لبنان يرفض التطبيع في ظل التصعيد الإسرائيلي

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام موقفًا صارمًا وواضحًا من ملف التطبيع مع إسرائيل، مؤكدًا أنه “مرفوض من جميع اللبنانيين”، ومشيرًا إلى أن لا جهة سياسية أو اجتماعية في البلاد تقبل بهذا الخيار، خصوصًا في ظل تصعيد إسرائيلي دموي مستمر ضد الجنوب اللبناني. تصريحاته تأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد الحدود الجنوبية توترًا غير مسبوق منذ عقود، وتواجه الدولة اللبنانية تحديات جمة على المستويات العسكرية والسياسية والدبلوماسية.

أولًا: رفض لبناني موحد للتطبيع

تصريحات نواف سلام لا تعبّر فقط عن موقف حكومي بل تجسد ما يشبه الإجماع الوطني اللبناني، في بلد لطالما تعامل مع إسرائيل كعدو، سواء في الخطاب الرسمي أو في إطار المقاومة الشعبية والمسلحة. هذا الرفض يشمل مختلف مكونات الطيف السياسي اللبناني، من القوى الإسلامية كحزب الله، إلى التيارات القومية واليسارية والمسيحية التي ترى في إسرائيل خطرًا وجوديًا على لبنان والمنطقة.

الجدير بالذكر أن لبنان لم يشارك في أي من اتفاقيات التطبيع الأخيرة، التي شملت دولًا عربية ضمن ما سُمي بـ”اتفاقات أبراهام”، ما يعكس تمسكه بثوابته التاريخية تجاه القضية الفلسطينية.

ثانيًا: التصعيد الإسرائيلي وتوظيفه سياسيًا

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل لبنان في حالة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، بدأت كتصعيد متبادل وتحولت في سبتمبر/أيلول 2024 إلى حرب شاملة، خلّفت حتى الآن أكثر من 4 آلاف قتيل و17 ألف جريح، غالبيتهم من المدنيين، إلى جانب نزوح أكثر من 1.4 مليون شخص.

ورغم اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فإن إسرائيل خرقت الاتفاق أكثر من 1260 مرة، وهو ما يدفع للتساؤل حول مدى جدية التزاماتها الدولية، ويؤكد أن التصعيد لم يكن مجرد رد فعل بل جزء من استراتيجية احتلال مستمر، خاصة في ظل إصرارها على الاحتفاظ بخمس تلال لبنانية استراتيجية، والبدء بإنشاء شريط حدودي داخل الأراضي اللبنانية.

تصريحات نواف سلام حول “لا قيمة عسكرية لهذه التلال” تكشف أن الهدف الإسرائيلي ليس أمنيًا بقدر ما هو سياسي ورسالة تهديد مستمرة للبنان.

ثالثًا: إخفاق في الضغط العربي والدولي

سلام أقرّ بأن لبنان لم ينجح حتى الآن في تفعيل ضغط دبلوماسي فعال على إسرائيل، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر القوى العربية المؤثرة. ويعكس ذلك تحديًا كبيرًا أمام الحكومة اللبنانية في ظل انقسام الموقف العربي وتحوّل عدد من الدول إلى مسار التطبيع، مما أضعف وحدة الضغط العربي.

الحاجة إلى حشد دعم عربي ودولي باتت ضرورة وجودية للبنان، ليس فقط لحماية أراضيه، بل لحماية ما تبقى من استقرار داخلي مهدد بانفجار جديد في حال استمرار العدوان الإسرائيلي.

رابعًا: أبعاد القضية الفلسطينية في الخطاب اللبناني

سلام لم يفصل بين الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، والمخطط الإسرائيلي لتهجير سكان غزة والضفة الغربية، وهو ما يعكس فهمًا لبنانيًا معمقًا لوحدة القضية الفلسطينية واللبنانية في مواجهة المشروع الإسرائيلي التوسعي.

فالمخطط الإسرائيلي لإقامة “دولة فلسطينية خارج فلسطين” يعني عمليًا تفريغ الأرض من شعبها، وتهديد استقرار الدول المجاورة، وعلى رأسها لبنان، الذي يستضيف أصلاً مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين منذ نكبة 1948.

خامسًا: دلالات سياسية داخلية وخارجية

تصريحات رئيس الحكومة قد تحمل رسالة مزدوجة:

  • داخليًا: تأكيد على تمسك الدولة بالثوابت الوطنية رغم الانقسامات، وإعادة التوازن في الخطاب السياسي الداخلي.
  • خارجيًا: تحذير للمجتمع الدولي من خطورة ترك إسرائيل تواصل اعتداءاتها دون محاسبة، ما قد يؤدي إلى انفجار شامل جديد في المنطقة.

يُعَدّ الموقف اللبناني من التطبيع أكثر من مجرد رفض رمزي، بل هو تأكيد على استمرار لبنان في موقع المواجهة مع المشروع الصهيوني، في وقت تشهد فيه المنطقة موجة من التراجعات السياسية والمساومات على حساب القضية الفلسطينية. وفي ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل، فإن هذا الرفض يُعَدّ من آخر الأصوات العربية التي ما تزال تقاوم التطبيع وتتمسك بثقافة المقاومة، رغم الثمن الباهظ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى