ترامب يفضح مسار التطبيع بين محمد بن سلمان والاحتلال

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن ملف تطبيع العلاقات بين السعودية والاحتلال الإسرائيلي لا يزال مطروحًا داخل المحادثات التي يجريها مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، رغم الخطاب الرسمي السعودي الذي يربط الاعتراف بإسرائيل بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وقال ترامب، في تصريحات منسوبة إلى مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز»، إنه تحدث مع محمد بن سلمان ونتنياهو بشأن التطبيع بين السعودية وإسرائيل، مضيفًا أن الأمر يحظى بقبول لدى الطرفين وأنه «يمكن أن يحدث». وتداولت وسائل إعلام وحسابات إخبارية عربية التصريحات نفسها يوم الجمعة 31 يوليو/تموز 2026.
وتكتسب تصريحات ترامب أهميتها من أنها لا تأتي في سياق تكهنات إعلامية أو دعوات إسرائيلية معتادة، بل باعتبارها حديثًا مباشرًا عن مناقشة الملف مع محمد بن سلمان نفسه. وهي تضع علامات استفهام جدية أمام الموقف السعودي المعلن، الذي يقدم التطبيع باعتباره مستبعدًا قبل قيام الدولة الفلسطينية، بينما تكشف الوقائع استمرار التفاوض بشأنه وارتباطه بحزمة من المكاسب الأمنية والنووية والسياسية التي تسعى الرياض إلى الحصول عليها من واشنطن.
التطبيع لم يخرج من حسابات محمد بن سلمان
يحاول الخطاب الرسمي السعودي الإيحاء بأن الطريق إلى التطبيع مغلق ما لم يحصل الفلسطينيون على دولتهم، لكن تصريحات ترامب تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
فحين يؤكد الرئيس الأمريكي أنه بحث المسألة مع محمد بن سلمان، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا يناقش ولي العهد إقامة العلاقات مع الاحتلال أصلًا، ما دام الشرط السعودي المعلن لم يتحقق، وما دامت حكومة نتنياهو ترفض قيام دولة فلسطينية وتواصل سياسات الاحتلال والاستيطان؟
المحادثة لا تعني بالضرورة أن اتفاقًا نهائيًا أُبرم، لكنها تنفي في المقابل أن الملف مرفوض من حيث المبدأ. فالتطبيع لا يزال موضوعًا للتفاوض، والاختلاف الظاهر يدور حول المقابل والشروط والتوقيت، وليس حول رفض الاعتراف بالاحتلال رفضًا نهائيًا.
وهذا التمييز جوهري؛ لأن هناك فارقًا بين دولة تقول إنها لن تطبع لأنها ترفض منح الاحتلال الشرعية، ودولة تفاوض على الثمن الذي ستتقاضاه مقابل التطبيع، ثم تستخدم القضية الفلسطينية لتحسين شروط الصفقة وتقليل كلفتها السياسية.
شرط فلسطين تحت الاختبار
أعلنت وزارة الخارجية السعودية رسميًا أنه لن تكون هناك علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ووقف العدوان على غزة وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع.
لكن البيانات الرسمية لا تكفي وحدها للحكم على حقيقة السياسة السعودية، خصوصًا عندما تشير التحركات الفعلية إلى استمرار التفاوض على التطبيع.
فالموقف الجاد الذي يجعل الدولة الفلسطينية شرطًا غير قابل للمساومة كان يفترض تجميد المحادثات مع الاحتلال، أو إعلان إغلاق الملف ما دامت حكومة نتنياهو ترفض هذا الشرط صراحة. إلا أن ما يظهر من حديث ترامب هو أن النقاش لم يتوقف، وأن الباب ما زال مفتوحًا.
