موانئ الغضب: كيف تحوّلت احتجاجات المغاربة إلى جبهة ضد التطبيع ونقل السلاح لإسرائيل؟

شهدت الساحة المغربية خلال الأسابيع الأخيرة تحولًا لافتًا في طبيعة الاحتجاجات الشعبية المناهضة للتطبيع مع إسرائيل، إذ انتقل الحراك من التنديد الرمزي إلى استهداف مباشر للموانئ الاستراتيجية، التي باتت تُتهم بأنها “حلقة وصل” في تمرير معدات عسكرية متجهة إلى جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يشن حرب إبادة مدمرة ضد قطاع غزة.

في هذا السياق، لم تعد الاحتجاجات في شوارع المدن الكبرى أو أمام السفارات كافية، بل اتجهت أنظار الشارع نحو ميناءَي طنجة والدار البيضاء، حيث نظّم مئات المتظاهرين وقفات ومسيرات احتجاجية يومي 18 و20 أبريل/نيسان، تحت شعار: “لا لسفن الإبادة في موانئ بلادنا”.

 من الشارع إلى الأرصفة: موانئ المغرب تحت مجهر الغضب الشعبي

ما أثار حفيظة المحتجين هو تزايد الشبهات حول عبور سفن أجنبية محمّلة بمعدات عسكرية عبر الموانئ المغربية، وتحديدًا سفن شركة الشحن الدنماركية “ميرسك” التي تشارك في نقل مكونات تُستخدم في تصنيع مقاتلات F-35 ضمن شراكة مع وزارة الدفاع الأمريكية.

وفي لحظة رمزية قوية، رُفعت اللافتات أمام ميناء الدار البيضاء للمطالبة بمنع رسو سفينة “نيكسو ميرسك”، التي يُشتبه بأنها تحمل مكونات عسكرية متجهة إلى إسرائيل، فيما تصدت قوات الأمن للمتظاهرين ومنعتهم من الوصول إلى بوابة الميناء.

هذه الموانئ، التي تُعد شرايين اقتصادية حيوية، تحوّلت إلى رموز للغضب الشعبي، خاصة مع استمرار العدوان على غزة، واستهداف الاحتلال للمستشفيات والأطفال والنساء.

 “ميرسك” في قلب العاصفة: من نقل السلع إلى دعم آلة الحرب

أصبحت شركة ميرسك في نظر الشارع المغربي عنوانًا للتطبيع غير المُعلن، وسط اتهامات متصاعدة باستخدام موانئ المملكة لنقل شحنات تسهم بشكل مباشر في تمويل آلة الحرب الإسرائيلية.

وفي بيان لافت، قالت حركة BDS المغرب إن ميناء طنجة المتوسط يستقبل سفنًا تابعة لميرسك منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعضها يحمل شحنات متجهة إلى قاعدة “نيفاتيم” الإسرائيلية، التي تُستخدم في تنفيذ الغارات الجوية على غزة.

وتساءلت الحركة عن موقف الدولة المغربية من هذا الانخراط، معتبرة أن تسهيل عبور هذه الشحنات ليس فقط موقفًا غير أخلاقي، بل قد يدخل البلاد في دائرة المساءلة القانونية الدولية، باعتباره دعمًا غير مباشر لجرائم حرب.

 إسماعيل لغزاوي.. وجه الغضب الشعبي

من بين الشخصيات التي تصدّرت واجهة الاحتجاجات، يبرز اسم المهندس الزراعي إسماعيل لغزاوي (34 عامًا)، الذي اعتُقل العام الماضي بسبب مشاركته في حملة مشابهة. لكنه عاد مؤخرًا إلى ساحة الميناء حاملًا لافتة كتب عليها “اطردوا السفينة”، محاطًا بالمئات من رافعي الأعلام الفلسطينية.

لغزاوي ليس حالة فردية؛ بل يمثل موجة ناشئة من الشباب المغربي الرافض لتحوّل بلاده إلى “معبر غير أخلاقي” نحو إسرائيل، في وقت تتزايد فيه المجازر في غزة، ويتواصل التهجير القسري بحق الفلسطينيين.

 من التطبيع إلى التورط.. أسئلة الشارع تتصاعد

التحول في الحراك المغربي لا يتعلق فقط برفض رمزي للتطبيع، بل بتوجيه أصابع الاتهام المباشر إلى الدولة بممارسة التواطؤ، أو على الأقل التغطية على عمليات عبور عسكري قد تضع الرباط في موضع الشريك غير المباشر في الإبادة.

في هذا السياق، تؤكد حركة المقاطعة أن استخدام الموانئ المغربية لتسهيل العبور العسكري يُمثل خيارًا سياسيًا خطيرًا، داعية عمال الموانئ إلى العصيان المدني ورفض التعامل مع شحنات ميرسك.

 حلم صناعي في مهب الغضب

المفارقة أن هذه الأزمة تتزامن مع إعلان الحكومة المغربية عن مناقصة دولية لتشغيل أكبر حوض لبناء السفن في أفريقيا بمدينة الدار البيضاء، في خطوة تهدف لتوطين صناعة بحرية وتقليل الاعتماد على الخارج.

لكن أرقام المجلس الاقتصادي والاجتماعي تكشف عن واقع متدهور؛ إذ تراجعت الشركات العاملة في القطاع من 40 إلى 10 شركات فقط، فيما لا يتجاوز عدد فرص العمل 700 سنويًا، رغم الإمكانيات البحرية الهائلة التي يمتلكها المغرب من سواحل تمتد لأكثر من 3500 كلم.

هذا التناقض بين الطموح الصناعي والتورط في دعم شحنات عسكرية يضع الحكومة أمام تحدٍّ أخلاقي وسياسي واقتصادي مركّب.

 قراءة ختامية: موانئ تحت الرقابة الشعبية

ما يجري اليوم في المغرب هو تحوّل نوعي في مفهوم الاحتجاج؛ فالغضب الشعبي لم يعد ينحصر في الشعارات السياسية، بل بات يترجم إلى خطوات عملية تستهدف البنية التحتية الحيوية التي قد يتم توظيفها لدعم العدوان الإسرائيلي.

المواطن المغربي، الذي خرج بالأعلام الفلسطينية إلى بوابات الموانئ، يعلن صراحة أن التطبيع لم يعد قرارًا فوقيًا دون تبعات، وأن الموانئ لن تكون بعد اليوم منطقة “محايدة” في حرب الإبادة التي يشهدها القطاع المحاصر.

الرسالة واضحة: الصمت لم يعد مقبولًا، والدولة أمام اختبار سيادة القرار واستقلال الإرادة، فإما الانحياز لإرادة الشعب، أو التورط في جرائم لن يسقطها التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى