًا مباشرًا في دفع التطبيع، وأن توفير الحماية للسكان يشكل أساسًا يمكن للحكومات بناء التعاون عليه. كما تحدث عن «جسر تكنولوجي» يجمع الأمن والاقتصاد ويفتح الطريق أمام علاقات مع دول إضافية.
بهذا التصور، لا تبدأ عملية التطبيع بالضرورة بإعلان سياسي أو فتح سفارة، بل يمكن أن تبدأ بطلب للحصول على منظومة دفاع جوي، ثم تدريب وتشغيل وصيانة وتبادل معلومات، قبل أن تتحول شبكة المصالح العسكرية تدريجيًا إلى علاقة استراتيجية يصعب فصلها.
وهذا نموذج أكثر تعقيدًا من التطبيع الدبلوماسي التقليدي؛ لأن صفقة السلاح تنتهي ظاهريًا عند تسليم المنظومة، بينما الشراكة الدفاعية تخلق احتياجًا مستمرًا إلى الاتصال والتحديث وتبادل البيانات والتنسيق بين المؤسسات العسكرية.
الخليج في قلب الرؤية الإسرائيلية
كشف ليفي أن اتصالات تجري مع دول عديدة في أوروبا ومنطقة الخليج للحصول على معلومات بشأن الأنظمة والقدرات الإسرائيلية، موضحًا أن معظم هذه الاتصالات ما زال مرتبطًا ببيع المنظومات الدفاعية وليس بإنشاء تحالفات رسمية.
ولا تكشف التصريحات أسماء الدول الخليجية المعنية، ولذلك لا يصح تحويلها إلى اتهام لدولة بعينها من دون دليل. لكن مجرد تخصيص الخليج بالذكر يوضح المكانة التي تحتلها المنطقة في خطط التوسع التي تضعها الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
كما يأتي هذا الاهتمام في ظرف أمني مناسب لهذا النوع من التسويق. فقد دفعت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال 2026 دول الخليج إلى البحث بصورة متسارعة عن تعزيز مخزوناتها وقدراتها في مجال الدفاع الجوي والصاروخي، بعد أن كشفت المواجهات عن ثغرات واستنزاف في بعض المخزونات.
وهنا ترى إسرائيل فرصة: تحويل المخاوف الأمنية الخليجية إلى طلب على التكنولوجيا الإسرائيلية، ثم تحويل الاعتماد العسكري إلى علاقات سياسية أوسع.
إيران تتحول إلى بوابة للتطبيع
منذ اتفاقيات أبراهام، لعب الحديث عن «التهديد الإيراني المشترك» دورًا مهمًا في الخطاب الإسرائيلي الداعي إلى بناء تحالف إقليمي مع الدول العربية.
لكن تصريحات ليفي تقدم صيغة عملية لهذا المشروع.
فبدل الاكتفاء بالقول إن إسرائيل ودول الخليج تواجه خطرًا مشتركًا، يمكن بناء شبكة دفاع جوي تعتمد على الرادارات والأقمار الاصطناعية وأنظمة الاعتراض والقيادة والسيطرة وتبادل المعلومات.
وتحدث ليفي بالفعل عن إمكانية استخدام القدرات الفضائية والمعلومات الواردة من الأقمار الاصطناعية، إلى جانب الأنظمة الأرضية، لبناء منظومة دفاع جوي إقليمية متكاملة. كما أشار إلى إمكانية مشاركة البيانات والاستنتاجات بين الدول لبناء قدرات دفاعية مشتركة.
وهنا تنتقل العلاقة من شراء سلاح إسرائيلي إلى الاندماج داخل شبكة أمنية تشارك إسرائيل في بنائها وتشغيلها.
الأقمار الصناعية والمعلومات.. ما وراء صواريخ الاعتراض
الشق الأكثر حساسية في التصريحات يتعلق بالمعلومات.
فليفي أوضح أن الأقمار الاصطناعية لا تستخدم فقط لرصد عمليات إطلاق الصواريخ من إيران، وإنما تجمع بصورة مستمرة معلومات عن التضاريس وحركة السكان والزراعة ومصادر المياه لدى الخصوم والحلفاء على السواء، معتبرًا أن هذه البيانات يمكن تحويلها إلى أدوات للتعاون بين الدول.
وهذا يكشف أن مشروع التعاون الذي تطرحه إسرائيل لا يقتصر على شراء بطاريات دفاع جوي.
فالمنظومة الإقليمية التي يتحدث عنها رئيس الصناعات الجوية تتطلب بيانات واتصالات وإنذارًا مبكرًا وقيادة وسيطرة وربطًا بين أجهزة الاستشعار وأنظمة الاعتراض.