كما أن صياغة الشرط نفسه تظل عرضة لإعادة التفسير. فقد لا تتمسك الرياض في نهاية المطاف بقيام دولة فلسطينية مكتملة السيادة فعلًا، بل قد تقبل بما تسميه واشنطن «مسارًا موثوقًا» أو «خطوات لا رجعة فيها» نحو الدولة، وهي تعبيرات فضفاضة يمكن تحويلها إلى وعود سياسية أو ترتيبات مؤقتة لا تُلزم الاحتلال بإنهاء احتلاله.
وبذلك قد يتحول الشرط المعلن من قيام الدولة الفلسطينية قبل التطبيع إلى مجرد تعهد أمريكي ببحثها لاحقًا، ثم يُقدَّم هذا التعهد للرأي العام باعتباره انتصارًا دبلوماسيًا سعوديًا.
هل فلسطين شرط أم غطاء سياسي؟
التشكيك في النوايا السعودية لا يعني إنكار البيانات التي أصدرتها الرياض، بل يعني اختبارها أمام السلوك السياسي.
فلو كانت الدولة الفلسطينية هي الغاية المركزية، لتركزت المفاوضات على وسائل إنهاء الاحتلال وإجبار إسرائيل على الانسحاب. لكن ما يتصدر المحادثات الأمريكية السعودية هو البرنامج النووي المدني، والضمانات الأمنية، وصفقات السلاح، والاستثمارات، والعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن.
وهذا يفتح المجال لقراءة مختلفة: القضية الفلسطينية قد لا تكون جوهر الصفقة، بل غطاءً سياسيًا تحتاج إليه القيادة السعودية لتبرير التحول أمام شعب المملكة والعالمين العربي والإسلامي.
فمحمد بن سلمان يدرك أن السعودية ليست الإمارات أو البحرين؛ فهي تحتضن الحرمين الشريفين، وتقدم نفسها بوصفها مركزًا للعالم الإسلامي، وأي تطبيع مجاني مع الاحتلال سيحمل كلفة رمزية وسياسية هائلة.
لهذا يحتاج ولي العهد إلى مقابل يمكن تسويقه داخليًا، وإلى صيغة تسمح له بالقول إنه لم يتخل عن فلسطين، حتى لو كان المقابل الفعلي أقل كثيرًا من دولة مستقلة كاملة السيادة.
البرنامج النووي يتحول إلى ثمن للتطبيع
ظهر الترابط بين الملفات بوضوح عندما أعلن ترامب أن اتفاق التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية لن يمضي قدمًا ما لم تنضم المملكة إلى «اتفاقيات أبراهام» وتطبع علاقاتها مع إسرائيل.
وكانت الولايات المتحدة والسعودية قد أعلنتا اتفاقًا للتعاون في تطوير مفاعلات نووية تجارية، قبل أن يضيف ترامب شرط التطبيع بعد الإعلان عنه، وهو ما أثار ارتباكًا داخل الإدارة الأمريكية وتساؤلات بشأن مستقبل الاتفاق.
هنا تصبح المعادلة أكثر وضوحًا: واشنطن تعرض على محمد بن سلمان التكنولوجيا النووية والتعاون الاستراتيجي، مقابل أن يمنح الاحتلال أكبر اعتراف عربي وإسلامي يمكن أن يحصل عليه.
ولا تبدو فلسطين في قلب هذه المعادلة، بل تأتي في هامشها باعتبارها العقبة التي يجب إيجاد صيغة لغوية وسياسية للالتفاف عليها.
فالتفاوض الحقيقي يجري حول ما يريده محمد بن سلمان لنظامه ومشروعه: مظلة أمنية أمريكية، وتعاون نووي، وسلاح متقدم، ورفع مكانته لدى واشنطن. أما الفلسطينيون، فيُخشى أن يتحولوا إلى بند يستخدم لتجميل الصفقة لا إلى الطرف الذي تُبنى عليه.
محمد بن سلمان يفاوض على مكاسب حكمه
يمثل التطبيع بالنسبة إلى محمد بن سلمان فرصة للحصول على ما تعذر على الرياض انتزاعه من واشنطن عبر العلاقات التقليدية.
