هل يكسر لبنان “المحظور التاريخي”؟

لأول مرة منذ عقود، تعود فكرة التطبيع مع إسرائيل إلى واجهة الجدل السياسي اللبناني، ليس عبر وساطات خارجية أو تسريبات إعلامية، بل من خلال تصريح علني لنائب في البرلمان اللبناني. فبينما يكرّس الدستور اللبناني ومجمل القوانين الوطنية مبدأ العداء المطلق لإسرائيل، خرج النائب وليد البعريني بموقف مثير للجدل، داعيًا إلى تطبيع “مشروط” إذا حقق مصلحة لبنان الاستراتيجية.
هذه التصريحات فتحت الباب مجددًا لنقاش قديم متجدد، يزداد سخونة مع تغيّر موازين القوى الإقليمية، وتصاعد الضغوط الدولية على بيروت، وعودة الحديث الأميركي عن ترتيبات دبلوماسية محتملة بين لبنان وتل أبيب.
أولًا: تصريح البعريني… بين الواقعية والصدمة
النائب البعريني، وهو سياسي سنّي من شمال لبنان، كتب على منصة X:
“نعم للتطبيع إذا كان يحمي من الاعتداءات، ويسترجع أرضنا، ويضمن السلام والازدهار… ولا لمعاندة المسارات العربية وعلى رأسها السعودية”.
▪️ لم يكن التصريح تقليديًا، بل جاء في توقيت حسّاس، بعد أشهر من وقف إطلاق النار المؤقت بين إسرائيل ولبنان في 27 نوفمبر 2024، وبعد سلسلة غارات إسرائيلية أوقعت أكثر من 100 قتيل لبناني، وامتدت من الجنوب إلى ضاحية بيروت الجنوبية.
▪️ هذا التصريح أُطلق في مناخ سياسي محتدم، حيث الشارع اللبناني منقسم بين رفض قاطع لأي شكل من أشكال الاتصال مع إسرائيل، وبين أصوات ترى أن المصلحة الوطنية تقتضي إعادة النظر في المواقف التاريخية.
ثانيًا: مواقف الدولة… ثبات رسمي وقلق داخلي
رغم تصريحات البعريني، فإن الموقف الرسمي اللبناني ما زال رافضًا للتطبيع بشكل قاطع:
- الرئيس جوزيف عون أكد أن “التطبيع ليس مطروحًا اليوم”.
- رئيس الحكومة نواف سلام شدد على أن “لا أحد يريد التطبيع مع إسرائيل في لبنان”، مؤكدًا أن الوسائل الدبلوماسية لم تُستنفد بعد.
- المؤسسات الرسمية رفضت مقترحات أميركية بفتح مسار دبلوماسي بثلاث مجموعات عمل مشتركة مع إسرائيل.
لكنّ واقع الحال يكشف أن التباين داخل الطبقة السياسية اللبنانية حول التطبيع بدأ يتسع، ولو بشكل غير علني.
ثالثًا: مواقف الشارع… من التعاطف إلى الشكوى
مع تصاعد الغارات الإسرائيلية، برزت مؤشرات إلكترونية مثيرة للجدل: مئات التعليقات الإيجابية من حسابات لبنانية على منشورات المتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي، تُشيد بالغارات على مواقع حزب الله. هذه الظاهرة – رغم شُبهات التلاعب بها – تعكس تحولًا في المزاج العام لبعض فئات المجتمع، خصوصًا في ظل تردّي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وغياب الأمل بمستقبل مستقر.
▪️ ردًا على هذا، قدّم المحامي اللبناني حسن بزي شكوى قانونية ضد “تدوينات تتضمن تحريضًا وتواصلًا مع العدو”، مطالبًا القضاء بالتحرك.
▪️ لكنه انتقد الأداء القضائي، معتبرًا أن “السلطة التنفيذية تتحكم بالقضاء”، ما يعطل أي تحرك جاد لتطبيق قوانين مقاطعة إسرائيل.
رابعًا: البُعد الإقليمي… هل يخرج لبنان عن “الإجماع الممانع”؟
خلف النقاش الداخلي، هناك تحوّلات إقليمية ضاغطة:
- السعودية تقود مسارًا تطبيعيًا تدريجيًا، وقد أشار البعريني إلى ضرورة عدم معاندة هذا المسار.
- دول عربية كالإمارات والبحرين والمغرب وقّعت اتفاقات مع إسرائيل، ما يضع لبنان في موقف استثنائي إذا أصر على موقفه.
- المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس كشفت عن رغبة واشنطن في دفع بيروت نحو تفاوض مباشر مع تل أبيب حول الملفات الحدودية، الأمنية، والطاقة.
في هذا السياق، يرى الكاتب والباحث جورج العاقوري أن المنطقة “باتت أقرب إلى التطبيع”، داعيًا لبنان إلى “مراعاة المصلحة الوطنية والسير ضمن الإجماع العربي”.
خامسًا: هل من سابقة تاريخية للتطبيع اللبناني؟
نعم، ففي 17 أيار 1983 وقّع لبنان وإسرائيل اتفاقًا برعاية أميركية نص على تطبيع سياسي شامل، لكنّه أُلغي بعد أربع سنوات نتيجة رفض داخلي واسع، وفشل إسرائيل في تنفيذ التزاماتها.
اليوم، تعود الأسئلة نفسها بصيغة جديدة:
▪️ هل تغيّرت الظروف بما يكفي لقبول اتفاق مشابه؟
▪️ هل يمكن للبنان أن يتخذ خطوة كهذه دون توافق داخلي شامل؟
سادسًا: العقبات القانونية والدستورية
القانون اللبناني واضح في تجريم أي اتصال مع إسرائيل، وهو ما يجعل أي تصريح مؤيد للتطبيع عرضة للملاحقة. لكن التطبيق القضائي، وفق المحامي بزي، يخضع لتجاذبات القوى السياسية، وهو ما يعطل إمكانيات المحاسبة أو الردع.
▪️ المشكلة ليست في النصوص القانونية، بل في استقلالية القضاء، وهي الإشكالية الأعمق في كل نقاش حول قضايا سيادية كبرى في لبنان.
لبنان على مفترق طرق
ما طرحه النائب البعريني ليس مجرد رأي شخصي، بل كسر لحاجز رمزي ظل ثابتًا لعقود في المشهد اللبناني. لكنه أيضًا يفتح بابًا على احتمالات خطيرة، بينها:
- شرذمة داخلية بين المكونات اللبنانية إذا لم تتم مقاربة الملف بالتوافق الوطني.
- إعادة خلط الأوراق الإقليمية في ظل توتر العلاقة بين أميركا وإيران، وتحولات السياسة الإسرائيلية.
- تنامي التأثير الخارجي على القرار اللبناني، سياسيًا واقتصاديًا.