وبالتالي يصبح التطبيع الأمني أكثر عمقًا من العلاقات الاقتصادية والسياحية؛ لأنه يربط المؤسسات العسكرية والأمنية للدول العربية بتكنولوجيا إسرائيلية وبشبكات معلومات تحتاج إلى العمل بصورة مستمرة.
الإمارات.. نموذج لما بعد اتفاقيات أبراهام
لا يمكن فصل هذه الرؤية عن النموذج الذي أسسته اتفاقيات أبراهام، وفي مقدمته العلاقة الإماراتية الإسرائيلية.
فالتطبيع الذي بدأ رسميًا عام 2020 تحت عناوين السلام والاستثمار والسياحة والتكنولوجيا توسع خلال السنوات التالية إلى مجالات أمنية ودفاعية أكثر حساسية، ما منح إسرائيل نموذجًا يمكن تقديمه لدول أخرى: ابدأ بالتعاون في ملف محدد، ثم وسّع العلاقة تدريجيًا إلى شراكة استراتيجية.
واللافت أن تصريحات ليفي جاءت على هامش مؤتمر «حوار الشرق الأوسط وأمريكا» MEAD في واشنطن، وهو مؤتمر جمع خلال الأيام الماضية مسؤولين وممثلين من 24 دولة لمناقشة ملفات المنطقة.
وشاركت الإمارات رسميًا في المؤتمر عبر وزير الدولة شخبوط بن نهيان آل نهيان، الذي تحدث في جلسة حملت عنوان «الشراكة والشرق الأوسط الجديد»، بحسب بيان رسمي إماراتي.
ولا يعني وجود مسؤول إماراتي وليفي في المؤتمر نفسه وجود تفاوض مباشر بينهما بشأن صفقة دفاعية؛ فلا توجد معلومات منشورة تثبت ذلك. لكن السياق يكشف البيئة الإقليمية التي يجري فيها طرح هذه الأفكار: مسؤولون عرب وإسرائيليون وأمريكيون يناقشون ترتيبات المنطقة، بينما تطرح الصناعات العسكرية الإسرائيلية نفسها أداة لبناء «الشرق الأوسط الجديد».
التطبيع يبدأ قبل السفارة
ما يقترحه رئيس الصناعات الجوية الإسرائيلية يعيد تعريف مفهوم التطبيع.
فالدولة التي لا تمتلك علاقات رسمية مع الاحتلال قد تبدأ بشراء منظومة دفاعية، أو الدخول في اتصالات تقنية، أو الحصول على بيانات أمنية. ومع استمرار التعاون، تظهر الحاجة إلى خبراء وصيانة وتحديثات وتدريب واتصالات بين المؤسسات.
بعد ذلك يصبح الانتقال إلى العلاقات الرسمية أقل تكلفة سياسيًا؛ لأن جزءًا من العلاقة يكون موجودًا بالفعل خلف الكواليس.
وهذا يفسر وصف الصناعات الدفاعية بأنها «قاطرة» للتطبيع.
السلاح يأتي أولًا، ثم يجر خلفه الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد والسياسة.
الاحتلال يسوّق نفسه حاميًا للخليج
هناك تحول آخر لا يقل أهمية في الخطاب الإسرائيلي.
فإسرائيل التي كانت تُنظر إليها تاريخيًا في المنطقة باعتبارها مصدرًا للصراع والتهديد، تحاول إعادة تقديم نفسها إلى دول الخليج باعتبارها الطرف القادر على حمايتها من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
وهذه عملية سياسية قبل أن تكون عسكرية.
لأن نجاح إسرائيل في إقناع دولة عربية بأنها تحتاج إلى التكنولوجيا الإسرائيلية لحماية مدنها يجعل رفض التطبيع معها أكثر صعوبة، ويخلق مصلحة أمنية مباشرة في استمرار العلاقة.
ومن هنا تصبح منظومات مثل «آرو» و«باراك» والرادارات والأقمار الاصطناعية أكثر من مجرد منتجات تصديرية؛ إنها أدوات محتملة لإعادة صياغة موقع إسرائيل داخل المنطقة.
إسرائيل تحتاج الخليج أيضًا
لكن الصورة التي يقدمها ليفي قد توحي بأن دول الخليج وحدها هي التي تحتاج إلى إسرائيل، وهذا غير دقيق.
فإسرائيل نفسها تعاني من ضغط كبير على مخزون صواريخ الاعتراض بعد سنوات من الحرب. وقد أقر ليفي بأن هناك حاجة مستمرة إلى المزيد من الصواريخ، وأن خطوط الإنتاج تعمل على مدار الساعة، بينما يتطلب توسيع الإنتاج ميزانيات أكبر.
وهذا يعني أن إسرائيل لا تقدم مشروع التعاون من موقع الاكتفاء الكامل.