فالقيادة السعودية تسعى منذ سنوات إلى اتفاق أمني أكثر إلزامًا مع الولايات المتحدة، وإلى برنامج نووي مدني بقدرات متقدمة، وإلى تسهيل الحصول على الأسلحة والتكنولوجيا الأمريكية، فضلًا عن دعم سياسي يعزز مكانة ولي العهد دوليًا.
في المقابل، تدرك واشنطن أن ما تملكه السعودية لتقديمه ليس النفط وحده، بل الاعتراف بإسرائيل.
ومن ثم يتحول التطبيع إلى صفقة بين ثلاثة أطراف:
محمد بن سلمان يريد ضمانات أمريكية وتكنولوجيا نووية وغطاءً سياسيًا؛ وترامب يريد إنجازًا تاريخيًا يعيد به إحياء اتفاقيات أبراهام؛ ونتنياهو يريد الاعتراف السعودي من دون أن يضطر إلى إنهاء الاحتلال أو قبول دولة فلسطينية حقيقية.
أما الفلسطينيون، فليسوا طرفًا في التفاوض، رغم أن حقوقهم تُستخدم بوصفها العملة السياسية التي يتبادل بها الآخرون المكاسب.
نتنياهو المستفيد الأكبر
سيمنح التطبيع السعودي نتنياهو إنجازًا يفوق في أهميته اتفاقات الاحتلال مع الإمارات والبحرين والمغرب.
فالسعودية تمتلك ثقلًا دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا لا تملكه أي دولة طبّعت ضمن «اتفاقيات أبراهام». واعترافها بإسرائيل سيُستخدم للإيحاء بأن الصراع العربي والإسلامي مع الاحتلال قد انتهى، وأن القضية الفلسطينية لم تعد عائقًا أمام دمجه في المنطقة.
وسيتمكن نتنياهو من تقديم الاتفاق إلى الإسرائيليين باعتباره دليلًا على صحة استراتيجيته: يمكن لإسرائيل أن تحصل على التطبيع العربي من دون إنهاء الاحتلال، ومن دون وقف الاستيطان، ومن دون السماح بقيام دولة فلسطينية.
كما سيتيح التطبيع فتح الأسواق السعودية أمام الشركات الإسرائيلية، وتوسيع التعاون الأمني والاستخباراتي، وربط مشاريع النقل والطاقة والتكنولوجيا بين الخليج والاحتلال.
وبهذه الصورة، لا يكون التطبيع مجرد تبادل للسفراء، بل إعادة تشكيل للمنطقة بحيث تصبح إسرائيل جزءًا من بنيتها الاقتصادية والأمنية.
اتفاقيات أبراهام تعود من البوابة السعودية
مثلت الإمارات عام 2020 رأس الحربة في كسر الموقف العربي الذي كان يربط التطبيع بحل القضية الفلسطينية.
فقد منحت أبوظبي الاحتلال علاقات كاملة واستثمارات وتعاونًا أمنيًا واقتصاديًا، مقابل تعليق مؤقت لخطة ضم أجزاء من الضفة الغربية، من دون إلغاء الاحتلال أو وقف الاستيطان.
وتسعى إدارة ترامب الآن إلى تكرار النموذج نفسه مع السعودية، لكن على نطاق أكبر.
فالهدف ليس الحصول على اتفاق ثنائي فحسب، بل استخدام الرياض لإضفاء شرعية دينية وسياسية واسعة على مشروع دمج إسرائيل في المنطقة، ثم الضغط على دول عربية وإسلامية أخرى للسير في الطريق ذاته.
ومن هذه الزاوية، سيكون تطبيع محمد بن سلمان امتدادًا للمسار الذي بدأته الإمارات: منح الاحتلال العلاقات والمصالح أولًا، وتأجيل الحقوق الفلسطينية إلى مفاوضات غير محددة.