هي أيضًا تحتاج إلى الأسواق والعقود والاستثمارات والشراكات التي تسمح لصناعاتها الدفاعية بتوسيع الإنتاج، كما تحتاج استراتيجيًا إلى بناء منظومة إقليمية تجعل مواجهة الصواريخ والتهديدات القادمة من إيران مسؤولية مشتركة.
وبالتالي فإن خطاب «حماية الخليج» يخدم في الوقت نفسه حاجة إسرائيل إلى توسيع سوق السلاح وبناء تحالف أمني إقليمي تكون هي جزءًا مركزيًا منه.
السلاح الإسرائيلي يصبح أداة سياسية
الصناعات الجوية الإسرائيلية ليست شركة تجارية عادية. إنها شركة حكومية مرتبطة مباشرة بالبنية الأمنية والعسكرية للاحتلال، وتنتج أنظمة استراتيجية تشمل الدفاع الجوي والصاروخي والرادارات والأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وأنظمة القيادة والسيطرة.
ولهذا فإن دخول منتجاتها إلى دولة عربية لا يمكن فصله بالكامل عن السياسة.
فالعلاقة لا تكون فقط بين مشترٍ وبائع، وإنما بين مؤسسة عسكرية عربية وشركة وطنية إسرائيلية تعمل داخل قلب المنظومة الدفاعية للاحتلال.
وعندما يقول رئيس هذه الشركة بنفسه إن الصناعات الدفاعية يمكن أن تصبح «قاطرة» للتطبيع، فهو يكشف بوضوح أن بيع السلاح ليس هدفًا اقتصاديًا منفصلًا، بل يمكن استخدامه لبناء علاقات سياسية واستراتيجية جديدة.
من «السلام مقابل السلام» إلى «الأمن مقابل التطبيع»
قدمت اتفاقيات أبراهام نموذجًا يقوم على التطبيع دون اشتراط إنهاء الاحتلال أو إقامة الدولة الفلسطينية أولًا.
أما الرؤية التي يطرحها ليفي اليوم فتذهب خطوة إضافية.
المعادلة الجديدة يمكن اختصارها في:
الأمن مقابل التطبيع.
تواجه دولة خليجية تهديدًا بالصواريخ والمسيّرات، فتقدم إسرائيل منظومة دفاعية.
تحتاج المنظومة إلى بيانات، فيبدأ تبادل المعلومات.
تحتاج إلى تكامل، فتُبنى شبكة إقليمية.
تحتاج الشبكة إلى تنسيق دائم، فتتطور العلاقات الأمنية.
ثم يصبح الانتقال إلى علاقات سياسية كاملة خطوة تالية داخل مسار بدأ أصلًا باسم «الدفاع عن المواطنين».
وهكذا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية بالكامل من المعادلة.
الخلاصة.. إسرائيل تريد أن يسبق الصاروخُ السفيرَ
تصريحات رئيس الصناعات الجوية الإسرائيلية تكشف بوضوح أحد المسارات التي تراهن عليها تل أبيب لتوسيع التطبيع في الخليج.
ليس المطلوب انتظار دولة عربية أخرى تعلن انضمامها رسميًا إلى اتفاقيات أبراهام.
يمكن أن يبدأ الطريق قبل ذلك بكثير.
منظومة دفاع جوي.
ثم اتصال تقني.
ثم تبادل بيانات.
ثم تعاون استخباراتي وعسكري.
ثم شراكة استراتيجية.
وفي النهاية تصبح العلاقات السياسية نتيجة لمسار أمني سبقها ومهّد لها.
والأهم أن هذه ليست قراءة خارجية فقط؛ فرئيس واحدة من أكبر مؤسسات الصناعات العسكرية الإسرائيلية يقول بنفسه إن التعاون الأمني يمكن أن يكون «قاطرة» للتطبيع، ويتحدث بالتزامن عن اتصالات مع دول في الخليج بشأن المنظومات الدفاعية.
وهنا تتضح الاستراتيجية: الاحتلال يريد أن يدخل إلى دول الخليج من بوابة الخوف من الصواريخ، وأن تتحول منظوماته الدفاعية من أسلحة تُباع إلى جسور سياسية تُبنى عليها العلاقات.
وبعد أن فتحت اتفاقيات أبراهام باب التطبيع الدبلوماسي، تراهن إسرائيل اليوم على مرحلة أكثر عمقًا: أن يصبح أمن بعض الدول العربية مرتبطًا بالتكنولوجيا الإسرائيلية، بحيث لا يعود التطبيع مجرد خيار سياسي يمكن التراجع عنه، بل جزءًا من بنية الأمن الإقليمي نفسها.