واشنطن لا تبحث عن دولة فلسطينية
لا تقدم إدارة ترامب نفسها وسيطًا محايدًا بين الفلسطينيين والاحتلال، بل راعيًا لمشروع التطبيع الإسرائيلي.
فحين يربط ترامب البرنامج النووي السعودي بالاعتراف بإسرائيل، فإنه لا يشترط في المقابل على نتنياهو وقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال أو القبول الصريح بدولة فلسطينية.
الضغط الأمريكي يقع على الرياض كي تطبع، لا على إسرائيل كي تنسحب.
وهذا الاختلال يكشف أن «السلام» المستخدم في الخطاب الأمريكي لا يعني تحقيق العدالة للفلسطينيين، بل توسيع دائرة الدول العربية التي تقبل الاحتلال بوصفه أمرًا واقعًا.
حتى الشرط المتعلق بالدولة الفلسطينية يمكن أن يتحول، في الرؤية الأمريكية، إلى إجراءات شكلية تمنح محمد بن سلمان مساحة لحفظ ماء الوجه، من دون إجبار إسرائيل على تغيير بنيتها الاستيطانية أو التخلي عن السيطرة الأمنية على الأراضي الفلسطينية.
تصريحات ترامب تحرج الخطاب السعودي
يضع حديث ترامب القيادة السعودية أمام تناقض واضح.
فإما أن الرئيس الأمريكي يبالغ في تصوير موقف الرياض باعتباره إيجابيًا تجاه التطبيع، وهنا يتوجب على السعودية إصدار نفي واضح ومباشر لما قاله؛ وإما أن المحادثات تجري بالفعل وأن الرياض تبحث كيفية الوصول إلى اتفاق، وهنا يصبح خطاب الدولة الفلسطينية بحاجة إلى مراجعة نقدية.
الصمت أو الاكتفاء بتكرار البيانات القديمة لن يحسم هذا التناقض.
فالمطلوب، إن كانت الرياض جادة، هو إعلان صريح بأن التطبيع غير مطروح مع حكومة الاحتلال الحالية، وأن التعاون النووي أو الأمني مع واشنطن لن يكون مقابل الاعتراف بإسرائيل، وأن قيام الدولة الفلسطينية يجب أن يتحقق فعلًا قبل أي علاقة، لا أن يتحول إلى وعد مستقبلي مبهم.
أما استمرار المحادثات مع ترامب ونتنياهو، مع إبقاء الرأي العام أمام بيانات عامة، فيعزز الشك بأن الخلاف يدور حول صيغة الصفقة لا حول مبدئها.
التطبيع لا ينقذ فلسطين
يجادل مؤيدو المسار بأن دخول السعودية في علاقات مع الاحتلال قد يمنحها نفوذًا يمكن استخدامه لصالح الفلسطينيين.
لكن التجارب السابقة لا تدعم هذا الادعاء.
فالإمارات والبحرين والمغرب طبعت علاقاتها مع إسرائيل، ولم يؤد ذلك إلى وقف الاستيطان أو الحصار أو الاعتداءات. بل واصل الاحتلال سياساته، مستفيدًا في الوقت نفسه من التجارة والاستثمارات والشرعية السياسية التي قدمتها له الدول المطبعة.
المشكلة أن التطبيع يسلم إسرائيل المكافأة الكبرى مقدمًا، ثم يأمل أن تستخدم العلاقات لاحقًا لإقناعها بتقديم تنازلات.
وبمجرد حصول الاحتلال على الاعتراف السعودي، ستفقد الرياض أهم ورقة ضغط تملكها. فما الذي سيدفع نتنياهو بعدها إلى قبول دولة فلسطينية كان يرفضها قبل أن يحصل على التطبيع؟
الاعتراف مكافأة للاحتلال
يأتي الحديث عن التطبيع بينما لم ينه الاحتلال سيطرته على الأراضي الفلسطينية، ولم يتراجع عن مشروعه الاستيطاني، ولم يعترف بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة ذات سيادة.
وفي هذا السياق، لن يكون الاتفاق السعودي الإسرائيلي «سلامًا» بين دولتين متحاربتين بالمعنى التقليدي، بل اعترافًا عربيًا جديدًا بقوة احتلال لا تزال ترفض تنفيذ شروط السلام.
كما سيمنح الاتفاق نتنياهو فرصة للخروج من أزماته السياسية وتقديم نفسه بوصفه الرجل الذي أدخل إسرائيل إلى قلب العالم العربي من دون أن يتنازل للفلسطينيين.
ولهذا، فإن الضرر لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يمتد إلى تقويض الموقف الفلسطيني وإضعاف أي قدرة عربية مستقبلية على الضغط.
مكة والمدينة في خدمة اتفاقيات أبراهام
لا تملك أي دولة عربية الأهمية الرمزية التي تملكها السعودية بسبب احتضانها مكة المكرمة والمدينة المنورة.
ولهذا سيكون للتطبيع السعودي أثر يتجاوز العلاقات الدبلوماسية، إذ ستستخدمه إسرائيل لتأكيد قبولها داخل العالم الإسلامي، وربما لفتح مسارات دينية وسياحية وتجارية تمنحها حضورًا أعمق.
وسيقدم الاحتلال الاتفاق بوصفه نهاية للصراع الإسلامي معه، رغم استمرار احتلال القدس والمسجد الأقصى والأراضي الفلسطينية.
وهنا تتضاعف مسؤولية محمد بن سلمان؛ لأنه لا يتخذ قرارًا يخص سياسة خارجية سعودية محدودة، بل يتصرف في موقع ذي رمزية إسلامية يحاول الاحتلال استغلاله للحصول على شرعية لم يحققها عبر عقود من القوة العسكرية.
الرأي العام غائب عن الصفقة
لا تجري المفاوضات وسط نقاش سعودي عام يستطيع المواطنون من خلاله معرفة ما تقدمه المملكة وما تحصل عليه وما سيكون مصير الشرط الفلسطيني.
فالقرار يتركز في يد محمد بن سلمان، بينما تخضع وسائل الإعلام السعودية لخط رسمي موحد، ويصعب ظهور معارضة داخلية علنية لمسار بهذا الحجم.
ويتيح غياب الشفافية إعادة تقديم أي نتيجة لاحقة بوصفها إنجازًا تاريخيًا، حتى لو تضمنت تنازلًا عن شرط الدولة الفلسطينية أو استبداله بوعود أمريكية.
كما يسمح للسلطات بالانتقال التدريجي من رفض التطبيع إلى تمهيد الرأي العام له، عبر التركيز على المنافع الاقتصادية والأمنية وتصوير الاعتراض عليه باعتباره معارضة لمصالح المملكة.
هل يرفع محمد بن سلمان الثمن فقط؟
الاحتمال الأكثر إثارة للقلق هو أن محمد بن سلمان لا يرفض التطبيع، بل يرفع ثمنه.
فالشروط السعودية المطروحة في المفاوضات لا تقتصر على فلسطين، بل تشمل مكاسب مباشرة للمملكة وقيادتها: التعاون النووي، والضمانات الأمنية، والسلاح، والعلاقة المميزة مع الولايات المتحدة.
وهذا يعني أن السؤال في المفاوضات قد لا يكون: هل نعترف بالاحتلال؟ بل: ماذا ستمنحنا واشنطن مقابل الاعتراف؟
وحين يصبح التطبيع عملة للحصول على المفاعلات والسلاح والحماية، تتحول القضية الفلسطينية إلى ورقة ضمن مساومة أكبر، يمكن تخفيض سقفها إذا ارتفع المقابل الأمريكي.
موقف السعودية يُقاس بالفعل لا بالبيانات
لا يمكن الجزم بما ستنتهي إليه المفاوضات، كما لا يمكن اعتبار حديث ترامب وحده دليلًا على توقيع اتفاق نهائي.
لكن من الخطأ أيضًا التعامل مع البيانات السعودية بوصفها ضمانة كافية، وتجاهل استمرار المحادثات وارتباطها بصفقات استراتيجية ضخمة.
المعيار الحقيقي هو الأفعال:
هل أغلقت الرياض ملف التطبيع حتى قيام الدولة الفلسطينية فعلًا؟
هل رفض محمد بن سلمان ربط البرنامج النووي باتفاقيات أبراهام؟
هل أبلغ ترامب بأن الاعتراف بإسرائيل غير قابل للنقاش في ظل رفض نتنياهو للدولة الفلسطينية؟
أم أن المفاوضات مستمرة، والخلاف يتركز على المقابل والتوقيت والصياغة التي ستُقدم بها الصفقة؟
حتى الآن، تمنح تصريحات ترامب وزنًا أكبر للاحتمال الثاني.
تطبيع لحماية مشروع محمد بن سلمان
من منظور نقدي، يبدو المسار أقرب إلى استخدام التطبيع لخدمة مشروع محمد بن سلمان السياسي، لا لخدمة فلسطين.
فولي العهد يريد تثبيت شراكته مع الولايات المتحدة، وحماية خطته الاقتصادية، والحصول على التكنولوجيا النووية، وتعزيز موقعه الدولي. وتملك إسرائيل وحلفاؤها في واشنطن القدرة على تسهيل جزء من هذه الأهداف، مقابل الجائزة التي ينتظرونها: الاعتراف السعودي.
أما الدولة الفلسطينية، فيُخشى أن تتحول إلى الصياغة التي يحتاج إليها محمد بن سلمان ليقدم الصفقة على أنها انتصار، لا تنازل.
وإذا قبلت الرياض بوعود أو مسارات تفاوضية بدل قيام الدولة فعلًا، فستكون قد منحت نتنياهو ما يريده، مقابل ورقة يمكن لإسرائيل تعطيلها بعد أن تحصل على التطبيع.
الخلاصة: فلسطين على مائدة المساومة
تكشف التفاصيل الجديدة أن التطبيع السعودي مع الاحتلال ليس ملفًا ميتًا، بل مشروعًا تُجرى حوله محادثات مباشرة بين محمد بن سلمان وترامب ونتنياهو.
وتوضح صفقة البرنامج النووي أن واشنطن تسعى إلى تحويل احتياجات السعودية الأمنية والتكنولوجية إلى وسيلة لانتزاع الاعتراف بإسرائيل.
أما شرط الدولة الفلسطينية، فرغم أهميته في الخطاب الرسمي، فإنه يظل موضع شك ما دامت الرياض تناقش التطبيع مع حكومة ترفض تلك الدولة أصلًا، وما دام ولي العهد لم يغلق الباب أمام الصفقة.
الخطر أن ينتهي المسار إلى منح الاحتلال اعترافًا تاريخيًا، مقابل ضمانات أمريكية تخدم حكم محمد بن سلمان، ووعود فضفاضة للفلسطينيين لا تمنحهم دولة ولا تنهي الاحتلال.
وفي هذه الحالة، لن تكون السعودية قد استخدمت التطبيع لخدمة فلسطين، بل ستكون قد استخدمت فلسطين لتسويق التطبيع.
وسيكون نتنياهو قد حصل على أكبر انتصار سياسي عربي من دون أن يوقف الاستيطان أو ينسحب من الأرض أو يعترف بحقوق الفلسطينيين، بينما يقدم محمد بن سلمان الصفقة باعتبارها ثمنًا للتحديث والأمن والبرنامج النووي.
إن التطبيع الذي يجري التفاوض عليه ليس طريقًا لتحرير فلسطين، بل صفقة مصالح بين واشنطن والرياض وتل أبيب، تُدفع فاتورتها من الحقوق الفلسطينية ومن المكانة التاريخية والدينية للسعودية.







